في السياسة الدولية والعلوم السياسية مصطلح فوق كل المصطلحات، وتعبير ذو طابع سياسي وأخلاقي وإنساني يسمو فوق كل المفاهيم والأعراف، فهو إشارة واضحة إلى حق كل مجتمع يحمل هوية جامعة متميزة، سواء أكان بحجم شعبٍ أو حتى مجموعة عرقية، أن يختار نطاقه السياسي المفضل، وأن يتبنّى طبيعة كينونته بين الشعوب الأخرى، لتحقيق طموحاته المشروعة وإدارة حياته اليومية، بعيداً عن أي تدخلٍ أو قهر خارجي، هذا المصطلح يعيشه الكثيرون ويطمح له الآخرون، هو حق تقرير المصير.
أخيراً حسم الشعب الاسكتلندي خياره، وقرّر مستقبل بلده، ليبقى جزءاً من الدول الأربع المكونة للمملكة المتحدة، إثرَ استفتاء تاريخي شارك به نحو 97% من الذين يملكون حق التصويت، وليعلن رئيس الحكومة الاسكتلندية وزعيم الحزب القومي الاسكتلندي أليكس سالموند استقالته من منصبه ومن رئاسة حزبه احتراما للخيار والتقليد الديمقراطي، ومؤكداً أن زمن زعامته قد انتهى، وان الحلم لن يموت.
كل ذلك بعد أن وعد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بإعطاء اسكتلندا الباقية في النسيج الأكبر مزيدا من الصلاحيات الواسعة لها ولغيرها، تُرى لو حصلت هذه الحالة في عالمنا العربي وقد حصلت مراراً! ولو أرادت إحدى القوميات أن تقرّر مصيرها، فلا بد أنها ستحتاج لعشرات السنين من العمل في الظاهر والباطن للتعبير عن نفسها، ولكانت نُعتت بأقسى أوصاف الخيانة والعمالة والسعي لتفتيت البلاد وإشقاء العباد، وربما لدخلنا أعواماً من الصراع والاقتتال الداخلي، ولسقطت أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، ولاستُغلّت هذه الحالة مبرراً وضرورةً لتمجيد القادة وترسيخ بقائهم وتحصين زعاماتهم، ما داموا يحفظون للبلاد وحدتها وتماسكها فوق قهر المقهورين وأضغاث الحالمين، وقد يقترب دعاة تقرير المصير يوماً من غاياتهم، ليدخلوا في نفق تحديد من يحق له الاقتراع والاستفتاء، وسط أجواء من الريبة والتشكيك، فتظهر نتيجةٌ يعبدها الفائزون وينكرها الخاسرون، لا يتنازل أحد، ولا يستقيل أحد، ولا يعتذر أحد، فيبقى هذا الكيان الجديد، إن قُدر له أن يحيا، يبقى غريباً مستهجنا، وربما محارَباً من قبل وطنه الأم، كل هذا إن كان له من الحظ نصيب.
قد يكون لتفتّت الدول وتشرذمها كثير من المعضلات، وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التعقيد في العلاقات والتبادل والحركة بين الدول، وقد تخشى الشعوب على حدودها وكيانها وهيبتها في عالم يُقدِّر الدولة السليمة الموحّدة، لكن حقوق القوميات والشعوب أهمُ وأقدس، وحرية البشر في تقرير مصائرهم ببقائهم في بلدهم أو انفصالهم هي شرط لِحسن عيشهم وتعزيز انتمائهم وأولوياتهم، والعبرة هذه المرة تأتينا من أدنبرة !.
م. زيد عيسى العتوم