عن رحيل الشاعر فرانك فوناي: الجريح الأبديّ الذي عاش محتجّا على العالَمِ

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدّائم السلاّمي: انشغل الوسط الثقافي الفرنسي خلال هذا الأسبوع بوفاة الشاعر فرانك فوناي، وكتبت عنه مقالات عديدة سنحاول أن نُجمل أهمّ ما جاء فيها في هذا المقال. وهو شاعر فرنسي من أصل فلامنكي (ينتمي إلى منطقة الفلاندرز في الجزء الشمالي من بلجيكا) قال في بداياته الأدبية: «قرَّرْتُ أن أكون جوادا فلمنكيا؛ أصهلُ، وأفكّرُ، وأكتبُ بهذه اللغة» (الفلمنكية)، غير أنّ نتاجَه الشعري الذي نشره على امتداد نصف قرن وبلغ أكثر من خمسين ديوانا أوّلها «وثائق الهُويّة» (1966) وآخرها «الطفل الأحمر» (2018) كان كلّه باللغة الفرنسية. ووصف بأنه الشاعر الذي عاش «تائها على مسرح الهامش»، حيث جعل من حياتِه رحلة في اللغة والعزلة والشِّعر، وفي خلال ذلك نجح في أن يحوّل كتابته إلى ما يشبه السيرة الذاتية لإنسان دائم الاحتجاج على عصره وحضارته.
ولد فرانك فوناي في باريس عام 1936 وتوفي في 23 أغسطس/آب 2018 عن عمر ناهز 81 سنة. جُنِّدَ في شبابه للخدمة العسكرية وقضى سنتين في الجزائر، وكان مغرَما بكرة القدم، والفن التشكيلي والأوبرا، شارك في إصدار مجلة «الحركة الشعرية» في الستينيات، وعمل منتجا ثقافيا في إذاعة فرانس كولتير. ونالت دواوينه الشعرية العديد من الجوائز منها الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية سنة 2011، وجائزة غونكور للشعر سنة 2017، والجائزة الوطنية الكبرى للشعر عن مُجمَل أعماله المنشورة.
أنْ يكون المرءُ شاعِرا، حسب فرانك فوناي، لا يعني فقط «أن يكتب قصائد شعرية أو نثرية، وإنّما أيضا أنْ يُؤمن بكثافة اللغة ومتاهاتها وتناقضاتها وسخائها. وأن يمنح للألمِ القدرةَ على تجاوز ذاته ليصير ألما عامّا يشمل الشِّعرَ ذاتَه. وبهذا يكون الألمُ سبيلَنا إلى الالتقاء بالآخرين» (ديوان «نحن الحداثيّون»، فلاماريون، 2010). والحقّ أن هذا الشاعر لم يكتفِ بالتنظير لماهية الشّعر وإنّما جعل منه أسلوبَ حياةٍ، حيث ظلّ في نصوصه شاعرا جوّالا يتنقّل في الأرض وفي المرضِ وفي الخيال ليسبق الموت ببعض الخطوات، وهو يردِّدُ بسخرية سوداء: «أنا إنسان مخدوع، طَرَقَ الموتُ والمرضُ بابي، أشعر بلهفتهما عليَّ، وأتفهّمها في أغلب الأحيان، أطلب منهما فقط بعضَ الوقت، شيئا منه فقط، القليلَ من الزمن الثمين، لا لألعبَ دورَ الحمار أمام محفل المثقفين، وإنما لأفهم بشكل أفضل ذاك الذي ما يزال يستعصي عليَّ فهمُه: معنى الحياة والمكانُ المُحدَّدُ الذي سيؤول إليه الإنسان في هذه المغامرة الوجودية المحدودة، ولكنني أعرف بالتحديد ماهيةَ الشعر الذي أكتب، ورغم كل شيء فأنا إنسان خدعته الدنيا» (ديوان: «بمعنى آخر»، موركير دو فرانس، 2012).
ولعلّ الثيمات الكبرى لشعر فرانك فوناي هي القلق والمرض والسخرية المريرة من الموجودات. فهو شاعر مصارِعٌ، لم يستسلم لثقل الأمراض التي تعاورت جسدَه (وَهَنٌ جسديٌّ ونفسيٌّ)، بل حوّل الألم إلى طاقة تخييلية تُمكّنه من الغوص في فوضى الواقع لصيد الكلمات التي لم تُكتبْ بعدُ: «في بعض الأحيان تكون الكلمات ضعيفة جدّا، حتى أنه يجب البحث عنها عميقا: بإفراغ المكان حول الذات، وإقصاء الكلمات التي سبق استعمالها، وإقصاء كلّ سلطتها على العالم». وهو إذْ يبحث عن كلمات بِكْرٍ، فإنّما هو يسعى إلى فهم أزمنتنا الحالية ومحاربة ألمِه الخاص وآلام العالم. وما يميّز تجربته في كتابة الألم الشخصي أو العامّ هو عدمُ تغنّيه به كما يفعل الرومانسيّون، بل هو يذكره بتراجيدية بليغة لينفيه إلى حيث يَخِفُّ وقعُه على الأجساد، ينفيه إلى جهةِ الشِّعرِ، وكأنّ الشِّعْر يقتل الألمَ أو يُدخله إلى فضاءِ المعيش اليوميّ الذي لا يثيرُ انتباه الأجسادِ إليه. ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أن فرانك فونايْ أفنى عمرَه في «كتابة كل ما يتآكلني ويزعجني ويجعل مني هذا الجريحَ الأبديَّ الذي لا يُشفى» على حدّ قوله. ورغم ذلك، أو ربما بسبب ذلك، لا يُخفي فرانك فونايْ مقتَه الواقعَ، وسكونيةَ الحياة فيه، وبطءَ اشتغال المعنى في جسد الموجودات من الأحياء والأشياء، فإذا هو لا يكفّ يبحث عن مسارب جديدة تقوده إلى كُنْهِ أسرارِ ماكينة معنى الوجود ذاته، ليتوغّل عميقا تحت قشور الظاهر إلى العمق: عمق المعنى المخنوقِ بالرتابة، وهو ما نجد له صورة في قصيدته الموسومة بـ«أمواج البحيرة»، حيث يقول: «أتقدَّم نحو مزيد من النور، القوارب، تلك التي كانت قد رست مكتظّة بضحكات وأغانٍ ليست من أجلي، أضحت فارغة، أتقدم، لا أسمع غيرَ صخب المجاديف مختلطا بالنواقيس المنتصرة، آه كم نحن متحضِّرون، نحن من يجب علينا أن نتعلم كل شيء من الأمواج، ومن الهدوء الذي تصطدم به على الميناء» (ديوان: «هذا»، موركير دو فرانس، 2009). وككلّ قصائد فرانك فونايْ، لا نعثر على تلك الشكوى من الزمن أو من المرض أو من العالَم، وإنما نجد فيها مواجهة منه لها جميعا: إنه يشكوها ليُواجِهَها، ويُشاكِسَها، ويحتجَّ عليها، وهذا ما نُلفي له حضورا في قوله مخاطِبا مدينة باريس: «باريسُ، يا باريسي الجميلةَ، ستكونين شاهدة على حُبّي لك، أتوجه لك بالكلام على عَجَلٍ، فأنا متعَبٌ، عنفُ المرض يَنْضَافُ من الآن فصاعدا إلى عُنْفِ الطِبِّ، فمن فضلكِ، إجعلي كلَّ أقسام طِبِّ الأعصاب في مستشفياتك تنفجر في ليلة واحدة، ذاك ســـيجعلني أنعمُ ببعض الهدوء، إفعلي ذلك، بمقدورك أن تفعليه، إني ذلك الرجل الذي يشعر أنه مخدوعٌ، ظلّ يطرق الأبــواب إلى حدٍّ تفتَّتَتْ فيه أناملُه، تائهٌ في الليل في ما يُسمّى العتمة التامة، أتقدم ببطء ممسكا بيدي».

عن رحيل الشاعر فرانك فوناي: الجريح الأبديّ الذي عاش محتجّا على العالَمِ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية