عودة حسن روحاني: عمامة الإصلاحي ونبش الملفات السوداء

حجم الخط
0

تزامنت نتائج الانتخابات الإيرانية في 19 أيار (مايو) الحالي مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة السعودية التي احتفى بها الإعلام السعودي والأمريكي باعتبارها عودة للبوصلة القديمة في العلاقات الأمريكية- السعودية وانتصارا للحلفاء التقليديين من دول الخليج والذين جمعوا ممثلي أكثر من خمسين دولة عربية ومسلمة للإستماع إلى خطابه عن الإسلام ومحاربة التشدد الديني. وفي هذا الخطاب عبر الرئيس عن رؤية واضحة من إيران واتهمها برعاية الإرهاب فاتحا الباب أمام حرب باردة جديدة. وكان الرئيس يتحدث في وقت احتفل فيه الناخب الإيراني بفوز حسن روحاني الداعي للإنفتاح على الغرب وعراب الإتفاق النووي ضد مرشح التيار المتشدد، إبراهيم رئيسي. وكان انتصار روحاني ساحقا حيث حصل على نسبة 57٪ مقابل 38٪ لمنافسه، ووعد الإيرانيين بوصلهم مع العالم بمن في ذلك الجيران من دول الخليج العربية وتوسيع الحريات والإصلاح السياسي والاقتصادي. لكل هذا هتف أنصار الرئيس الذي فاز بولاية ثانية مطالبين بإخراج المعتقلين السياسيين، خاصة جماعة الثورة الخضراء الذين اتهموا الحكومة بالتزوير في انتخابات عام 2009.

متوقع؟

وكان انتخابه لولاية ثانية متوقعا. فلم يحصل في تاريخ الجمهورية الإسلامية أن خسر رئيس في محاولة للحصول على ولاية ثانية. وهذا لا يعني أن إيران عام 2017 هي نفسها إيران الجمهورية الإسلامية. فقد تغيرت وبات الإيرانيون متصلين بالعالم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية المتعددة. وكغيرها من دول المنطقة هناك جيل شاب يحلم بالتغيير ويكافح للحصول على فرص العمل. وهو جيل على خلاف الأجيال السابقة متعلم ومنفتح على العالم، وهو بطبيعته يرفض المؤسسة ومرشحها. ومن هنا كان واضحا في رفضه لمرشح المرشد آية الله علي خامنئي والحرس الثوري والمؤسسات الأمنية التي دعمت رئيسي. كما رفض الإيرانيون الأخير لتاريخه السابق في محاكمات المعارضين عام 1988 وأدواره التي لعبها بالمؤسسة القضائية ولأنه لم يختبر في القيادة السياسية والإدارة. وعليه كان انتخاب روحاني الخارج من المؤسسة نفسها والذي حظي بدعم من التيار الإصلاحي والرئيس السابق محمد خاتمي، المغضوب عليه من المؤسسة وآية الله علي أكبر رفسنجاني، الرئيس السابق الذي ظل حتى وفاته العام الماضي مركز ثقل وراء الرئيس العائد. والتحدي المطروح أمام روحاني الآن هو تحويل الوعود الانتخابية إلى واقع، والكيفية التي سيواجه فيها الدولة العميقة. وهل سيؤدي فشل هذه رغم ما توصلت إليه من أدوات وسيطرة على الإعلام إلى تغيير جذري في ميزان القوة الإيرانية. ففي الوضع الحالي لا يزال المرشد خامنئي على هرم السلطة في البلاد ولم يذكر اسم روحاني عندما أثنى على الإيرانيين «الفائزين» ومشاركتهم بنسبة 73٪ في الإقتراع. وحسب مسؤول في طهران نقل عنه سكوت باترسون مراسل «كريستيان ساينس مونيتور»(24/5/2017) فقد رفض المرشد مقابلة روحاني الذي خرق كل المحرمات أثناء الحملة الانتخابية من خلال الهجوم على عناصر المؤسسة من الحرس الثوري والمؤسسة القضائية والأجهزة الأمنية التي حاولت تعطيل رئاسته في الأربع سنوات الماضية. وقال المسؤول «ستكون ولاية روحاني الثانية أفضل من الأولى» و«الأمل الوحيد هو دعم الناس له، ولكن إن ساء الوضع، هل تعتقد أنهم سيخرجون يهتفون ويرقصون لصالحه؟ آمل أن أكون مخطئا». ويعتقد أن المفتاح الرئيسي للحفاظ على الدعم هو تقديم هامش من الحرية للمواطنين. ومع ذلك فالقيود التقليدية على الحرية ستظل كما كانت بشكل يحتاج الرئيس للتحرك بحذر. وسيجد روحاني نفسه أمام استحقاقات كبيرة خاصة أن 40 مليون شاركوا في الانتخابات وهو عدد كبير بعدما تعهد الناخب أن لا يصوت «للنظام» المتهم بسرقة الانتخابات عام 2009.

استقطاب

ومع ذلك فلا تزال إيران مجتمعا مستقطبا حيث صور كل مرشح منافسه بأنه «قبلة الموت» للنظام القيمي الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية. وبالنسبة لروحاني فالثورة هي للجميع وليست لمجموعة أو حكومة ظل يطلق عليها بالفارسية «دولتي بنهان» (الحكومة الخفية). ويحتاج روحاني حسب عدنان طبطبائي، الباحث في مركز الأبحاث التطبيقية والشراكة مع الشرق في بون، لأن يتعامل مع عناصر «النظام» التي تؤمن بالطبيعة الجمهورية للدولة. وتطبيق مدخل «رابح رابح» الذي تبناه في السياسة الخارجية وسحبه على السياسة الداخلية. ولدى الرئيس المؤهلات للقيام بهذا، فهو ابن المؤسسة حيث عمل رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي، رغم تعرضه لهجمات نقاده الذين وصفوه أحيانا بـ «الخائن». ولا توجد إشارات عن تحول في التيار المتشدد نحو التعاون مع روحاني، فلا يزال الإعلام يحاول التقليل من انتصاره كما فعل في الماضي عندما شوه سياساته.
ففي مقال نشرته صحيفة «كيهان» المتشددة قال حسين شريعتمداري، الممثل الشخصي للمرشد، إن رئيسي الذي فاز بأصوات 16 مليون ناخب كان قادرا على الفوز لو اتيحت له الفرصة للتحضير أربع سنوات كما فعل روحاني. وكلام كهذا يشير إلى أن التيار المتشدد لم يتعاف بعد من الهزيمة، خاصة أنه عول على نجاح رئيسي، المرشح لخلافة خامنئي الذي عينه ليدير أكبر جمعية خيرية في مشهد «جمعية الإمام الرضا». وبعد تعيينه في هذا المنصب زاره قادة الحرس الثوري بمن فيهم الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية. ودعم الحرس الثوري حملة إعلامية لتقوية موقعه في الانتخابات. ولم ينجح مرشح المؤسسة التي دعت الله أن يفوز خادم مرقد الإمام الرضا بالانتخابات. ويقول مسؤول إيراني في طهران «أنا متأكد من معرفة القائد أن مرشحي (التيار المتشدد) لا فرصة لهم أمام روحاني» و «أعتقد أن القائد كان يريد إثبات أن رئيسي ليس شخصا مؤهلا لخلافته. وهو ليس راضيا عن روحاني لكن الأخير لا يعتبر تهديدا له».

دولة ظل

ففي مقال نشرته أريان طبطبائي، الأستاذة المساعدة الزائرة بجامعة جورج تاون بمجلة «فورين أفيرز» (26/7/2016) قالت إن التيار المتشدد سيحاول معارضة روحاني بقوة. مشيرة إلى أن حكومة الظل ليست أمرا جديدا على الدوائر السياسية الإيرانية. ففي عام 2005 عندما خسر الإصلاحيون للمتشدد محمود أحمدي نجاد تحدثوا عن الفكرة التي لم تتحقق نظرا لتأكيد المرشد على أنه فوق الخلافات السياسية والوحدة في البلاد. وفي الانتخابات الأخيرة قام المرشح الخاسر، رئيسي بتهنئة روحاني على الفوز لتجنب المشاكل. ولكنه فعل بعدما شكك في صحة النتائج وطالب أن لا يتم تجاهل قاعدته الشعبية. فقد استخدم حنق السكان على الإتفاق النووي. فالمرشح الخاسر وقاعدة الدعم الرئيسية له الذين يؤمنون بالإعتماد على النفس والحفاظ على قيم الثورة الإسلامية، يرون ان النتائج منحت الشرعية لمطالبهم وأعطتهم رأسمالا سياسيا سيستخدمونه لمعارضة أجندة روحاني. وسيحاولون منع سياسات الإنفتاح على الغرب واصلاح الاقتصاد عبر التشريعات التي تعتمد على أجهزة غير منتخبة. وتشير إلى تصريحات سعيد جليلي، المفاوض الرئيسي لأحمدي نجاد في الملف النووي والمرشح الرئاسي عام 2013 والتي أعلن فيها عن إنشاء هيئة من الخبراء (حكومة ظل) تأخذ على عاتقها مواجهة التحديات والقضايا التي تواجه البلاد. وهي كثيرة وتتراوح من السياسة الخارجية إلى الاقتصاد والفساد والشفافية والصحة العامة. ومع أن جليلي يظل على هامش السياسة الإيرانية، إلا أن التحرك سيترك تداعيات، لأن الهيئة ستحاول الاستفادة من القاعدة الانتخابية لرئيسي والدفاع عن مطالبها. ورغم انقسام التيار المتشدد والمحافظ وخسارته المعركة على الإتفاق النووي الذي لا يزال محلا لانتقاداتهم، إلا أن هذا التيار يشعر أن لديه اليوم قاعدة مؤيدة يستطيع الاعتماد عليها لعرقلة أجندة روحاني الداخلية والخارجية. وتقول طبطبائي إن خامنئي وإن انتقد روحاني وأبعد نفسه عن الإتفاق النووي وفضل رئيسي في الانتخابات الأخيرة، لكنه يدعم في النهاية الاستقرار، ولو وفرته الهيئة هذه بدون أن تزعزع أمن البلاد فسيقف وراءها. ولو استطاعت هذه توحيد المتشددين فإنها ستكون قادرة على وقف جهود روحاني الانفتاح على الغرب. وما يقف أمام تحقيق هذا هو الحرس الثوري ذا التأثير السياسي والاقتصادي في البلاد. وفي الوقت الذي تظل فيه الانتخابات انتصارا للتيار الإصلاحي وتعكس آمال الجيل المتعلم وأبناء المدن الذي يتطلع للإنفتاح، إلا أن التيار المتشدد عازم على مضاعفة جهوده لجعل ولاية روحاني الثانية أصعب.

إبن النظام

وبعيدا عن ثنائية إصلاحي-متشدد، يرى ري تاكيه من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في مقال له في مجلة «بوليتكو» (22/5/2017) أن روحاني هو في النهاية إبن النظام ومساعد له. وستترك حملته التخريبية، كما يقول ضررا كبيرا على الجمهورية الإسلامية. ففيها ألقى ضوءا على ماضي الجمهورية الأسود وقدم وعودا «خيالية» لا يستطيع تحقيقها ولا نية له أصلا الوفاء بها. وسيتذكر الإيرانيون ولاية روحاني الثانية بأن الجمهورية الإسلامية لا تستطيع إصلاح نفسها. ويشير تاكيه إلى تصريحات روحاني التي قال فيها «سيقول الناس لا لمن قام خلال 38 عاما بالإعدام والسجن» في إشارة للجنة الموت التي استخدمها آية الله روح الله الخميني للإنتقام من معارضيه العلمانيين. وكان رئيسي واحدا من أعضائها. وتم تطهير الآلاف من المعارضين الذين حرموا من المحاكم وحتى الدفن بطريقة كريمة. وأطلق على قبورهم «الملعونين». وشارك في الحملة علي خامنئي الذي كان رئيسا للبرلمان وهاشمي رفسنجاني. وكان روحاني عارفا بما يجري في السجون واختار الصمت. وخلال العقود الثلاثة حاول النظام التخلص من الماضي وحرم الحديث عن هذه الفترة السوداء. ومن هنا ففتح الملف القديم يعني توريط المؤسسة بمن فيهم المرشد بما جرى. وكان على روحاني أن يكون واعيا بدلا من التصرف بانتهازية. فقد استخدم طوال حملته الانتخابية لغة النقد للمؤسسة التي تعد نفسها الآن للرد. ففي ضوء سيطرة خامنئي على مؤسسات الدولة والحرس الثوري على الاقتصاد، فمن الصعب رؤية الكيفية التي سينجز فيها روحاني سياساته. ومع أن لديه العديد من الأوراق التي يمكنه لعبها مثل صمته أمام قمع الثورة الخضراء ودوره في إخراج إيران من عزلتها عبر الإتفاق النووي إلا أنه سيجد صعوبة في تحقيق ما وعد به وفي الحقيقة شجع هو نفسه خطاب التمرد عندما وضع نفسه كمعارض للنظام ومدافع عن القابعين في السجون. مع أنه لم يكن أبدا جزءا من الحركة الإصلاحية، فقد ظل دائما محسوبا على النخبة البراغماتية التي انجذبت للنموذح الصيني القائم على توفير المنافع الاقتصادية مقابل الصمت السياسي. فأثناء حملته الانتخابية ألمح إلى أنه سيعمل على رفع ما تبقى من عقوبات، وهذا مستحيل في ضوء سجل بلاده في حقوق الإنسان والإرهاب ودورها الإمبريالي في الشرق الأوسط. وفي المحصلة فقد فاز روحاني بالرئاسة مستخدما دهاءه وتهوره وسيواجه الآن خامنئي وجماعته بعدما اتهمهم وذكرهم بماضيهم الأسود.

عودة حسن روحاني: عمامة الإصلاحي ونبش الملفات السوداء

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية