بيروت- «القدس العربي»: شيء من الجاذبية الخاصة يلفح الهمة لشد الرحال إلى معرض موقع بأسماء نسائية، ربما بحثاً عن خيط يجمع بين فن النساء، وربما استجابة ضمنية لنداء داخلي بكلمة تُكتب عن بعض من قبيلة حوّاء اللواتي «تسركلهن» الحياة بألف واجب وواجب، ففي هذا المعرض «تطعوج» ليلى سبيتي السيراميك، وكأنها ترد للحياة بعضاً مما فعلته بالنساء من «طعوجة» مزمنة جسدية ونفسية ناتجة عن تراكم التفاصيل والاهتمامات والرعاية، وليس لديهن خيار الاستلام أو النأي بعيداً.
في غاليري «رميل»، اجتمعت ليلى سبيتي «سيراميك»، ميسا أبو رحّال وشيما عزيز «فن تشكيلي»، في معرض أراد التعبير عن المشاعر والاحاسيس ومن خلال الاصابع، افتتح في الثامن من يناير/ كانون الثاني، الركن الذي شغلته سبيتي، بانت على معروضاته أنها فنانة تملك يداً صلبة في التعامل مع السيراميك، ورغبة مقيمة في جعله مطيعاً لارادتها، وكأن دهراً ترك فعله عليه، سبيتي تحترف التعامل مع تلك المادة بمعاونة الدولاب، ومن ثم تترك لأصابعها أن تعبث بمادتها في قسوة بادية، من مجموعاتها ما يشبه الأوعية الصغيرة التي تصح فيها كلمات الأخوين رحباني «قصقص ورق ساويهن ناس»، والأكثر اثارة للخيال والجدل النساء الثلاث ببطون متسعة، وكأنهن أوعية، نعم المرأة وعاء بمعنى الكلمة كله، أليست هي من تمتص كل قضايا العائلة، وهي من تنسق كامل متطلباتها؟ ولهذا كان للمرأة اتساعها في الثلث الثاني من جسدها، فهي لا تحمل الاطفال وحسب، بل تحمل هموم ما يتبع الامومة، وهي لا تُحصى، ورغم المتاعب كان لتلك النسوة زينتهن وتبرجهن الانيق، تهوى ليلى سبيتي الفاتح من ألوان السيراميك، غلب على ركنها الابيض والبيج، وقليل جداً من الرمادي الخجول بإطلالته، وفي هذين اللونين ما يحدثنا عن بساطة تجذب الفنانة، وكذلك تظهير للنقاء الذي ترغب في إيصاله لذائقة المتلقي.
تمنح ميسا أبو رحّال بعض لوحاتها مساحة وفضاء منظورين، في لوحة بالحجم المتوسط ذات ارضية سوداء يرتاح شخصان بطول شديد في زاويتها، شخصان باللون الابيض، وكأنهما في وضعية تشابك عبر اسلاك رفيعة، في هذا الفعل الفني بدا وكأن ابو رحّال جعلت من هذين الجسدين تعبيراً عن هموم اجساد لا حصر لها، رغم عامل التفاؤل الذي يعكسه اللون الابيض الذي نشاهدهما من خلاله؛ في لوحة أخرى تركت ابو رحّال الفضاء العلوي خالياً إلا من تموجات ريشتها، وطبعت في اسفلها خطوطاً مستمدة من نبضات القلب بين صعود وهبوط، وعندما كانت الشفاه بصدد مشروع لقاء في لوحة أخرى بالأبيض والأسود هجرت الحياة وجهي من يهمّان بالفعل الجذّاب، حتى بدت وكأنها مشروع قبلة غارقة في موت لا شك آت. أعمال أبو رحّال من الحجم الكبير، في واحدة من الزيتيات التي تعرضها تُكثف اللون حتى تكاد تراه ملبداً، روحها تهرب إلى الأسود والرمادي دون اختيار، سواء في لوحة الرجل الباحث عن طريدة، أو في تلك العارية سوى من قبعة كبيرة وتعاين العالم من فوق السحاب؛ تنسق أبو رحّال لونها وترسم له اهدافاً واضحة، لونها المختار في هذا المعرض داكن، وربما موضوعها مبهم ايضاً.
مع الفنانة شيما عزيز ينساب اللون حيث يرغب، في معرض المشاعر والأحاسيس اختارت أن تترك المجال رحباً للعري، هو ليس بالعري الاستعراضي أو الشهواني، بل يجانب الوقاحة، العيون لا وجود لها مطلقاً، تصوغ عزيز الوضعية التي ترغبها للجسد العاري على الورق، ومن ثم تترك للون وهو غالباً مائي وبالأسود المنحاز إلى الرمادي، أن يندلق متسللاً من جسد صاحبته وحولها بما يشبه المسار العفوي، عاريات عزيز يؤكدن الانتماء لعائلتها في الفكرة والتنفيذ، لهن جينات مشتركة، أكثر من عارية تقف على رجل واحدة، ومنهن المنحنية الظهر وكأنها في وضعية اغتسال، في لوحة واحدة فقط تستعرض العارية جسدها وتتحدى بالانحناء نحو الخلف ودون تفاصيل وجه، تفننت ابو رحّال بالمرأة العارية، بين ساجدة ومكبلة اليدين من الخلف، وأخرى متأهبة للركض، وراكعة ممسكة بوسط ساقها، ثمة حيرة ازاء عاريات عزيز، فلا تعبير وجه لديهن، لكن الجسد متروك على هواه، إنها سوريالية الابحار في جسد رغب كثيرون في التعبير عنه فناً وشعراً.
في البحث عن عامل شراكة يجمع بين الفنانات الثلاث، فهو موجود بالتعبير عن جسد المرأة، والمرأة العارية تحديداً، إنما بعيداً عن الاستعراض. معرض بلون غير مفرح لولا سيراميك سبيتي الناصع. يستمر حتى نهاية يناير/ كانون الثاني في كاليري رميل.
زهرة مرعي