كانت المؤامرات التي تحاك ضد الشعب الفلسطيني، تحاك ضده في الخفاء، أحياناً من قبل أولئك الذين يتسابقون لنجدته، وهم يدفعون به إلى الهاوية، أو إلى خارج وطنه، وهم يتقدمون، وأحياناً من أولئك الذين يرتدون كوفيته، ويخطبون ملء أفواههم يحرضّونه على أن يموت أكثر، ليعيشوا هم، وأحياناً من استعمار واضح لا يرتدي قناعاً، لكن مَن يرتدون كوفيته ومن يتدافعون لنجدته، هم الذين لا يتوقفون عن إعادة القناع لوجه المُستعمر، كلما انزلق قليلاً، وظهر تحته وجه العدو الصهيوني.
كل مكروه لحق بالشعب الفلسطيني كان رغماً عنه، حتى وإن بدا أحياناً أنه قابل به. ثورة 1936 التي تم إيقافها بوعود الزعامات العربية، والفلسطينية، بتواطؤ فوزي القاوقجي، الذي كانت صوره تعلق في بيوت الفلسطينيين، ثم ما لبث أن استدار عليهم، القاوقجي الذي اتفقت كل الزعامات على تعيينه قائداً لجيوش الإنقاذ، ذلك (الثائر) الذي فجعني وأنا أتابع خطاه أثناء كتابة (زمن الخيول البيضاء)، وأصل إلى نتيجة تؤكد أنه واحد من أسوأ الزعامات. وما أثار دهشتي أكثر أن كشف دوره لم يتم من قبل المؤرخين، بصورة واضحة، على حد علمي، حتى نهايات القرن الماضي على الأقل. ومثل فوزي القاوقجي، هناك زعامات فلسطينية في الأمس القريب واليوم، لم يكن دورها أقل خيانة عن دور القاوقجي، لكن أزلامهم الصغار المستعدين لتصفية كل من يطأ تراب قبور هؤلاء الزعماء أو فصول سيرتهم ما زالوا يحرسونهم، وكأن فلسطين قد تحررت على أيديهم، وكأن كل من ينتقدونهم ليسوا أكثر من مندسّين يغيظهم عرس التحرير الذي اكتمل!
ما لم تفهمه الزعامات، التي بتنا نراها تقف في الأسواق مرغية مزبدة، مهددة القريب والبعيد بأحط صورة يمكن أن نراها، ما لم تفهمه، هي ومن أحاطوا بها، يحرسونها، في مشهد يذكّرنا بأفلام المافيا، ما لم تفهمه هذه الزعامات والسلطة الفاسدة التي يدافعون عنها، وتدافع عنهم، أنهم يمهدون لدمار أكبر يترصّد فلسطين وشعبها.
يفرح كثير من هؤلاء أن هناك عواصم تحميهم، قريبة وبعيدة، عواصم باتت تتحلى بأبشع أشكال الوقاحة، وهي تُسخِّر قوّتها ونفوذها لسحق فلسطين والفلسطينيين وإدخالهم إلى قفص الطاعة، صاغرين، مُذلّين، مُهانين.
لقد تغيّر الزمن الذي كانت فيه الأنظمة اللقيطة تُسيِّر جيوش إنقاذ، كان ثمة بعض الخجل يدفعها لأن تكذب، وتدفع الفلسطيني، للتغابي، أو التصديق، لكن الأمر لم يعد كذلك اليوم، لا في الضفة الغربية التي تتفاخر فيها الزعامات بجماليات السجن الذي يقبع شعبها فيه، ولا في قطاع غزة الذي تتفاخر فيه الزعامات بإمارة الانقسام متغافلة عن قباحات السجن.
(وكل بما لديهم فرحون)
فلسطين تُحشر اليوم في أضيق الزوايا، رغم أنها كقضية ضمير تُحقق اليوم انتصارات متتالية في العالم، وأحد الأسباب الكبيرة لهذا الاندفاع المحموم لإنهاء قضيتها، هو إدراك كل من يناصر الكيان الصهيوني، أن فلسطين تكبر اليوم، وتنتصر، وتتحوّل إلى قضية تمسّ قلوب شعوب كثيرة، ومثقفين، وفنانين، وأكاديميين، وحتى دولا ضعيفة، تدرك أن كرامتها أطيب من لقمة خبزها، فتتمرد.
هذا التسارع من أنظمتنا اللقيطة، التي تمارس الثغاء في حظائر سيد البيت الأبيض، الذي لا أجد صفة تليق به فعلاً، هذا التسارع لا يهدف إلا لشيء واحــــد: قطْع الطريق على العالم الذي يقــــــف مع جوهر فلسطين كقضية عادلة، كي لا تنتصر هذه القضـــية أكثر، تماماً كما تقطع الآلة العسكرية الصهيونية الطريق على أمواج مسيرات العودة، وكما تقطع الطـــائرات المقاتلة الصهيونية طرق السماء على طائرات الأطفال الفلسطينيين الورقية.
لقد دفع كثير من الأنظمة التي تآمرت على فلسطين والفلسطينيين، في الخفاء، عام النكبة، ثمناً غالياً، وظلّ بعضها يدفعه حتى اليوم، فما بالنا بأنظمة تتآمر اليوم على الهواء مباشرة، كما يقتُل الصهاينة أطفال فلسطين على الهواء مباشرة.
لن ينجو أي متآمر على فلسطين من لعنتها.
كل شيء حدث في الماضي رغماً عن فلسطين والفلسطينيين والشعوب العربية، النكبة والنكسة، والمجازر المتلاحقة، وكامب ديفيد ووادي عربة، وأوسلو وموقّعوه الذين دمروا فلسطين في ربع قرن أكثر مما دمّرها الصهاينة منذ أن وضعوا أول حجر في أساس أول مستوطنة صهيونية في نهايات القرن التاسع عشر.
من يعتقد أنه سينجو إذا أنهى القضية الفلسطينية، ولن ينهيها، سيهلك، ولن يحميه أحد، لا البيت الأبيض الذي يستمتع اليوم بفرائه وثغائه وحليب أرضه، ولا الشعوب التي لن تقبل إلى الأبد أن تكون لقمة خبزها نوعاً من أنواع الرشوة، لتظل ساكتة.
سيبقى طعم الكرامة، دائماً، أطيب بكثير من طعم الخبز…
وثمة جهنم، هنا وهنا وهناك، على وشك أن تطرُق أبواب هذه الأنظمة اللقيطة بعد قليل.
إبراهيم نصر الله