هل كان لا بد من «نغزة» في الجسد الحكومي المغربي لكي يقفز ويطير عن بكرة أبيه إلى مدينة الحسيمة؟
أكان ضروريا «للحكومة العثمانية» (التي وُلدت بمنطق التراضي لا الاستحقاق الديمقراطي) أن تستحضر المَثل المغربي الذي يُفيد أنه لا بد من دقّ حبات الكمون وحكّها لكي تفوح رائحتها؟
وفعلاً، فقد وقع للحكومة ما يقع عادة للكمون. فما إن بلغ الاحتجاج الشعبي ذروته في مدينة الحسيمة، منذ بضعة أيام، حتى رصدت كاميرات التلفزيون والمواقع الإلكترونية وزراء يهرولون وسط شوارع المدينة الشامخة، ويسعون للقاء الناس، مبشرين بـ»المشاريع» الاقتصادية والاجتماعية التي ستُنجز بين عشية وضحاها، وستوفّر فرص العمل لآلاف الشباب. وقد أسهبت التقارير التلفزيونية في وصف التحول الذي ستشهده تلك المدينة، إلى درجة أن الكثيرين صاروا يفكرون في الهجرة إليها، والعدول عن فكرة ركوب قوارب الموت نحو أوروبا!
وهكذا، سَـنَّ سكان الحسيمة والمناطق المجاورة لها سنّة حميدة في المغرب، يُجازى مَن أوجدها ومَن عمل بها؛ مفادها أنه إذا أردت أن تستنفر الحكومة وتستقدمها نحو مدينتك، فما عليك سوى أن تُصعّد من عملك الاحتجاجي، السلمي والحضاري طبعًا. وبالتالي، فلا شك في أن مدنا مغربية أخرى ستجرّب حظها من الحراك الاجتماعي، خاصة وأن ذهنية السلطة المغربية ما زالت تتعامل مع البلاد والعباد بعقلية الحماية الفرنسية التي كانت تعتمد تقسيم «المغرب النافع» و»المغرب غير نافع». كما أن سياسة تلميع الواجهة ما زالت معتمدة بعد مرور أكثر من خمسة عقود على رحيل الاستعمار عن المغرب. ومَن يشاهد التقارير الإخبارية للتلفزيون الرسمي يتأكد من هذه الحقيقة التي تلخصها لازمة الأغنية المحلية المعروفة «قولوا العام زين»!
لقد لاحظ الجميع كيف أن موقف الأغلبية الحكومية إزاء ما يجري في الحسيمة تغيّر بمعدل 180 درجة، إذ انتقل من وصف الحراك الدائر في الحسيمة بالعمل الانفصالي إلى محاولة استلطاف سكان هذه المدينة وإرضائهم، ربما خوفا من أن تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.
ومن المضحكات المبكيات أن تُسخِّـر السلطة أبواقها لتلصق التهمة الجاهزة بمتزعم الحراك الاجتماعي في الحسيمة، والمتمثلة في العمالة للمخابرات الجزائرية. وهكذا، فبقدرة قادر، تحوّلت صورة فوتوغرافية يظهر فيها الصحافي الإسباني خوسي لويس نافازو بجانب الناشط ناصر الزفزافي، إلى لقاء يجمع هذا الأخير برئيس المخابرات الجزائرية!
التخويف بالجارة الجزائر لعبة سمجة تجرّبها أجهزة رسمية، كما يجرّبها آخرون في مجالات مغايرة. ويتذكر الرأي العام المحلي حكاية ممثل ومخرج مغربي هدد باللجوء إلى الجزائر على خلفية نزاعه مع مدير مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية. كما سبق لمجموعة من الشباب المتدربين في مجال التعليم أن هددت بطلب اللجوء إلى الجارة الشرقية للمغرب في حالة عدم تلبية طلبهم بالتوظيف. فمتى تختفي الحساسية المغربية تجاه الجزائر والتي تقابلها ـ للأسف ـ حساسية جزائرية تجاه المغرب؟ علمًا بأن ما يجمع بين البلدين والشعبين الجارين أكثر مما يفرّقهما.
ناصر الزفزافي يخاطبكم!
في مقابل خطاب تلميع الصورة الذي يتولاه التلفزيون الرسمي، أوجد الحراك الشعبي في الحسيمة أداته التواصلية لنقل حقيقة ما يجري على الساحة بدون تزييف، وذلك استعانة بالشبكات الاجتماعية الافتراضية وخاصة «فيسبوك».
لم يكن ناصر الزفزافي، زعيم الحراك في الحسيمة، بحاجة إلى كاميرات عالية الجودة ولا إلى فرق تقنية وأجهزة توضيب وإرسال وبث مباشر. يكفيه فقط حساب على «فيسبوك» وهاتف ذكي ودائرة أصدقاء ومناضلين، من أجل تغطية عمله الميداني بمعية عدد من المؤمنين بالقضية الحقوقية، وكذلك من أجل تقديم بث مباشر (على الهواء) لأحاديثه المزلزلة التي تتعدى كونها مجرد «توك شو» إلى اعتبارها خطبا سياسية حماسية تستحث الهمم وتفضح المسكوت عنه، بلغة صريحة وغير مهادنة.
قد يتفق المرء أو قد يختلف مع خطاب ناصر الزفزافي، وقد يكون له تحفظ على طريقة هذا الرجل في الكلام، إذ يلقي الاتهامات يمينا ويسارا، ويستعمل عبارات ذم وقذف في وجه بعض المسؤولين الحكوميين والمحليين؛ ولكن ذلك لا يمنع من الإقرار بكونه صار بطلا ذا قدرة على تحريك الجموع، يُحسب له ألف حساب، وصارت خطبه تخلق جاذبية وتشويقا ملحوظين، وآية ذلك الأعداد الكبيرة من متابعي الفيديوهات التي يبثها على «فيسبوك» و»يوتيوب». ومن أطرف ما قاله الناشط الحقوقي المذكور عن الوفد الحكومي الذي زار الحسيمة أخيرا، إن الوزراء كانوا يمشون وسط الشارع مترجلين، عوض أن يمشوا على الرصيف، وبذلك لم يحترموا قانون المرور، فكيف يحترمون باقي القوانين؟
زيان يطالب باستقالة الحكومة
على غرار قنوات دولية أخرى، فتحت فضائية «فرانس 24» نافذة للنقاش حول الحراك الاجتماعي الدائر في منطقة الريف، من خلال استضافة محمد زيان أمين عام الحزب المغربي الليبرالي الذي طالب الحكومة بتقديم استقالتها عاجلا، لكونها فشلت في تدبير الملفات المعروضة عليها، ولكونها ـ أيضا ـ اعتبرت مطالب سكان المنطقة المذكورة ذات صبغة انفصالية عرقية؛ في حين أن الأمر يتعلق بمطالب اجتماعية وحقوقية حول الصحة والقضاء والتعليم والتوظيف والصيد البحري وغيرها.
وتوقّع زيان أن ينتقل الحراك الاجتماعي إلى مناطق أخرى في المغرب، كما وجّه انتقاده إلى المسؤولين الذين يوصفون بالمقربين من الملك، معتبرا إياهم سببا رئيسيا في المشكلات التي تعانيها البلاد.
مسلسلات رمضانية من نوع خاص
قبيل حلول رمضان الكريم، نشر المدون أبو نور محمد تدوينة تتضمن تذكيرا بمواعيد بعض «مسلسلات» الشهر الكريم، فكتب ما يلي:
الساعة 7:30 مساء تلتقون مع رسوم «لوث أفكار أبنائك».
وفي تمام الساعة 8:30 تلتقون مع مسلسل «انس التراويح».
وفي الساعة العاشرة 10:00 تلتقون مع مسلسل «لا يوجد عندك وقت لتقرأ القرآن».
أما في تمام الساعة 3:30 فنلتقي مع المسلسل المتميز «تسحر ونمْ وقابلني لو صليت الفجر».
وموعدنا مع المسلسل الذي تذيعه أكثر من 100 قناة عربية «مبروك رمضان فاتك».
وتساءل المدون: هل ستكون معهم وشعارك: «كيف تخسر رمضان، أم ترفع شعار: لن يسرقوا منا رمضان؟».
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل