عن نظرية القوة في العلاقات الدولية

أهم ما يميز التاريخ الحديث بحسب مارتن وايت (1913-1972) هو «تفوق فكرة القوة على فكرة الحق». وايت الذي كان من منظري ما يعرف في عالم السياسة الدولية بـ»نظرية القوة» كان يقول بوضوح، إنه لم يعد هناك مكان للأخلاق أو المبادئ في عالم اليوم، وأن البقاء للأقوى فقط.. الأقوى بحسب النظرة المادية.
هذا يذكر بالتأكيد بالنظرية الداروينية، لكن الفارق هنا أن التطبيق يخرج من مجال علم الإحياء إلى مجالات أوسع للسياسة والعلاقات الدولية، فتمنح الأقوى حق هرس الأضعف وإبادته لأنه لا يستحق، بحسب هذه النظرة، الحياة والبقاء.
الخطورة في تطبيق هذه النظرية على العلوم الدولية، في كونها تتناقض مع كل مفاهيم تساوي دول وشعوب العالم، مما يحرض على الجرائم الكبرى التي بدأت سابقاً من خلال محاولات المستعمرين إبادة الشعوب الأصلية، ثم تواصلت مع سعي النازيين لإبادة اليهود والعناصر العرقية الأخرى، ومع ما يحدث اليوم من انتهاكات في كافة أنحاء العالم.
هل يؤمن السياسيون الغربيون بنظرية القوة وبالداروينية السياسية والاجتماعية؟ بالتأكيد فإن الكثير منهم يفعل، وهو ما يفسر السياسة الاستعلائية التي تغلب مصلحة الدول الأكبر على ما عداها من دول وأخلاق. السياسية البريطانية الأشهر مارجريت ثاتشر لخصت ذلك ذات يوم في كلمات قليلة بقولها: «إن مهمتنا هي بلوغ المجد في سباق اللامساواة «. إذا كانت المساواة مجرد خدعة فهذا يعني بالضرورة أن الأمم المتحدة ومنظماتها ومؤسساتها ليست هي الأخرى سوى جزء من تلك الخدع ومجرد أفيونات لإلهاء الشعوب وإشغال الحكام. هذا يفسر سخرية الولايات المتحدة المتكررة من الأعراف الدولية، كما حدث على سبيل المثال حين اشتكت نيكاراغوا من التدخلات الأمريكية لمحكمة العدل الدولية إبان فترة الرئيس رونالد ريغان. حينها لم يقابل وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جورج شولتز، ذلك إلا بنظرة استغراب واستهزاء مما سماه «اعتماد نيكاراغوا على وسائل قانونية طوباوية، مثل المحكمة الدولية والأمم المتحدة وتجاهلها عنصر القوة في المعادلة!».
هذا يذكرنا بالتأكيد بالطريقة التي تتعامل بها دولة الاحتلال الاسرائيلي مع الفلسطينيين فهي تكاد تقول لهم بوضوح ألا داعي للسعي خلف القانون الدولي ومحاولة تطبيقات ضغوط لا تفيد، فالقانون لا يطبق إلا على الضعفاء. القوي يضع الشروط ثم يجعل فرصة لكلٍ من القانون الدولي والمؤسسات العالمية لتوفق أوضاعها بحسب ما تقتضيه هذه الشروط. بحسب منطق القوة فإنه يجوز للدول الغربية ذات السطوة والقدرة، التدخل بما يخرق سيادة أي بلد في هذا العالم، وبما يحقق ما تراه مصلحة لها اقتصادية أو وطنية أو أمنية. وبحسب هذا المنطق يصبح المقيد واسعاً وفضفاضاً وعلى مزاج «المجتمع الدولي»، كما يصبح احترام قواعد اللعبة القانونية أمراً رمزياً، أو حسب مقتضيات الظروف.. لكن الأمر لا يحدث بهذا الشكل السافر الصريح، وإنما يتغلف بالكلمات المنمقة والجمل البلاغية، وخذ مثالاً كلمة جورج بوش «الأب» أمام الكونغرس في 11 سبتمبر 1990، وهو يتحدث عن «النظام العالمي الجديد»: «نظام دولي جديد. حقبة جديدة خالية من التهديد باستخدام العنف. أكثر قوة في متابعة العدل وأكثر أمناً في السعي نحو السلام. عهد يمكن فيه لأمم الشرق والغرب، الشمال والجنوب، أن تزدهر في رخائها والعيش في تجانس (…) اليوم يصارع النظام الجديد لكي يولد عالم يختلف تماماً عن العالم الذي نعرفه، حيث يستبدل حكم الفوضى بحكم القانون، عالم تدرك فيه الأمم المسؤولية المشتركة للحرية والعدالة، عالم يحترم فيه القوي حقوق الضعيف».
حين تستمع لهذه الكلمات الأقرب إلى الشعر أول مرة تحس كأنها تتحدث عن بوش آخر، أو عن عالم آخر غير الذي أنتجه هذا «النظام الجديد»، كأنها تتحدث عن عالم موازٍ غير هذا العالم الذي نعرفه.. عالم لا يوجد إلا في مخيلة القادة الأمريكيين وحدهم. مثال آخر هو عبارة قديمة للرئيس ليندون جونسون قالها في مؤتمر صحافي عقده في 13 مارس 1956 إبان حرب فيتنام: «نحن سنستجيب لجميع الذين هم في جنوب شرق آسيا ويطلبون منا الدفاع عن حريتهم.. نحن لا نطمع بأي شيء في هذا الإقليم.. ولا نبحث عن شيء.. لا عن أراض ولا وضع عسكري ولا طموح سياسي.. كل ما نريده ونعتزم فعله أن يكون بمقدرة الناس في جنوب شرق آسيا تحديد مستقبلهم الخاص بسلام وبالطريقة التي يريدونها..» وما أشبه تلك بالدعاية الأمريكية إبان التدخل في الصومال، التي اعتبرت أن المهمة إغاثية للشعب المتضرر ولإعانته على بناء دولته، وما أشبهها بحملة الإقناع التي قادتها الدول التي شاركت في غزو وتدمير العراق بحجة حماية العالم من شرور نظامه.
مرة أخرى نعود للمثال الإسرائيلي الذي تثبت دراسة حالته أن الدولة قد تكون قوية بذاتها، كما هو حال الولايات المتحدة، لكنها قد تكون قوية أيضاً بجيرانها أو بضعف جيرانها على الأصح، وهو حال الكيان الصهيوني الذي تؤكد حوادث التاريخ القريب قبل البعيد أنه لولا الدعم الخفي والتواطؤ المفضوح من بعض دول وكيانات المنطقة لزال منذ أمد. من أمثلة الاستهزاء الصهيوني ما قامت به سلطة الاحتلال في هذا الوقت نفسه من العام الماضي حينما قتلت وزيراً فلسطينياً يتبع السلطة الفلسطينية خلال مظاهرة سلمية. السلطة الفلسطينية التي انبنى مشروعها على تمجيد المفاوضات، وعلى البحث عن الحلول السلمية لأزمة الاحتلال، أثار الحادث غضبها واستنكارها، ما جعلها تهدد باللجوء إلى «العدالة الدولية». كانت السلطة محرجة جداً حينها ومحاصرة بطلبات وقف التنسيق الأمني مع العدو التي أتت من جهات متفرقة.
مر وقت على تلك الحادثة وتكررت الاعتداءات، ليس فقط على مقاتلي حركات المقاومة، بل على الجميع، وتمدد العدوان حتى وصل إلى قلب حرم المسجد الأقصى الشريف، لكن كل ذلك لم يغير موقف القيادة الفلسطينية الرسمي، التي لم تتوقف عن اعتبار أن «التنسيق الأمني مصلحة وطنية»، وهي خـــــرافة تم التسويق لها بامتيـــــاز عبر اتفاقية أوسلو مع الخرافة الأكبر التي تقرر أن «السلام خيار استراتيجي» استراتيجي حتى إن رفضه الأعداء!
التذكير بحادثة الاعتداء على الوزير زياد أبو عين مهم لإثبات أن اليهود لا يرون فروقاً بين الفلسطينيين، فكلهم بالنسبة لهم سواء، فمن تآمر على اغتيال ياسر عرفات موقع اتفاق أوسلو لا يستغرب أن يتعامل ببرود مع حادثة مقتل مسؤول فلسطيني ينتمي لسلطة معتدلة يدعمها، أو هذا ما يفترض.
هل هناك بعد كل هذا من يزال على اقتناع بأن الدبلوماسية قد تغني عن القوة المادية؟ للأسف نعم..!

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية