غرناطة ـ «القدس العربي»: بحكم الموقع الجيوستراتيجي الممتاز الذي تميّزت به البلدان المغاربيّة الواقعة في شمال غرب أفريقيا على امتداد التاريخ، حيث كانت وما تزال تشكّل حلقة وصل متّصلة، وآصرة تقاربٍ وتدانٍ وثقى منيعة، وملتقى حضارات متعدّدة المشارب، وجسوراً تواصلية متماسكة بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وعليه فقد اعْتبُرت هذه الأصقاع المترامية الاطراف، من البلدان القليلة التي حباها الله تعالى موقعاً مرموقاً على الصّعيد الجغرافي، ممّا هيّأ لها أن تضطلع بدور تاريخي، وحضاري، وثقافي، وعلمي فريد على امتداد العصور، ونعني بهذه البلدان: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا.
ذيل الطّاووس..
خلال هذه العجالة سنسلّط الأضواءَ على المغرب، على أن نعود، أو بالأحرى يعود أحد الكتّاب الأكارم، أو إحدى الكاتبات الكريمات من البلدان الشقيقة العزيزة الآنفة الذكر للتعريف بها هي الأخرى في السّياق ذاته، والتي تكوّن في ما بينها سلسلة حصينة موصولة الحلقات، موثوقة العُرى كانت تمتدّ يوماً مّا ـ قبل أن يجزّءها، ويقسّمها الاستعمار – من المحيط الأطلسي الهادر إلى الحدود الليبية المتاخمة لمصر الآمنة المحروسة بعون الله، وهي الطريق نفسها التي قطعها الرحّالة المغربي الشّهير إبن بطّوطة في القرن الرابع عشر وما وراءها من البلدان والأمصار والأصقاع النائية البعيدة لما وراء بلاد فارس، والسّند، والهند، والتخوم الصينية وما أطلق عليه هو نفسه من بلاد الوقواق.. من دون أن يحمل معه، أيَّ وثيقة سفر..!.
فأقول إنّه نتيجة لموقع المغرب الفريد على سبيل المثال وليس الحصر، فقد تميّز منذ أقدم العهود السحيقة بتعدّد حضاري وتنوّع ثقافي ثريّ، حيث تعاقبت عليه، وظهرت على أديمه – مثله مثل سائر جاراته البلدان المغاربية الأخرى- دول، وحضارات، وثقافات قديمة على امتداد التاريخ ، منها الحضارات الفينيقية، والبونيقية، والموريطانية، والرّومانية، وصولاً إلى الفترة الإسلامية التي تميّزت باعتناق ساكنة هذه البلدان للإسلام. ويشير العلاّمة المؤرّخ المرحوم عبد العزيز بنعبد الله – في حالة المغرب على وجه الخصوص- استناداً إلى مؤرخين ثقات من أمثال ابن خلدون، وابن الخطيب، والبكري،وسواهم: «أنّ الحِمْيرييّن بقيادة صالح بن منصور الحِمْيَري هم مَنْ نشر الإسلامَ بين الأمازيغ في منطقة الرّيف المغربي (شمال المغرب)، وأقاموا إمارة نكور أو إمارة بني صالح، وكانت بالتالي أوّل إمارة إسلامية ظهرت في المغرب سنة 710م في بلاد الرّيف»، ثم أسّست بعد ذلك أي بعد انصرام 78 سنة بعد هذا التاريخ دولة الأدارسة سنة 788.
وكان مؤسّس هذه الدّولة – كما هو معروف- هو إدريس الأوّل ابن عبد الله، الذي حلّ بالمغرب الأقصى واستقرّ في مدينة وليلي الرّومانية المعروفة (باللاّتينية بـ Volubilis) التي تقع بالقرب من مكناس بين فاس والرباط، حيث احتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية، ودعمته حتى أنشأ دولته. ومعروف كذلك أن دولاً أخرى تأسّست قبل وصول الإسلام إلى هذه الرّبوع من أمثال (نوميديا، موريتانيا، تنجيس)، وتعاقبت على المغرب بعد كلٍّ من إمارة بني صالح بالنكور، والأدارسة بوليلي بالتوالي دولُ المُرابطين، والمُوحّدين، والمَرينييّن، والسّعديين، وصولاً إلى الدولة العلوية الحالية.
تاريخ المغرب وتراثه – والحالة هذه – مستوحيان من ينابيع مغربية أصيلة، وروافد وافدة متداخلة متعدّدة، وإن اختلفت مصادرها وأصولها وينابيعها، وتباينت لغاتها وألسنتها بين أمازيغية أصيلة، وعربية إسلامية، وصحراوية حسّانية، وما فتئ العديد من النصوص والوثائق والمظانّ وأمّهات الكتب والمخطوطات والأشعار والآداب والفنون والعلوم، التي أبدعها كتّاب وفلاسفة وعلماء وشعراء ومؤلفون مغاربة أقاموا واستقرّوا، أو ولدوا وترعرعوا، في هذا الشقّ القصيّ الجميل الكائن في الشمال الغربي لأفريقيا، إلى جانب المعالم التاريخية، والمآثر العمرانية، والقلاع الحصينة، والدّور والقصور والجوامع والصوامع والبساتين الفسيحة، والحدائق الغنّاء التي أبهرت الناظرين على امتداد العصور والدهور.
أصل الحكاية
«ذيل الطاووس»، ونتأمّل في ما ورد من سببٍ في إطلاق هذا الاسم على هذا الصّقع النائي البعيد، إذ يُحكى أن رحّالة من أهله زار ذات مرّة بغداد التي كانت تُسمّى إبّانئذ مدينة السّلام، (يا لسخرية الأقدار..) في زمن لم تكن فيه القارّة الأمريكية قد اكتشفت بعد، وكان الناس يعتقدون في ذلك الأوان أن العالم ينتهي عند هذا السّاحل الأقصى الذي يوجد في بلاد المغرب، وكذا في إسبانيا في منطقة جليقة أو غاليسيا، حيث يوجد مكان إلى اليوم يسمّى (فينيشتيرّي) ومعناه حيث تنتهي الأرض، ويقال إن الفاتح المسلم عقبة بن نافع دخل بحصانه في مياه المحيط الأطلسي على الشواطئ المغربية حتى غطّت مياهُ البحر قوائمَ فرسِه، واستلّ سيفَه ورفعه إلى أعلى في العنان مخاطباً المحيط الزّاخر قائلاّ له: «والله لو كنت أعلم أن وراءك أرضا لفتحتها بسيفي هذا»! المهمّ أن رحّالتنا عندما كان في بغداد رمقته عيون الخليفة (التي أصبحت تعني في لغة عصرنا المخبرين أو الجواسيس..) وما أن أبلغوا الخليفة بوجود هذا الغريب في المدينة حتّى أمر جندَه بإحضاره إليه فوراً، فلمّا مثل بين يديّ الخليفة قال له متهكّماً وساخراً: يا مغربي قيل لي إنّك قدمتَ من بلدٍ قصيٍّ بعيد، وقيل لي كذلك أن الدّنيا هي على شكل طائر كبير، ذيله بلدك المغرب الأقصى (مستهزئاً). فأجابه الرحّالة على الفور: أجل يا أمير المؤمنين هذا صحيح، ولكنّ الذين أخبروكم بذلك نسوا أن يقولوا لكم إن هذا الطائر هو الطاووس.. وإنّ أجمل ما في الطاووس ذيله….!
الأمازيغ والتمازج الثقافي
من المعروف أن السكان الأصلييّن الأمازيغ تفاعلوا وتمازجوا مع ثقافات مختلف شعوب حوض المتوسّط، وأفريقيا، كما ظهرت على امتداد تاريخ المغرب تأثيرات، وتفاعلات لشعوب مثل الفينيقييّن والقرطاجيين والرّومان والوندال، (ينطق هذا الاسم في اللغة الإسبانية فَاندالوسْ)، الذي اختلط وأحدث لبساً لدى بعض المؤرّخين لكونه قريباً في النطق من كلمة «الأندلس»، ثم البيزنطييّن، كما تفاعلوا في ما بعد مع العرب الوافدين مع الفتوحات الإسلامية، ثمّ مع الحضارات الشرقية، وقد ظهرت سمات هذه التأثيرات في اللغة الأصليّة للأمازيغ التي تمازجت مع اللغات الأخرى، ونتجت عنها في ما بعد العاميّة المغربية التي تمخّضت، وانبثقت عن اللّغتين الأمازيغية والعربية، ثمّ لحقتها كلمات وتعابير من لغات لاتينية دخيلة أبرزها الإسبانية والفرنسية والبرتغالية وسواها. الشيء الذي جعل المغرب يحظى بتنوّع ثقافي وتعدّد لغوي، أسهم بقسط وافر في إغناء هوّية سكّانه وإثراء لحمة لسانه، على اختلاف مشاربهم وشرائحهم وتعدّدها وتميّزها وينابيعها الأمازيغية والعربية، والحسّانية فضلاً عن روافدها الأفريقية والأندلسية، وتأثيرات روافد حوض المتوسط، وسواها من التأثيرات الأجنبية الأخرى، فضلاً عن المكوّنات المستحدثة التي أفضت إلى تنوّع ثقافي ولغوي مميّز. ويؤكّد العلامة المرحوم عبد العزيز بنعبد الله في بحث رصين له:» أنّه عكس ما يُعتقد، فإنّ العامية المغربية هي أقربُ اللهجات العربيّة إلى الفصحى التي زادتها غنىً، وثراءً، وتعدّداً، وتنوّعاً الأمازيغية لغة البلاد الأصلية».
المغرب إذن بلد متعدّد الأعراق والإثنيات، وهو يزخر بثقافة متنوّعة، تمتدّ جذورها في عمق تاريخه الطويل، بالإضافة إلى سكّانه الأصليين من الأمازيغ، فقد توافد عليه العديد من الهجرات المتوالية المقبلة من المشرق، ومن جنوب صحراء أفريقيا، ومن الشّمال، وكان لكلّ هذه المجموعات البشرية أثر كبيرعلى التركيبة الاجتماعية للمغرب، التي عرفت معتقدات سماوية منذ أقدم العهود، كاليهودية والمسيحية وأخيراً الإسلام.
ولكلّ منطقة من المناطق المغربية خصوصيّاتها التي تتميّز بها عن سواها من المناطق الأخرى، والتي أسهمت في صنع فسيفساء الثقافة المغربية، ووضع الإطار المتميّز للإرث الحضاري المغربي، الذي أصبح ذا طابع معروف في العالم أجمع. هذه الخصوصيّات المكوّنة لنسيجه الاجتماعي هي التي تطبع هذه الأنسجة الحضارية الثريّة ذات الألوان الفسيفسائية المتنوّعة، حيث تنطوي تحت هذه العناصر برمّتها مكوّنات العديد من المظاهر الثقافية، والحضارية التي تطبع المغرب بطابع خاص ومميّز .
ألسنة ولغات
الدّفاع عن اللغة العربية، لا ينبغي أن يثنينا أو يبعدنا، أو يقصينا عن العناية، والاهتمام والنّهوض والدّفاع كذلك بشكلٍ متوازٍ عن عناصر مهمّة، وأساسيّة أخرى في المكوّنات الأساسية للهويّة الوطنية في هذا البلد، وهي اللغة الأمازيغية وثقافتها، وفي حالة البلدان المغاربية على سبيل المثال، معروف أن اللغات الأمازيغية الأصليّة فيها قد تعايشت مع لغة الضّاد منذ وصول أو دخول الإسلام إلى هذه الرّبوع والأصقاع، في مجتمعات تتّسم بالعدّد والتنوّع والانفتاح، ليس بين لغاتها ولهجاتها الأصلية المتوارثة، بل حتى مع اللغات الأجنبية الأخرى كالفرنسية والإسبانية، والإنكليزية والإيطالية وسواها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وحسبي أن أشير في هذا الصّدد إلى التعايش المتناغم الذي كان قائماً بين هذه اللغات برمّتها، والذي لم يمنع أبداً في أن يكون هناك علماء أجلاّء في هذه اللغة أو تلك من مختلف جهات ومناطق هذه البلدان، وكان «العربيّ» في هذا السياق يفتخر، ويتباهى بإخوانه من البربر الأمازيغ، والعكس صحيح، قال قائلهم :(وأصْبَحَ البِرُّ مِنْ تِكْرَارِهِ عَلَماً / عَلىَ الخَيْرِ وَالنُّبْلِ والمَكْرُمَات).
فكلمة البِرّ (بكسر الباء) التي تعني الخيرَ والإحسان إذا كُرّرت مرّتين أصبحت (برّبرّ). (البربر) التى لم يأنف صاحب المقدّمة عبد الرحمن بن خلدون بأن يضعها ويدبّج بها عنوانَ كتابه الموسوعي الكبير الذائع الصّيت وهو: كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). وهذا شاعر آخر من «الرّيف» في شمال المغرب ينشد متحسّراً على مدينته (لعلّها مدن وحواضر النكور، أو المزمّة، أو بادس) التي اندرست واندثرت وتلاشت بعد التعايش والازدهار اللذين عرفتهما من قبل، مُستعمِلاً ثلاث لغات في بيت واحد من الشّعر وهي: العربيّة، والرّيفيّة، والسّودانية، فقال: (أثادّرثْ إِينُو مَانيِ العُلُومُ التيِ دَكَمْ/ قَدْ إنْدَرَسَتْ حَقّاً وَصَارَتْ إلى يَرْكَا) .وقيل إن «يَرْكَا» باللغة السّودانية تعني الله، وبذلك يكون معنى البيت: أيا داري أين العلومُ التي كانت فيك، قد اندرست حقّاً وصارت إلى الله.
كُمّ عبد الرّحمن المجذوب..
ويحتلّ اللباس القليدي المغربي مكانة مرموقة في عالم الموضة في مختلف أنحاء المعمور، وهو جزء لا يتجزّأ من التراث المغربي الأصيل الذي يعتبر أحد المقوّمات البارزة للحضارة المغربية، وهو من أبرز المظاهر الحضارية للبلاد ورمز رقيّها وتميّزها، كما أنه انعكاس واضح للتعدّد والتنوّع اللذين يميّزان ثقافة هذا البلد وأصالته.
ويعتبر «القفطان» المغربي من أقدم الألبسة التقليدية وأرقاها في المغرب، ويؤكّد المؤرّخون أن ظهوره يعود إلى عصر المرينييّن، وكان هذا الزيّ منتشراً كذلك لدى السكّان الأصليين في البلاد، وكذا في الأندلس، ويعتبر المغاربة قفطانهم رمزاً بارزاً من رموز ثقافتهم التقليدية الشعبية الأصيلة، ومهما تنوّعت أصناف الألبسة المتوارثة، وتعدّدت أشكال الأردية التقليدية، تظلّ للتكشيطة الغلبة بخاصّيتها التي لا منافس لها في عالم الأزياء، بل أنها تعتبر مفخرة النساء المغربيات في كلّ مكان وزمان اللاّئي ما فتئن يفضّلن اختيارها، وارتداءها في مختلف المناسبات كزيّ تقليدي عريق وأصيل.
ويُحكى في هذا القبيل أن الشّاعر الزجّال الصّوفي المغربي عبد الرحمن المجذوب (توفي 1568) استدعي ذات مرّة إلى وليمة، واستجاب للدّعوة وذهب إليها بأسماله البالية التي عادة ما كان يرتديها، وعندما وصل إلى مكان الحفل أجلسوه في ركن قصيٍّ، مُهمل، بعيدٍ عن المكان الذي جلس فيه عليّة القوم، ووجهاؤهم وأعيان المدينة، ثم قام لتوّه خلسةً وعاد إلى منزله وارتدى أحسنَ الثياب من سلهامِ أنيق، وعمامةِ لامعة، وبَلْغةٍ أصيلة وعاد إلى مكان الحفل من جديد، عندئذ رحّب به أهلُ الدار ترحاباً كبيراً وأجلسوه على أفخم أريكة، وبين الطنافس الوثيرة في أحسن غرف المنزل إلى جانب عليّة القوم من المدعوين، وعندما وضعوا الصّحون الكبرى، وأطباق الأطعمة الشهيّة على الموائد صار عبدالرحمن المجذوب يدخل كمَّ سلهامه أو جلبابه في مرق الأكل ويقول له ما معناه: «تفضّل.. أكلْ.. فأنت المدعوّ إلى هذه الوليمة ولست أنا…»!
جِسر التواصل
الحديث عن التعدّد الثقافي والتنوّع الحضاري يحلو، ويطول، والتاريخ لا يقرأ في هنيهة، فالزّائر الذي يأتي للمغرب يلمس التاريخَ حيّاً نابضاً قائماً في كلّ مظهر من مظاهر الحياة، دراسة هذا التاريخ والتعمّق فيه واستخراج العناصر الصالحة منه أمر لا مندوحة لنا عنه، وهو أمر ينبغي أن يولى أهميّة قصوى، وعناية فائقة، وتتبّعاً متواصلاً من طرف الدّولة والخواصّ، ومن لدن مختلف الجهات العلمية والتاريخية التي تُعنى بهذه المواضيع للتعريف بهذه الذخائر، ونشر الوعي وتأصيله بشأنها لدى أبناء جلدتهم، ولعمري أن لفي ذلك تجسيداً وتجسيماً للعهود الزّاهرة التي عاشها أجدادنا على امتداد العصور الحافلة بالعطاء الثرّ والتعايش والتسامح والتآخي والتداني والإشعاع الثقافي والعلمي الباهر الذي شكّل وما يزال جسراً حضارياً متواصلاً بين الشرق والغرب، وبين مختلف الأجناس والأعراق والإثنيات والديانات في هذا الصُّقع القصيّ الجميل من العالم.
محمّد محمّد الخطّابي