عودة الملك: خيوط الحنين المتشابكة

كتب الصحافي المصري أحمد مسلماني مقالا قبل اكثر من عام، تغزل فيه بحنين مفرط بعهد الملك محمد ظاهر شاه ملك افغانستان السابق، حيث قال «كم كان الحُكم الملكي في أفغانستان.. وطنياً وحداثياً ورائعاً، وكم هو بائس «عصر الجماعات».. التى أرادتْ الحصول على كلّ شيء.. فهدمتْ كل شيء، سيذكر التاريخ بكل الازدراء عصر طالبان.. وسيذكر بكل الاحترام عصر الملك ظاهر شاه، فمِن بعد الملِك.. لا يعدو تاريخ أفغانستان إلا أن يكون سجِلاً للوفيّات، أو هو فى قولةٍ واحدةٍ: موجز تاريخ الحزن».
لكن مسلماني المعروف بعلاقاته القوية بالعائلة المالكة المصرية، يختتم مقاله بشكل مفاجئ كمن يدفع عن نفسه تهمة الحنين للعهد الملكي المصري قائلا «حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر».
تذكرت هذا المقال وأنا أتابع عددا من الصفحات على «الفيسبوك» التي انطلقت مع ثورة 25 يناير في مصر، مطالبة بعودة النظام الملكي أو بدور سياسي يلعبه ملك مصر الاخير الملك احمد فؤاد الثاني. ونحن نعلم أن التغيرات والهزات العنيفة التي تمر بها المجتمعات تصطحب معها موجات من الحنين، تبحث وتنبش في تاريخها عما كان مضيئا، أو يتخيله السائر في حلكة الواقع انه كان مضيئا، وربما كان واعدا بالخير أكثر مما تعيشه المجتمعات المأزومة من مشاكل.
لكن واقع الحال هو أن المجتمعات تتخيل إمكانية عودة نظم سابقة ومنها النظم الملكية بكل حسناتها، وتتغاضى عن مشاكل أو سيئات تلك الانظمة، لذلك وجدنا، على سبيل المثال لا الحصر، أن الرومانيين حين سقط حكم تشاوتشيسكو عام 1989 أخذوا يحلمون بعودة ميخائيل الأول ملك رومانيا، الذي عزل عام 1947، ويرون فيه بديلا مغلفا بالحنين لأيام الخير قبل الحقبة الشيوعية. كذلك كان حال الصرب عندما أطيح بسلوبودان ميلوسوفيتش، حيث جرى الاحتفاء بولي عهد يوغوسلافيا السابق الأمير الكسندر الثاني. أما في أفغانستان، بعد إسقاط نظام طالبان، فقد كانت ورقة الملكية الدستورية احد الاحتمالات التي تمت مناقشتها، لكن اعتذار الملك العجوز محمد ظاهر شاه، الذي يعيش في منفاه الايطالي قطع الطريق على هذا السيناريو. وفى العراق نشطت في تسعينيات القرن الماضي ضمن فصائل المعارضة العراقية في الخارج «الحركة الملكية الدستورية» بقيادة الشريف علي بن الحسين، أحد افراد العائلة الهاشمية المالكة في العراق، فهو ابن الأميرة بديعة بنت الملك علي خالة الملك فيصل الثاني، اخر ملوك العراق، لكن هذه الحركة لم تحظ بتأييد يؤهلها للاستمرار في الساحة السياسية، فاقتصر النشاط السياسي للمرشح الحالم بـ»عرش العراق»على عضوية البرلمان العراقي لدورة واحدة.
لكن بعض التجارب شهدت عودة سياسية لملوك وأمراء أطيحت عروشهم، ومن الامثلة القريبة ما حصل في بلغاريا وملكها السابق سيميون الثاني، الذي اطاح الجيش السوفييتي بعرشه عام 1945، ليتم التحول إلى النظام الجمهوري، ونفيت العائلة المالكة حينها إلى الاسكندرية في مصر، حيث كان يعيش جده لأمه الملكة جيوفانا الملك فيكتور عمانويل الثالث ملك إيطاليا المخلوع في منفاه، حيث اكمل الملك سيميون دراسته في مصر، ثم دعمه وتبنى جهوده الجنرال فرانكو ديكتاتور اسبانيا، التي عاش فيها الملك سيميون بعد ذلك، ومن ثم اكمل دراسته في الولايات المتحدة الامريكية، وفي 1990 بعد الزلزال الذي أسقط النظم الشيوعية في اوروبا الشرقية وبضمنها النظام الشيوعي في بلغاريا، حصل الملك سيميون على جواز سفر بلغاري جديد، وفي عام 1996، وبعد 50 عاما علي عزله عن العرش عاد سيميون إلى بلغاريا، وقوبل وقتها بحشود مهللة احتفالا بعودته، حيث أسس حزب «الحركة الوطنية للاستقرار والتقدم»، الذي حصل علي نصر كبير في الانتخابات العامة في 2001 حاصلا على 120 مقعدا من أصل 240 مقعدا في البرلمان.
وفي 24 نوفمبر2001 شكل سيميون الثاني حكومة وترأس مجلس الوزراء ليصبح أول ملك يرأس بلاده في عهدها الجمهوري، وخلال فترة حكومته انضمت بلغاريا إلى الناتو وحققت تقدما في مجال انضمامها المستقبلي الى الاتحاد الأوروبي.
ربما كان ما كتبه الصحافي محمد حسنين هيكل في كتابه «زيارة جديدة للتاريخ» من أوئل الكتابات التي تناولت هذا الامر، حيث يحكي تفاصيل زيارته لملك اسبانيا السابق خوان كارلوس عام 1983 وتداعيات هذه الزيارة، حيث يذكر هيكل كيف أن الجنرال فرانكو ابلغ والد خوان كارلوس ولي العهد حينها، الامير دون خوان ابن الملك فرانسواز الثالث عشر، في خمسينيات القرن الماضي، انه لن يسمح له باعتلاء العرش مرة اخرى، وانه يريد ابنه الامير الصبي خوان كارلوس ليعده ليكون ملكا لإسبانيا بعده، حيث قال فرانكو للامير «اني اريده طفلا اعلمه بنفسي حرفة الملك ليكون مناسبا لظروف اسبانيا». وهذا ما كان حيث انتقل خوان كارلوس للعيش والدراسة في اسبانيا، وتم اعداده من قبل مجموعة من المستشارين عينهم فرانكو لهذا الامر، حتى وقف يوم 22 يوليو 1969 امام الكورتيز (البرلمان الاسباني) ليعلن اختياره للامير خوان كارلوس دي بوربون ليكون خليفته في رئاسة الدولة الاسبانية وملكها المقبل.
وبهذا الخصوص، وفي سياق متصل، يتذكر هيكل حوارا دار بينه وبين شاه ايران محمد رضا بهلوي في طهران عام 1975، الذي سأل هيكل لماذا لا يفعل السادات مع احمد فؤاد ما فعله فرانكو مع خوان كارلوس، لكن هيكل الذي لم يخطر الامر بباله نهائيا تساءل «من هو احمد فؤاد؟»، فرد الشاه، ابن فاروق، هل نسيت؟ انه يعيش في اوروبا، ونحن نساعده بين حين وآخر، انه مختلف عن ابيه، ويستطيع السادات أن يأخذه ويربيه ويعلمه ويدربه كما يشاء. وبعد أن استنكر هيكل مقاربة الشاه محمد رضا بهلوي بين مصر واسبانيا، وشرح الامر قائلا «إن ظروف مصر تختلف، فجمال عبد الناصر قاد ثورة وفرانكو قاد ثورة مضادة، وثورة عبد الناصر أحدثت تحولات اجتماعية بعيدة المدى يصعب معها أن أتصور مستقبلا للنظام الملكي في مصر، خصوصا أن اسرة محمد علي ليست لها جذور في التراب الوطني، ثم انها جاءت وذهبت من دون أن تترك، باستثناء مؤسسها، أي إسهام إيجابي تاريخي، أو أي نوع من التقاليد التي يمكن اعتبارها مرجعا أو شاهدا.
لكن يبدو أن هيكل قد ساق مجموعة من المغالطات التاريخية التي تقبلها الشاه على مضض، لانه عليم بتاريخ عائلة محمد علي، التي صاهرها عندما تزوج الاميرة فوزية شقيقة فاروق، وهو يعرف أن نهضة مصر الحديثة ارتبطت بمشاريع هذه العائلة الحاكمة من مؤسسها محمد علي مرورا بالفاتح إبراهيم باشا، ثم الخديوي اسماعيل ومشاريعه التحديثية، وصولا إلى الملكية الدستورية على عهد الملك فؤاد الاول، كما أن العائلات المالكة في الكثير من دول العالم لا يشترط أن تكون من السكان المحليين للبلد الذي تحكمه، وهذا هو حال العائلات المالكة في اوروبا.
لكن يبدو أن عودة الحكم الملكي في مصر لم يكن امرا مستبعدا أو منسيا دوما، فقد دست المخابرات المصرية احد ضباطها وهو ابراهيم البغدادي، في ايطاليا ليعمل جرسونا في المطعم الذي يتردد عليه الملك فاروق في روما في منفاه الايطالي، ليتهم بدس السم في طعام الملك، ويقضي عليه عام 1965 في اوج قوة نظام عبد الناصر، الذي رفض استقبال جثمان الملك السابق ليدفن حسب وصيته في مدافن العائلة المالكة، إلا بعد حين. وحتى محمد حسنين هيكل ابتدأ يراجع افكاره في هذا الامر فكتب «إن السيد احمد فؤاد بن فاروق استأذن الرئيس السادات في أن تجيء زوجته – وهي فتاة يهودية- لكي تضع مولودها الاول منه في مصر، ثم اعلن الرئيس السادات بعد ذلك انه أهدى لاحمد فؤاد احد سيوف جده محمد علي الكبير، اعترف أن شكوكا راودتني فيما يمكن أن يكون قصده وراء ذلك، وتذكرت كلام الشاه قبلها بسنوات، ودعوت الله أن يحمي مصر من نوبات وحي جرّت عليها الويلات احيانا».
ويبدو أن احمد مسلماني يجاري هذا التخوف، ويعزيه على لسان الاميرة فريال فاروق شقيقة الملك الاخير احمد فؤاد، عندما يقول على لسانها في حوار اجراه معها «للأسف فإن زواج أخى فؤاد من «دومينيك فرانس» – الملكة فضيلة – قد أنهى كل الاحتمالات، ليس فقط احتمالات السلطة، بل حتى احتمالات المكانة الرفيعة فى مصر، أن زوجة فؤاد يهودية.. وقد تم وضعها فى طريق أخى ليتزوجها.. لقد حاولت منع ذلك ولكن «المخطط» كان أكبر منا.. وتزوج أخي منها.. وأنت تعرف أن اليهودى ينتسب للأم اليهودية.. وهكذا نجح «المخططون» فى أن تصل وراثة العرش إلى أبناء نصف يهود».
وعلى الرغم من هذه الدائرة الواسعة التي شبكت خيوط المؤامرة إلا أن طعم الحنين يبقى هو الطاغي على كل هذه الحكايات.
كاتب عراقي

عودة الملك: خيوط الحنين المتشابكة

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية