غابات كثيفة من التعريفات تقترحها جغرافيات نظرية متعددة: الشعر بين سلطة التعريف ونشوة اقتفاء الأثر

إن الإشكال الكبير الذي يواجهه الباحث، في محاولته تقديم تعريف موضوعي وشامل للشعر، هو تعدد المدارس الشعرية، وتعدد مذاهبها،بما يسمح عمليا بتعدد التعريفات، وتعدد التصورات، لأن التعريف يتأسس عادة على أرضية ضبط الميكانيزمات المركزية، والمشتركة المتحكمة في إنتاج النصوص الشعرية التي تمكنت من ترسيخ حضورها في مرحلة معينة من مراحل الكتابة الشعرية، تبعا لما تتميز به من إضافات نوعية، تمارس تأثيرها الملموس على التلقي، كي تتحول في نهاية المطاف إلى سلطة، وإلى نموذج شعري يحتذى به، ومعتمد في عملية التوصيف والتأطير، لكل ما يتم إبداعه لاحقا من نصوص .وبالرغم من استناد هذا التوصيف أو التأطير، على مكونات النموذج الذي كان موضوعا للمقاربة /المقاربات، لا أنه سوف يتحول بفعل قوته التداولية، إلى مرجع أساسي من مراجع صياغة وبناء تعريف عام،قابل لأن ينسحب حتى على ما يتعارض معه من نماذج. بما يعني أن المدارس والمذاهب الشعرية، غالبا ما تتشكل انطلاقا من تبَنِّيها نظريا من قبل الخطابات النقدية التي يمكن أن تكون منحازة، ومتحمسة لنموذج بعينه، بفعل امتلاكه لخصوصية جمالية أو فكرية، قادرة على استقطاب اهتمام النخب المثقفة، وغالبا ما تقترن تلك الخصوصية بتقديمها لإضافة نوعية، يكون لها دورها الأساسي في تسليط الضوء على عناصر لم يكن لها من قبل اي حضور فعلي في الخطابات النقدية والنظرية، وهي العناصر التي يحدث أن تحظى باهتمام الحساسيات الجديدة، مما يؤدي إلى تكريسها، وتحويلها إلى مادة معرفية يتأسس عليها مبدأ التعريف، الذي سيأخذ تلقائيا شكل بوصلة، يهتدي بها الباحثون في مقارباتهم للظواهر، كما يهتدي بها الشعراء في صياغة لنصوصهم، وبالنظر إلى حضور هذه الظاهرة على امتداد تاريخ الكتابة الشعرية، الذي لا ينحصر في لغة معينة، أو شعب معين، فإننا سنجد أنفسنا أمام غابات كثيفة من التعريفات، التي تقترحها علينا جغرافيات شعرية متعددة، ومختلفة، معززة بتبريراتها النظرية المستمدة من قلب النصوص، التي سبق أن مارست سلطتها الجمالية على القراءة بمختلف مشاربها. علما بأن ظهور أنماط جديدة ومغايرة من أنماط القول، لا يؤدي بالضرورة إلى احتجاب ما كان سائدا، باعتبار أن هذا الاحتجاب قد يكون مؤقتا ومرحليا، في انتظار اختمار الشروط التي تسمح له، أو لغيره من النماذج القديمة والمنسية بتصدرها للمشهد من جديد. كما أن منطق تعدد آليات التلقي، وتنوعها، يسمح بشكل أو بأخر، بتعايش نصوص تنتمي إلى مرجعيات وتوجهات متباينة ومختلفة، وأحيانا متضادة. هذا الواقع يمنح للنصوص الحق في ضمان استمراريتها، على ضوء ما يواكبها من تعريفات، يعود لها الفضل في تأطيرها وتكريسها.
على أساس هذه المعطيات، نخلص إلى استحالة الاستبعاد التام والمطلق لشكل ما، من أشكال الكتابة الشعرية، بدعوى تجاوزها، لأنها لا تكون في الواقع متجاوَزَةً إلا من قِبَلِ تلقٍّ معينٍ و محدد في المكان والزمان، ينسجم مع رؤيته الخاصة لمفهوم الكتابة، حيث يمكن القول،إن التجارب الإبداعية بعامة، غير مهيأة للخضوع إلى تصنيف نهائي، لكونها تمارس باستمرار انزياحاتها، وتسرباتها إلى أراض جديدة، والى مساحات جديدة، غير آبهة مطلقا بالتصنيفات الدوغمائية، الصادرة عن هذا المنبر أو ذاك، إذ ثمة دائما من يبعث بدعوة الاستضافة من جهة غير متوقعة تماما، وهو ما يضمن للكتابة استمراريتها، كما يساهم في تعطيل ما يعترض سبيلها من مبادرات إقصائية، الشيء الذي يجعلنا نجزم باستحالة التحكم في حركية المدارس الشعرية،بتياراتها،و مذاهبها، كما لن يكون بوسع أي توجه نظري، تكريس كتابة معينة على حساب إقصائه لأخرى، كما لن يكون ممكنا الإلحاح على طّيِّ صفحةِ مساراتٍ إبداعية لفائدة فتحِ مسارات مضادة أو مناوئة، وذلك بالنظر إلى استحالة التحكم في حركية الإواليات، التي تتميز بها هذه المسارات المطبوعة باختلافاتها وتنوعاتها، حيث تنتفي أية إمكانية لتوجيه الكتابة نحو أفق نهائي، وحيد ومطلق، بفعل انفلات سُلطِ التلقي، و بفعل استحالة تقييدها بقوانين مسبقة وجاهزة. ذلك أن منهجية تعميم الوعي بواقع ما، ومهما كانت متطورة ومتقدمة، في اشتغالها بتواز، وبتنسيق تام مع المؤسسات الرسمية، من أجل توجيه وتكوين الرأي أو الذوق العام، فإنها ستظل عاجزة عن تلمُّس طريقها إلى الكثير من الهوامش، التي تظل محتفظة بقدرتها على الممانعة، متيحة بذلك امكانية استعادة الكتابات القديمة، والتقليدية لحضورها، والتي دأبت التوجهات الحداثية على اعتبارها متجاوزةً. فهناك دائما كتابات منقرضة، مستعدة من جديد للإعلان عن انبعاثها، وثمة دائما من يبدي استعدادا كاملا لتبنيها، ورعايتها، لأنها تظل حية بحياة تلك الأفاق المستترة، التي تكشف عن استعدادها الكبير لدمجها ضمن خطاباتها المركزية.
إن هذا الواقع يتأكد من خلال القراءة المتبصرة، والتركيبة للتراكمات الشعرية، عبر ضبط مختلف العلاقات الابستيمولوجية القائمة بين مكوناتها الداخلية، وبين العناصر الخارجية المحايثة لها وخاصة منها منهجيات القراءة والتأويل، الشيء الذي يفيد حضور تواطؤ محكم بين الكتابة وبين قراءاتها. لكن خارج هذا التواطؤ، يمكن الوقوف على دلالة نبذِ غير قليل من الشعراء للقصائد الجميلة التي يكتبها غيرهم، باعتبار أنها تمتلك المقومات التي تحوِّلُها إلى إبدالاتٍ معززة بإطارها النظري، الذي يحتل فيها التعريف مكانته الخاصة. هذا النبذ يُذكي جذوة النفور تجاه هذه التجارب، كما يؤدي إلى التشكيك في قيمتها الجمالية، بما يساهم في إقصائها، كي تندرج ضمن الممنوعات، وحينما يُرفع عنها الحظر في مرحلة متأخرة، يكون الوقت قد فات. وما نعنيه بالوقت هنا، هو تلك اللحظة الاستثنائية التي تتحقق فيها نشوة اللقاء المبكر، والحوار المبكر، والمتعة المبكرة، التي كان من الممكن في زمن انبجاسها، أن تخلق نقاشا له طبيعة مغايرة، بالمقارنة مع ذلك الذي يأتي متأخرا. إن مسارها يتعرض للبتر، فضلا عن تأثره سلبا بمسارات نصوص وصلت هي أيضا جد متأخرة لفضاء القراءة، أو قبل الأوان. عموما إنه الإيقاع الطبيعي للأشياء، وللنصوص، حيث يظل الاختلاف سيد المشهد، بسلبياته وإيجابياته، وحيث تستوطن الاستحالة حيز الكينونة. أي استحالة القول بإمكانية نص أحادي، ونهائي يستجيب بشكل دائم إلى توقع القراءة، باعتبار أن هذا التوقع أيضا هو نتاج أسئلة فكرية، وروحية تُلح على الكائن، باعتبارها خاضعة لتحولاتها الدائمة. بما يعني وجوب تعدد الاشكال، اللغات، والبنيات التعبيرية، لأن هذا التعدد يترجم بشكل مباشر حركية وحيوية الحياة، التي لا يمكن أن تستمر بالوتيرة ذاتها، وبالصوت ذاته. أي أن الاختلاف هنا، ليس شكليا فقط، ولكن له صلة بما هو جوهري، أي بما هو إنساني. إن شكلا ما، قد يكون قابلا للإجابة عن سؤال معرفي فني أو فكري، دون أن يكون قادرا بالضرورة على الإجابة عن كل الأسئلة، علما بأن السؤال هو أيضا، يراوح بين ما هو ثابت، وبين ما هو متحول، لأن الكائن يصطدم يوميا بإشكالات جديدة، لم تكن من قبل حاضرة في دائرة السؤال.
غير أن الأجمل في الحكاية، هو نسيان أصل القصيدة، في الشرارة الفعلية التي تكمن وراء لحظة توهج أنوارها. وهذا الأصل ربما يكون حاضرا في الجهة القصية من الكتابة، أنه يكتفي بالنظر إليك من بعيد، وقد استنفد مهمته، بمجرد أن اقتادك إلى مضاربها. هي التي لا تلبث أن تستقل بذاتها، بعد خطوات معدودات من بداية انفتاحها على شهوة الإشارة، والتي لا تلبث أيضا، أن تنسى الفضاء الذي هيأها كي تكون قليلا، لسبب يبدو وجيها ربما وحكيما، إنه هوس اقتفاء أثر الأثر، قبل أن يختفي.

غابات كثيفة من التعريفات تقترحها جغرافيات نظرية متعددة: الشعر بين سلطة التعريف ونشوة اقتفاء الأثر

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية