بيروت- «القدس العربي» : في وقت يلملم البقاع الشمالي وخصوصاً بلدتا القاع ورأس بعلبك آثار السيول الجارفة نتيجة عواصف الطبيعة في شهر حزيران غير الطبيعية، فإن عواصف السياسة لم تهدأ بعد في لبنان ولاسيما ما يتعلق بالتوتر القائم بين وزير الخارجية جبران باسيل ومفوضية شؤون اللاجئين على خلفية اتهام المنظمة بتخويف النازحين السوريين من العودة إلى بلادهم، وما يتصل بالسجالات الناشئة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية على خلفية التنازع حول الحصص الحكومية وما يتصل ببواخر الكهرباء وصولاً إلى العاصفة التي سبّبها مرسوم التجنيس الأخير الموقّع من رئيس الجمهورية ميشال عون وكل من رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق والذي أحيل إلى التدقيق في المديرية العامة للامن العام العام مع أنباء عن ورود حوالى 40 إسماً لا تستوفي الشروط الموضوعية للتجنيس لأن حولها شبهات قضائية وأمنية.
وفي هذا السياق، تقدّم الحزب التقدمي الإشتراكي بطعن أمس في مرسوم التجنيس أمام مجلس شورى الدولة ، وحمل الطعن الذي أعدّه المحامي نشأت الحسنية تواقيع النواب بلال عبدالله ، هادي أبوالحسن وفيصل الصايغ وطلب إبطال القرار القاضي بمنح الجنسية اللبنانية.واللافت أن الطعن لم يقترن بتواقيع نواب من حزبي القوات اللبنانية والكتائب ربما لتباين في مقاربة بعض الصلاحيات والأمور.
وجاء فـي الوقائع أنه «بتاريخ 11/5/2018 صدر عن فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء ومعالي وزير الداخلية والبلديات المرسوم رقم 2942 والذي قضى بمنح وإعطاء الجنسية اللبنانية لأكثر من أربعماية شخص من جنسيات مختلفة عربية وأجنبية بينهم فلسطينيون وسوريون، وقد تبيّن أن هذا المرسوم (الذي صدر وجرى التكتم عليه وأخذت الأوساط السياسية ومنهم وزراء في الحكومة ونواب، علماً به، من خلال تسريبات صحافية) والذي لم ينشر في الجريدة الرسمية ولم يعلن عنه رسمياً في بادئ الأمر بل جرى نشره بعد فترة طويلة من صدوره انشغل فيها الرأي العام بهذا المرسوم الذي أجمع اللبنانيون أنه أقل ما يقال فيه إنه مرسوم غريب عجيب، حيث إضطرت وزارة الداخلية وبعد مطالبات عديدة من جهات رسمية ومجتمع مدني ورأي عام ضاغط خضعت الإدارة نتيجتها وفقاً لتصريح معالي وزير الداخلية «أن موضوع الإطلاع على المرسوم بات مسألة رأي عام» ولذلك نشر على موقع وزارة الداخلية الإلكتروني إلاّ أن الوزارة لم تسلّم أياً من الأشخاص والهيئات والمراجع صورة طبق الأصل عنه الأمر الذي أكد الشكوك المثارة حوله بحيث أجمع المراقبون في تعليقاتهم حول المرسوم على أنه هرّب «تهريب في ليلة ظلماء» وأن وراءه مصالح سياسية ومالية كون من شملهم المرسوم لا علاقة لهم بالوطن لبنان ولم يقدموا له أي خدمات أو لهم فيه أصول لبنانية بل جلّ ما في الأمر أنهم من أصحاب النفوذ والمصالح المالية».
واضاف الطعن «إن ما يعزز الشكوك والريبة إضافة للعيوب التي شابت هذا المرسوم، توقيعه بعد الإنتخابات النيابية مباشرة وتسريب صدوره بعد وقت من توقيفه بشكل خفي وسري دون عرضه أو إعلام الوزراء به، في مرحلة البحث بتشكيل حكومة جديدة بعد إعتبار أن الحكومة الحالية دخلت في تصريف الأعمال الفعلية والواقعية التي هي أقوى من مرحلة تصريف الأعمال كما ينص عليها الدستور ، وكان ذلك في مرحلة دخول الحكومة في تصريف الأعمال دستورياً بعد إنتهاء ولاية المجلس النيابي القديم، على أثر الانتخابات النيابية الأخيرة، واعتبار الحكومة بفعل الدستور مستقيلة.
وأن المرسوم المطعون فيه بظروف إنشائه وتوقيفه وصدوره لم يعرض بطبيعة الحال على مجلس الوزراء المناط به السلطة الإجرائية بعد التعديل الدستوري الذي طال صلاحيات رئيس الجمهورية بعد إتفاق الطائف، ويمكن لهذا السبب أي لفقدان المرسوم لأسبابه وموجباته القانونية ومبرراته الفعلية التي تستوجب منح الأشخاص الوارد ذكرهم في المرسوم الجنسية اللبنانية لم يتم نشر المرسوم وأن قدمت لعدم النشر أسباباً قانونية سنثبت عدم صحتها «.
وتابع «كما تناول المرسوم منح الجنسية اللبنانية لأشخاص فلسطينيين خلافاً لأحكام الدستور وأشخاص متمولين وأصحاب نفوذ ويشكلون غطاءً مالياً لأعضاء السلطة الحاكمة في سوريا الموضوعين على لائحة الإهاب الدولي ، في الوقت الذي توقف البحث في قانون الجنسية لأسباب أعلنها أصحاب الموقف الرافض أولها الخوف من التوطين وما يسبب ذلك من خلل في التوازنات الطائفية التي تتناقض ومقدمة الدستور وميثاقية العيش المشترك، ليتبين أن الجهة الرافضة لإقرار قانون جديد للجنسية تحت تلك المسميات هي من قامت بتجنيس فلسطينيين وسوريين وأجانب غير معروفة سيرتهم وأعمالهم وثروتهم مشكوك بقانونيتها.
لا علاقة لهم بالوطن
وهذا ما دفع مجلس شورى الدولة على قاعدة عدم مراعاة المصلحة الوطنية والتمهيد للتوطين المرفوض دستورياً وعدم المساواة بين المواطنين والنقص الحاصل في التحقيقات إلى إعادة النظر بمرسوم التجنيس الحاصل عام 1994 على المراجعة المقدمة من الرابطة المارونية ضد الدولة اللبنانية».
وختم الطعن « إن المستدعين ومن موقعهم الوطني يدركون أهمية الجنسية في الحياة الوطنية والتي تشكل وفقاً للفقه والإجتهاد الذي أرساه رجال قانون كبار “رابطة بين الشخص والدولة» والتي «هي رابطة من نوع «الوطنية الفعلية» التي تنبع أصلاً من وحدة الشعور الوطني الذي يفتخر أبناء الوطن الواحد أو على الأقل عن تقارب مثل هذا الشعور» والتي «هي بالتالي رابطة سياسية، قانونية».
كما يعايش أي أفراد الجهة المستدعية، معاناة الآلاف من الأشخاص الذين ولدوا في لبنان وعاشوا على أرضه وإنتموا إليه وتعززت لديهم الروابط بهذا الأرض وبأبناء الوطن ولم يستطيعوا الحصول على جنسيته رغم توافر الشروط القانونية لذلك، إضافة لمواطنات لبنانيات الأصل تزوجوا من عرب وأجانب وهم وأولادهم مقيمون منذ طفولتهم في لبنان لم يستطيعوا منح جنسيتهم لأولادهم في الوقت الذي يحصل أشخاص لا علاقة لهم بالوطن ولم يعيشوا ولم يقدموا له خدمات تذكر على الجنسية اللبنانية دون أن تعرف المعايير والأسباب الموجبة التي أملت منح هؤلاء الجنسية اللبنانية والتي يتوقف عليها دون سواها إصدار متل تلك المراسيم بحيث خلا المرسوم من أي معيار وأي مبرر قانوني أو واقعي لمنح الجنسية الأمر الذي جعل من هذا المرسوم مشوب بعيوب كثيرة جعلت منه مسألة قانونية ومسألة رأي عام ومسألة حقوق حيث هناك الآلاف من المستحقين للجنسية اللبنانية لم يرد ذكرهم في المرسوم كأبناء وادي خالد والقرى السبعة وأولاد الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي.
فجاء المرسوم ليؤكد فقدان الشروط الموضوعية وإلزامية وإنعدام الشفافية في الإدارة وأن الوصول إلى الحقوق والخدمات ليست قائمة على أساساً الحق بل على قاعدة قرب هذا الشخص من الزعماء والمسؤولين السياسيين في الوقت الذي يجب أن تكون الإدارة وقراراتها هي لرفع الظلم والغبن لا لزيادته وتهميش فئات واسعة من المواطنين المستحقين للجنسية ومن المفيد الإشارة لتأكيد هشاشة وعدم مراعاة هذا المرسوم للقانون وإفتقاده لحيثياته وركائزه وأسبابه الموجبة إلى الآتي :
– طلب رئيس الجمهورية ممن لديه معلومات مفيدة حول الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في المرسوم الإبلاغ عنها، وكان ذلك بعد صدور المرسوم وقبل نشره في حين كان يتوجب إجراء مثل هذا الأمر قبل صدوره.
– إستدعاء رئيس الجمهورية لمدير عام الأمن العام وتكليفه إجراء تحقيق أمني يتناول الأشخاص المشمولين بالمرسوم، وذلك أيضاً بعد التوقيع على المرسوم، في حين أن القانون ألزم إجراء مثل هذا التحقيق قبل صدور المرسوم، إذ أن هذه التحقيقات هي ركن أساسي من ركائز صحة المرسوم وقانونيته.
– تصريح وزير الداخلية لتبريره حجب المرسوم وعدم نشره أن هناك تعديلات ستطرأ على الأسماء الذين شملهم المرسوم وكان هذا بعد التوقيع على المرسوم بحيث جرى فعلاً إستبدال وإلغاء أسماء من المرسوم وهذا يؤكد أن المرسوم برمته باطل لعدم وجود ما يبرر منح هؤلاء الجنسية اللبنانية سوى مصالح مالية وسياسية على ما يبدو.
وآخر تلك المؤشرات على هشاشة المرسوم موقف غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي أكد أن المرسوم الذي صدر على «حين غفلة وبأسماء مشبوهة لا تشرّف الجنسية اللبنانية».
أن كل ذلك إن دلّ على شيء فهو يدل على العيوب الكبيرة التي شابت المرسوم ومخالفته للقواعد الدستورية والقانون والأعراف والذي يقتضي معه إبطال هذا المرسوم برمته بعد أخذ القرار بوقف تنفيذه».