في المقال السابق، أشرنا إلى مهرجان جرش للثقافة والفنون، وحوار فيسبوكي مقتضب بيني وبين مدير عام المهرجان محمد أبوسماقة، والذي رد عليه (فعلا لا قولا) بحزمة قرارات للمهرجان هذا العام، تتعلق بزيادة المشاركة المحلية الأردنية، دعما للحالة الفنية الأردنية المنهكة والمتعبة جراء الإهمال الطويل.
شخصيا، أنا مبتهج لرد الفعل هذا، ولمحتواه الإيجابي الذي يضع المهرجان العالمي على سكته الصحيحة، فمن المعروف أن أي قرار بالإنطلاقة العالمية لا يبدأ إلا من قواعدك المحلية.
«مهرجان جرش»، كما «مهرجان قرطاج» و«مهرجان بصرى»، وطبعا «مهرجان بعلبك» قبلها جميعا، كانت «فضاءات» ذلك الزمن الجميل قبل تخمة الفضاء بفضائيات الديجيتال، والتي كانت أشبه بتعليب صناعة الترفيه والفن في معلبات فضائية لا تملك ترف الإختيار في حضورها وأنت اليوم متسمر أمام هذا الكم الفضائي في منزلك.
أنا مع المهرجانات العربية – رغم الواقع الكرنفالي التراجيدي المحزن – فتلك المهرجانات كانت إلى حد ما وسيلة تواصل إجتماعي حقيقية بعيدة عن عالم الإفتراض.. والأهم أنها كانت تعتمد ذائقة جماهيرية محترمة لا ذائقة صناعة الترفيه الفضائي.
من جملة التعليقات التي وردتني تعليقان عن أن «مهرجان جرش» ساهم في «تعليم» الأردنيين تذوق الموسيقى والغناء!!
لم أر في محتوى التعليقين إلا نفسا متعاليا ومتجنيا على التراث الغنائي الأردني «المظلوم جدا» وهو تراث حافل بما يعكس هوية الشعب الأردني نفسه.
حكاية أغنية «لوحي بطرف المنديل»
ومن ذاكرة الأيام، حكاية طريفة رواها لي المرحوم الفنان الأردني توفيق النمري وأكدها لي الكاتب والمفكر الأردني الراحل جورج حداد، تتعلق بإحدى أغنيات النمري التي غناها ولحنها وكتب كلماتها جورج حداد، كما أداها من بعده مطربون عرب كتراث أردني.
الأغنية التي غناها النمري هي «لوحي بطرف المنديل».. وحكايتها حسب ما يرويها أنه تلقى إتصالا من المرحوم وصفي التل، حين كان مديرا للتوجيه الوطني المسؤول عن الإعلام منتصف الخمسينات، وطلب منه المرحوم التل التلاقي أمام الإذاعة بصحبة الكاتب جورج حداد، وحين التقوا، أخبرهم وصفي أنه كثيرا ما يدندن لحنا مع كلمات كان يسمعها في طفولته بالأعراس الحورانية حيث نشأته، وكانت الكلمات للأغنية مجهولة المصدر توحي بأجواء الحرب العالمية الثانية، والتي يبدو أن كاتبها المجهول تأثر بما يسمعه من إذاعة برلين العربية وقتها فكتب يقول :
يا أم العرجة الغوازي والجنيديات
يخضعلك جيش النازي والولايات
عصمت إينونو وهتلر ليكي خدام
والجيش السابع والثامن للتحيات.
لقد تعملق هذا الفلاح الحوراني البسيط وقتذاك، ورأى في محبوبته القروية البسيطة ما يفوق كل معطيات الحرب العالمية الثانية من شخصيات وأحداث وقطع عسكرية ودول وأنظمة، فرأى فيها – حسب نظرته – ما يخضع ألمانيا والولايات (حلفاء ومحور مرة واحدة)، بل بدأ بالأسماء فعصمت إينونو من تركيا وهتلر ما غيره يخدمون محبوبته (وأقصى الظن فيها مزارعة في بيدر قمح)، كما يقف الأسطولان السابع والثامن لتحيتها.
نقل النمري اللحن، وأعاد حداد كتابة الكلمات لتكون الأغنية الجميلة التي تجدها الآن على الـ «يوتيوب» بأصوات مطربين عرب وهي من التراث الجميل .
العجرفة والطبقية وفضح المستور فيهما فضائيا
التعالي على الطبقات الأدنى يعكس إستفحالا للشعور الطبقي في المجتمعات، ولعل الحادثة الأكثر أهمية وبروزا على الفضائيات والإنترنت الآن هي قصة وزير العدل المصري الذي أقيل من منصبه على خلفية تصريحاته المستهترة حول القضاة، وأن إبن الزبال لا يمكن أن يتولى القضاء حسب رأيه.
لهذا كانت الثورات يا وزير العدل المقال!!
المشكلة حسب رأيي لا تكمن فقط في ما عبر عنه وزير العدل المقال، بل في إحتمالية لو لم تكشف مكنوناته الفضائيات التي إلتقطته ووثقته على الهواء !!
هذا الشعور المتعجرف والمتعالي الطبقي، هل يقتصر على وزير شاء سوء حظه أن يقول ما يقول على الهواء؟
كم من مسؤول عربي «رفيع المستوى» يحمل الشعور ذاته بالدم الأزرق في عروقه ويخفيه، لكنه يتعامل معه كواقع ينعكس على تصرفاته ومن ثم قراراته. وهذه لعلها سمة عربية قبيحة باتت تتجذر أكثر هذه الأيام وتنذر بفضائح وربما ثورات في المستقبل.
وزير العدل المصري المقال – ويستحق الطرد بلا شك – برأيي هو الجزء الظاهر من جبل الجليد في السلطة العربية.. وما خفي أعظم.
رمضان ومتوالية «باب الحارة» المخلوع
بدأت الأخبار تتوالى عن إنتاجات رمضان المقبل في الدراما العربية، وما زال العرب منشغلين حد التفاهة بالمقبل من أعمال أغلبها حقن مورفين تعمل على زيادة تخدير الوعي بالواقع وإستحلاب «المنتقى» و»المختلق» من التاريخ حصرا بما يكفي من جرعات لمواصلة الوهم.
مسلسل «باب الحارة» بجزئه السابع، يتحضر حسب الأخبار لتوثيق الحياة الدمشقية في الثلاثينات، وبإشراف خبراء في التاريخ..
شخصيا لا أرى في العمل إلا تكرارا مملا وممجوجا يبحث عن نوعية محددة من الجمهور مستلبة الوعي، وحوارات أتنبأ بها طويلة ومملة بين «نسوان الحارة» عن بطولات واهمة لا تكشف واقع التاريخ حينها بل هي تزوره لخدمة شهوة راهنة.
كتبنا مرة عن محاولات درامية قبل سنوات، تم فيها «الحفر» التاريخي المحترم، بدون أقنعة ولا تزييف.. كشفت كم كنا كما نحن اليوم، واقعا مهشما ومتشظيا..فينا السيىء كما فينا الجيد، وفينا الخيانات الذاتية، كما البطولات المحترمة.
«باب الحارة».. تم خلعه لسبعة مواسم على التوالي، وتركيبه كل موسم بما يناسب مزاج الإنتاج الدرامي المحكوم بإختصاصي «تخدير محترف»، كفى!!
إعلامي أردني يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة