■ أتاحت ديمومة القلق السياسي في الجزائر، أو بالأحرى الحرص الحاصل على إدامته، الناشئة عن معضلة شرعية سلطة الدولة منذ استقلت البلاد قبل نصف قرن، فرصة الاستمرار لهاته السلطة في احتكار مفاهيم السيادة وسيادة المفاهيم حول طبيعة ومرجعية الوجود بالنسبة للجماعة الوطنية، حيث تتواصل هيمنة الرؤية الأحادية لهاته السلطة على صياغة البُنى الجمعية بمعزل عن إرادة الشعب، ووفق ما تمليه مصلحة هاته السلطة ومشروعها التلفيقي المتغير بتغير الأوضاع الخارجية أكثر منها الداخلية.
هذا ما تؤشر له مسودة الدستور الجديد التي أحدثت تحولا في مركزية الهوية الوطنية لا تداعيا للوعي الحاصل في هذا الاتجاه (وهذا أخطر ما في الأمر) بل خضوعا لشرطية ظرف تريد أن تتكيف وإياه بكل الوسائل، حتى إن تطلب ذلك المس بأساسيات البناء المعنوي للوطن.
يكاد التلاعب بالرصيد والمصير الرمزي للبلاد، يشابه، إلى حد ما، تجربة هاته السلطة مع الوجود والمصير التنموي و»الثروي» للبلاد الذي بعثرته وبذرته، على مدار سنوات الاستقلال، في سبيل استدامتها على رأس المجتمع، إذ أن توظيف المسألة الأمازيغية بالشكل الساري حاليا، في صراع البقاء الذي تخوضه هاته السلطة بكل ما تملكه من وسائل شريفة وغير شريفة، وبمعزل عن النقاش والإرادة النابعة من الجامعة الوطنية، يحمل في طياته مؤشرات خطيرة ولسوف يزج بالبلاد في مطبات وهزات قد لا يعرف لها خلاص فيما بعد.
كل الديكتاتوريات التي صاغت لوحدها، وفوقيا، معنى الوجود الجمعي في القطرية العربية الموروثة عن إرادة وفكر الاستعمار، تهاوت أمام ثورة الوعي للأجيال المتأخرة، والمشكل أنه بتهاوي تلكم الصيغ الديكتاتورية بسقوط هؤلاء الطغاة تهاوت الأوطان بكاملها، مبرزة عيوب التشكل القُطري الفوقي، القاطع مع حقائق الواقع والمتجاوز لأسئلة التاريخ في الوجود الجمعي، والدليل ما يحدث حاليا في أكثر من قطر عربي مأزوم ومحموم بحروبه الأهلية.
فمسألة، أو بلفظ أدق، معضلة الهوية هي أكبر من أن تختزل في تغيير أول تعديل دستوري قاطع مع الإرادة الشعبية، ذلك لأنها معضلة مركبة تضرب بجذور تعقيداتها في عمق لحظة الانوجاد القطري، الذي حصل مع الاستعمار وما خطه من رسومات وآثار على ملامح جغرافية وملامح تاريخ المنطقة، فالطلاسم المتعلقة بالمعنى الرمزي لم تفك مطلقا بركام المواثيق الوطنية التي كانت تتأسس في ظروف قهرية قاهرة، ناءت في ما بعد عن حملها متغيرات التاريخ وانبجاس وعي جديد مواكب لمحدثات العصر.
كما تنبغي الإشارة هنا إلى أن صدمة الاستعمار، وما أنجر عن تجربة الاحتكاك بفكره، فجر في الوعي الوطني جملة من الأسئلة حول حقيقة الوجود الجمعي المشترك، مثلما حصل مع الزعيم فرحات عباس، لأن حركة الاستعمار قامت على خلفية قومية قطرية خالصة، عجز الإرث الوطني عن محاكاتها ضمن النسق القطري الطارئ على وجوده، وهو الوجود الذي كان مؤسسا على بعد ديني في أحلك محطات هذا البعد (الديني) التاريخية، الأمر الذي أدى بالذاكرة النخبوية إلى الارتكاس إلى الخلف، في انشقاق وتشظ، تاريخا وجغرافية، وتعلن عن العودة إلى وعي ما قبل الفكرة الدينية الجامعة. بالإضافة إلى أن هيمنة السياسي على الوعي قهرا واقتيادا أضحت في عالم مفتوح، عار ومتعار عن السياجات الانتمائية، من أحاجي الماضي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتواصل طغيان املاءات الساسة حاكمين كانوا أو معارضين على عقول جديدة معولمة تصوغ نشأتها اليوم خطابات العولمة أكثر من الخطابات التنشيئية القطرية ذات الحدود المغلقة والمغلفة في ضيق الحيز الجغرافي والتاريخي في المدارس أو الجامعات أو الجمعيات الأهلية.
السلطة في الجزائر تلاعبت سياسيا على مدى عقدين ونيف من مسار التعددية التي أقرت بعيد أحداث أكتوبر 1988، كما شاءت بحركات الاعتراض الرمزي على مشروعها التلفيقي الذي قادت به الوطن لمدة نصف قرن إلى اغتراب ذاتي رهيب، تتطاحن في أتونه مكونات الهوية، من عربية، وفرنسية، وإسلام وأمازيغية، بشكل جدلي تصارعي دائم، فقد اعتادت تقوية تيار ضد آخر وفقا لحاجتها الظرفية إلى ذلك ميدانيا، يذكر الجميع كيف أنها سهلت لحزب القوى الاشتراكية تنظيم مسيرة ضخمة في العاصمة ضد قانون تعميم استعمال اللغة العربية، الذي صدر عن المجلس النيابي سنة 1990، وسهلت في المقابل للرابطة الإسلامية سنة 1991 تنظيم مسيرة حاشدة ضد مطالبة العلمانيين بتغيير قانون الأسرة المستمد من الشريعة الإسلامية.
يبدو أنها تسعى لتوظيف المسألة الامازيغية وحقوق المرأة، وقانون الأحوال الشخصية في معركة بقائها، لكن لكسب التأييد الدولي وإرضاء حلفائها في الخارج أكثر منه تكريسا لمقتضيات الوعي الجديد والمتجدد بخصوص مرجعية الأمة.
الإشكال الحاصل في المسألة الثقافية ذات ارتباط الوثيق بقضية الهوية، هو ذلك التداخل المطلبي بين السياسي والثقافي، فمناضلو القضية الأمازيغية يريدون اعترافا سياسيا بها أكثر من الاعتراف المجتمعي والجماعي، الاعتراف بها من قبل سلطة تفتقر للبعد المجتمعي والشرعية السياسية بمفهومها الواسع والتاريخي قد لا ينفعها في شيء حتى لو وصل إلى حد الترسيم «المكره» في الدستور، من هنا يضتح أن السلطة غير العابئة بمقتضيات تطور الوعي كمنجز لاستحداث التغيير في أبنية الوطن السياسية، لا تكترث لخطورة بادرة المس بمحاور مهمة بل ومركزية في الدستور، كالهوية وما يستتبع ذلك من تفاصيل تتحول إلى مطالب ميدانية قد تدفع بالتنوع والاختلاف إلى خلاف وتصارع.
هكذا تتضح عدم قدرة الفاعل السياسي في الجزائر، سلطة كانت أم معارضة، على مواكبة نسق التطور المفاهيمي في مسألة إعادة ترتيب اساسيات وآليات ضمان بقاء واستمرارية الوجود الجمعي المشترك في الحوزة الوطنية، التي تنتجها تجارب الغير في الحكم والسياسة، وفق متغيرات التاريخ، إذ تصر السلطة على احتكار صلاحية التصرف في تحديد رمزيات الوجود أو ما ينعت بثوابت الأمة، في مقابل إصرار المعارضة السياسية ذات المطلب الرمزي، لاسيما الامازيغية منها، على مطلبها القديم بضرورة الاعتراف بها فوقيا والتوثيق ذلك دستوريا، حتى إن ظلت هي ذاتها تعي أن المسائل الدستورية غير حاسمة للعملية السياسية، طالما أن أولوية السياسي على الدستوري والقانوني تظل نهجا للحكم في البلاد، في مصادرة مستمرة للوعي والإرادة الوطنيين.
كل هذا، يكشف مدى عمق أزمة الأبوية التي مارسها طغيان سلطة ودولة الاستقلال القطري في العالم العربي ككل، ولا أدل على ذلك من شمول المطالب التغييرية لموضوع عنوان الذات المشتركة الحساس، بعد عاصفة ما سمي بالربيع العربي، حيث أدرجت الهوية في نطاق النقاشات الوطنية التي استهدفت إعادة صياغة المجتمع والدولة وفق ما يمكن أن يتيح مجالا اكبر للحرية فيما يمكن تسميته «تقرير مصير الرمزي» وهو ما يدفع إلى التساؤل حول ما إذا كانت الهوية الأولى عبارة عن انسجام رمزي في قطرية مفروضة؟ أم أنها كانت عنــــوانا لاستدامة ســــلط غير شعبية وغير مجتمعـــية بالمفهوم السياسي للكلمة؟
من هنا، جاءت عبثية الفرار من حتمية التسليم بأن الفكر العربي، في شقه السياسي المرتبط بالتاريخ، يعيش حالة غريبة ومتغربة من الوعي بالذات، عسرت من قدرته على التعامل مع الآخر، فهو لم يستطع استيعاب المسألة القطرية التي تداعت في خريطته المكانية، كما أشرنا، عن فكر استعماري صاغ التاريخ بطروحاته الخاصة، فاختلطت اتجاهاته بين العربية والتعريب والعربنة، في وقت واصلت حركات الانبعاث الاقلوي التي تحتج بالتاريخ على الجغرافية، تصعيد مطالبها، المتصلة بالكل حاضرا والمنفصلة عنه ماضيا، فضاع جنوب السودان وسيضيع العراق وسوريا، مثلما يتهدد شمال أفريقيا بالضياع في حال تمادى سكوت وعدم فهم جدلية الواقع المتغرب التغريبي للمسألة القطرية في بعدها الهوياتي، من هنا تأتي خطورة اللعب الدستوري بمسألة الهوية، واتخاذها وسيلة للاسترضاء السياسي على حساب حقائق التاريخ، ودونما تأسيس فعلي على تراض جمعي ومجتمعي تقوده عملية تناظرية سياسية وثقافية لجيل لم يعد يؤمن بإكراهات سلطة ودولة الاستقلال القُطري عن الاستعمار الغربي ذات المشاريع التلفيقية التفريقية التي تجاوزها التاريخ.
٭ كاتب وصحافي جزائري
بشير عمري