قامت اللجنة التحكيمية لجائزة نوبل للآداب في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2016 بتسليم مغنية المفقرين والمقهورين من المُلوّنين وغيرهم في أمريكا الشمالية باتي سميث بالنيابة عن الموسيقي والمغني والشاعر بوب ديلان جائزة نوبل للآداب للعام الحالي 2016 لمساهمته في «تخليق تعابير شعرية مستحدثة في نسق التقليد الغنائي في الولايات المتحدة».
ولمن لا يعرف ديلان فهو مغن خلاق في بساطته وعمقه وتواضعه؛ بالتوازي مع تجنبه للإعلام والأضواء من الناحية الشخصية. أما من الناحية الفنية فهو مبدع حقا، ما زال وعلى امتداد ستة عقود يكتب كلماته ويلحنها ويؤديها بنفسه عزفا وغناء، مصورا فيها معاناة الإنسان بكل مكوناته المحسوسة والمجردة، في مواجهة النمط الاجتماعي والاقتصادي الطاغي في الغرب عموما، والولايات المتحدة خصوصا؛ فكانت أغانيه المغرقة في قربها من لغة ووعي الإنسان العادي، طوفانا من التجسيد الصريح لعواطف وأحزان وأحلام، كل الأجيال التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية في الغرب، ووجدت بأن ما وعدت به من رخاء وعدالة اجتماعية، هو محض تزويق دعائي لغرض إخفاء الجوهر الحقيقي التدميري الاستغلالي للنمط الاقتصادي الغربي، القائم على تسليع الإنسان وتحويله إلى عامل مضطر دائما لبيع قوة عمله لكي لا يموت من الجوع، كما لو أنه عبد لمشغله يمكن استبداله في أي ظرف وفي أي وقت بعبد آخر، وهو في الوقت نفسه مستهلك لا خيار له إلا بالاستهلاك أكثر وأكثر بما يمليه عليه من يسيطر على عقله ووعيه عبر الإعلام، ومن يحدد إيقاع ذلك الأخير في مراكز السلطة والثروة، اللتين أصبحتا أقنومين لا ينفصلان في الغرب المعاصر.
والحديث عن ديلان لابد أن يقودنا، نحن العرب، إلى التفكر في حال أولئك الأدباء العرب، الذين لم يفلح أي منهم في أن يقترب من ذهنية القارئ العربي البسيط، ومعاناته اليومية، دون أن يفت ذلك في عضدهم، ودأبهم على الانبطاح المخزي، في نظر الكثيرين، للتطبيع مع الأعداء التاريخيين لأبناء جلدتهم، علَّ ذلك يشفع لهم عند مستعمري العرب القدماء الجدد، ويضعهم في خانة المبدعين الكونيين الذين يستحقون نيل جائزة نوبل للآداب، ويقودهم لنيل الثواب الذي يرونه حقا لامتهانهم حرفة الكتابة لأجل الكتابة، ونهج اللغة المتسامية في نسق الحداثة والرمزية المشفرة وما بعدهما، وهي في كينونتها الحقيقية لا تعدو سوى صنعة لغوية خاوية الوفاض، وتلاعب مشبع بتناص مثير للشبهات في كثير من الأحيان، مع مبدعين آخرين يكتبون بلغة غير العربية كإيف بونفوا وغيره، حتى بدا للكثيرين بأن أولئك المتنطعين من الأدباء العرب الحالمين أبدا بنوبل للآداب يكتبون للجنة تحكيم الجائزة وليس للقارئ العربي.
ولأن لجنة تحكيم نوبل للآداب ما زالت تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية، والرؤية التحليلية والتاريخية الثاقبة، فقد اختارت منح الجائزة لبوب ديلان الذي يستقيم استخدام لقب «المبدع العضوي» في توصيفه على قياس مفهوم المفكر أنطونيو غرامشي «للمثقف العضوي»، وهو المبدع الذي اختار أن يكون ناطقا بهموم وأشجان أقرانه ومعاناتهم في حيواتهم اليومية، بموسيقى بسيطة في بنيانها الهيكلي والتوزيعي، يؤديها في معظم الأحيان بصوته الأجش النفّاذ، الذي قد لا يروق للكثيرين، دون أن يستطيع أي منهم نكران جاذبيته العميقة عند الاستماع له، تقترن فيها جمالية اتساق عمق المعنى، بجمالية التركيب اللغوي ضمن إيقاع موسيقي بسيط وأخاذ في آن. وفي ذلك السياق الأخير نفسه، لا يستطيع المستمع العربي إلا أن يستحضر عند سماع ديلان طقطوقات وأغاني فنان الشعب سيد درويش، والشيخ إمام، ومارسيل خليفة، وشعر أحمد فؤاد نجم، ومظفر النواب، وعبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، والكثير من قديم المبدع المناضل محمود درويش، والقائمة تطول؛ وجميعهم ينظمهم نسق الانزياح في التحديث الإبداعي دائما ليكون مرآة مطلقة الصفاء والنقاء، في عكسها وتكثيفها لعمق معاناة وأحلام وآلام المتلقين لإبداعهم، حتى استحقوا جميعهم بجدارة توصيف «المبدع العضوي» السالف الذكر.
وعلى المقلب الآخر يقع تاريخ ديلان الثري في تواضع صاحبه، وابتعاده عن الأضواء والإعلام الاستهلاكي، الذي يعيدنا بشكل عفوي إلى هول مكابدة طوفان الإسفاف الإبداعي والغنائي، في واقعنا العربي المعاش، حتى أصبح كل جاهل بأبسط قواعد الموسيقى العربية أو غيرها مغنيا يستحق الاستثمار والتسويق كبضاعة استهلاكية مرتبطة عضويا وتجاريا بتناسقها الشكلي، أو جاذبيتها الظاهرية، بغض النظر عن إمكانياتها الإبداعية الحقيقية، ما دامت سوف تدر دخلا مباشرا أو إعلانيا على مسوقها المرتبط عضويا بشبكة من المصالح تقع في حيز ما هو استنساخ أشوه في واقعنا العربي، لأقنومي السلطة والثروة في غرب ديلان، لينضم إليهما أقنوم ثالث هو الفساد والإفساد، الذي يقتضي دوام إلهاء المجتمعات العربية المقهورة بكل ما يمكن أن يشيح نظرها عن جوهر معاناتها الحقيقية في قوتها المسلوب وكرامتها المهدورة وهوياتها المغيبة في أقبية حُكَّامها وظُلَّامها.
وكما أن كل المثقفين في أرجاء المعمورة يجمعون على أنّ العرب كانوا سادة الإبداع الشعري منذ فجر الحضارة البشرية، ولا يزالون في نظر الكثير من المراقبين، وكما أنّ الفن الحقيقي قد يكون الشعر الأكثر صدقية في قياس نمو المجتمعات الطبيعي غير المستورد على طريقة شراء المنتجات الحضارية دون القدرة على توطينها، وإعادة إنتاجها؛ فإنّ إعادة الاعتبار للقوة الحضارية الكامنة للمجتمعات العربية المغلوبة على أمرها يقتضي رفضا كليانيا، ومقاطعة فاعلة لكل ذلك الإسفاف، والانحطاط الإبداعي، وكل رموزه من المتنطعين العرب، بالتوازي مع إحياء قنوات التواصل بين الأجيال العربية الشابة مع مبدعيها العضويين بكل ما هو متاح وطبيعي، دون الوقوع في دائرة الاختزال المعرفي المقنن، والاستسهال التبسيطي المخل المتكاسل في غالب الأحيان على طريقة تويتر وغيره؛ علَّ نبوءة المبدع الحق أبوالقاسم الشابي تتحقق ولو بعد حين: «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر».
٭ كاتب سوري
مصعب قاسم عزاوي