عودة تيران وصنافير للسعودية والحقائق الجغرافية والتاريخية

حجم الخط
3

الرياض ـ «القدس العربي»: رغم ان السعودية كانت منذ سنوات تطالب مصر باستعادة جزيرتي تيران وصنافير، وكانت متفاهمة مع الرئيس مبارك على استعادتهما، إلا ان توقيت توقيع الاتفاق على عودة الجزيرتين إلى السعودية هو الذي أثار ضجة وصلت إلى حد اتهام النظام المصري ورئيسه بـ»بيع» الجزيرتين إلى المملكة. وكان العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز خاطب الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بشأن جزيرتي تيران وصنافير برسالة في 11 تموز/يوليو عام 2004 مطالبا بعودتهما إلى السعودية مستندا بذلك إلى اعتراف الرئيس المصري الأسبق مبارك بأحقية السعودية في تيران وصنافير خلال محادثات بين الملك عبدالله والرئيس مبارك عقدت على هامش القمة العربية في شرم الشيخ، 2003.
وجاء في الخطاب الذي أرسله الملك عبدالله لمبارك والذي كشف عنه سفير السعودية في القاهرة احمد قطان «استنادا لتأكيدات عصمت عبدالمجيد، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية المصري، لوزير الخارجية السعودي آنذاك سعود الفيصل عام 1990 بتبعية الجزيرتين للسعودية وطلب مصر ببقاء وضعهما تحت الإدارة المصرية لحين استقرار الوضع الإقليمي، وحرصا على العلاقة النموذجية الفريدة بين بلدينا فإنني آمل أن يتم البدء في ترسيم الحدود البحرية، وأن يعقد اجتماع بين وفدي البلدين لبحث الأمر».
الحقائق الجغرافية والتاريخية المتفق عليها بين الرياض والقاهرة تؤكد انه لم يكن هناك خلاف بين السعودية ومصر حول الجزيرتين حتى يحصل تحكيم دولي بينهما أو حتى تطرح الحكومة المصرية اتفاقها مع السعودية باعادة الجزيرتين للاستفتاء الشعبي – كما يطالب بذلك معارضو الاتفاقية السعودية المصرية التي وقع عليها خلال زيارة الملك سلمان للقاهرة الاسبوع الماضي.
وتقول هذه الحقائق ان مؤسس المملكة الملك الراحل عبد العزيز آل سعود أودع جزيرتي تيران وصنافير لدى مصر عام 1950 لحمايتهما وحماية خليج العقبة ضد العدو الإسرائيلي، وفق ما جاء في البيان الرسمي للحكومة المصرية والذي أكدت فيه «إن جزيرتي تيران وصنافير الموجودتين في البحر الأحمر تقعان في المياه الإقليمية للمملكة». وجاء في البيان «أسفر الرسم الفني لخط الحدود.. عن وقوع جزيرتي صنافير وتيران داخل المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية».
وأضاف «جدير بالذكر أن جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود كان قد طلب من مصر في كانون الثاني/يناير 1950 أن تتولى (مصر) توفير الحماية للجزيرتين وهو ما استجابت له وقامت بتوفير الحماية للجزر منذ ذلك التاريخ».
وأضاف بيان من مجلس الوزراء أن عملية ترسيم الحدود استغرقت أكثر من 6 سنوات، انعقدت خلالها 11 جولة لاجتماعات لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين، آخرها ثلاث جولات منذ شهر كانون الاول/ديسمبر الماضي عقب التوقيع على إعلان القاهرة في 30 تموز/يوليو الماضي.
وأوضح أن اللجنة اعتمدت في عملها على قرار رئيس الجمهورية رقم 27 لعام 1990 بتحديد نقاط الأساس المصرية لقياس البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية مصر العربية، والذي تم إخطار الأمم المتحدة به في 2 ايار/مايو 1990، وكذلك على الخطابات المتبادلة بين الدولتين خلال العام نفسه، بالإضافة إلى المرسوم الملكي الصادر في 2010 بتحديد نقاط الأساس في ذات الشأن للمملكة العربية السعودية، مؤكدا أن الفنيين من أعضاء اللجنة قد استخدموا أحدث الأساليب العلمية لتدقيق النقاط وحساب المسافات للانتهاء من رسم خط المنتصف بين البلدين بأقصى درجات الدقة.
ويلاحظ ان الذين أثاروا ضجة حول اتفاقية إعادة جزيرتي تيران وصنافير للسعودية جلهم من المعارضين للنظام المصري، لاسيما الإخوان المسلمين منهم وكذلك من المعارضين للسعودية سياسيا، وكل هؤلاء أثاروا الضجيج حول الاتفاقية ووصفوها بانها تنازل للسعودية قدمته مصر ثمنا للهبات والمساعدات المالية التي قدمها الملك سلمان خلال زيارته، والإخوان المسلمون في إعلامهم ركزوا على مهاجمة الرئيس السيسي «باع مصر».
وهذا يشير إلى ان الاتفاقية المصرية السعودية لترسيم الحدود البحرية والتي أعادت الجزيرتين إلى المملكة أصبحت موضوعا «للتجاذب» السياسي في مصر، يشكك فيه المعارضون للنظام المصري بالحقائق الجغرافية والتاريخية. وبعيدا عن هذا التجاذب الذي لن يغير شيئا لاسيما ان من المتوقع ان يوافق البرلمان المصري على الاتفاقية، فان المراقبين يرون أن الحكومة المصرية أخطأت في طريقة الإعلان عن موقفها، لكونه جاء سريعاً وصادماً وأُعلِن قبل تحضير الرأي العام لتقبّله.
كما أن الحكومة المصرية اختارت توقيتاً سيئاً لإعلان ترسيم الحدود بسبب تزامنه مع زيارة الملك سلمان للقاهرة وفي غمرة الاتفاقيات المالية التي وقعها، بما سمح باتهامها بأنها تنازلت عن جزء من التراب الوطني لقاء بدل مالي. ونسبت الصحافة المصرية إلى الحكومة عدم اكتراثها «بحق جموع الشعب المصري في معرفة أسرار المباحثات» التي قادت إلى ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية، وعدم الإعلان عنها أو الإشارة إليها مسبقا على الأقل، الأمر الذي جعل الاتفاق يأتي مفاجئا للشعب المصري الذي أبدى كل عواطف الحب الجياشة للملك سلمان بن عبد العزيز خلال الأيام الخمسة التي قضاها في زيارة مصر.
وبعيدا عن هذا فان عودة الجزيرتين ستجعل جسر الملك سلمان البري والذي سينشأ لربط مصر بالسعودية من شرم الشيخ إلى الشاطئ السعودي، تحت إشراف المملكة أمنيا، وهذا ما شجع الرياض على الموافقة على الارتباط مع مصر بريا.
وبعيدا عن كل هذا فان عودة السيادة السعودية إلى الجزيرتين يطرح التساؤل حول هل ان المملكة ستنتقل من دولة مساندة، في الصراع العربي الإسرائيلي، إلى دولة مجابهة. لاسيما ان قواها الأمنية ستحل محلّ القوات المصرية الموجودة في جزيرة تيران والتي تقوم حالياً بأعمال الشرطة؟ هذا التواجد لا يشكل في الظروف الراهنة عبئاً عسكرياً كبيراً على المملكة، لأن الجزيرة، بموجب اتفاقية كمب ديفيد، خاضعة لقوّات دولية تشرف على حسن تطبيق الاتفاقية وتضمن حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة. بالتالي، وهذا أمر جديد، فالسعودية ستصبح عملياً ملتزمة بتنفيذ جانب من شروط كمب ديفيد، وقد أكد ذلك وزير الخارجية السعودي عادل الجبير حين أوضح في القاهرة ان بلاده ملتزمة بالاتفاقات والالتزامات الدولية التي سبق لمصر ان التزمت بها بشأن الجزيرتين هذا إذا استمر السلام، أما إذا عاد التوتر وتجدّد النزاع فستصبح السعودية في موقع متقدّم من الصراع مع إسرائيل، لكونها تسيطر على مدخل خليج العقبة الحيوي الذي يربط مرفأ إيلات بالبحر الأحمر.

سليمان نمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية