غاب الرئيس ولم يحضر الشعب في تونس

غيابان بارزان عرفتهما تونس في الأيام والأسابيع الاخيرة. الأول التفجيرات وعمليات القتل والاغتيال السياسي التي كانت تحصل عادة، منذ الإطاحة بالرئيس المخلوع بن علي في شهر رمضان. والثاني لرئيس الدولة الحالي الذي تخلف للمرة الاولى عن حضور صلاة عيد الفطر، وتوجيه خطاب معايدة رسمي لشعبه. الفرق بين الغيابين كان واضحا، ففيما مر الأول بصمت وبدون جلبة ولا ضوضاء وكأن البون لم يعد شاسعا بين الهدوء والأمان النسبي والسكينة في رمضان وبين مشاهد الدماء والأشلاء والخراب التي عرفها الناس في السنوات الثلاث الاخيرة. بوجه خاص اهتم الكثيرون وانشغلوا بشكل مكثف ومبالغ بالغياب الثاني الذي وصفوه بالمبهم والغامض والمريب. وكان تفسير هدنة «القنابل والاحزمة الناسفة والانتحاريين» التي لا احد يعلم كم ستدوم هي انها جاءت نتيجة طبيعية «للانتشار الامني المهم وتواصل اعتماد حالة الطوارئ»، «وضرب جل القيادات الارهابية المتحصنة في الجبال وقطع الامدادات اللوجستية عنها، وتراجع الحاضنة الاجتماعية بشكل مهم واستعادة بعض المساجد التي كانت خارجة عن سيطرة الدولة»، بحسب ما أكده رئيس المركز التونسي لدراسات الامن الشامل في تصريح لوكالة الانباء الرسمية.
أما رئيس الحكومة الحالية الحبيب الصيد فقد اضاف في خطاب معايدة مكتوب نشرته مصالح رئاسة الحكومة، أن سر ذلك النجاح الامني هو توفق الحكومة «بعون الله وبفضل ما رسمته من خطط عملية ويقظة وجاهزية المؤسستين العسكرية والامنية واستعدادهما، وكذلك بفضل مساعدة المواطنين وحسهم الوطني في أن يكون شهر رمضان شهر السكينة والامن والطمأنينة». لكن وعلى العكس من ذلك لم يكن هناك على الجانب الآخر تفسير واحد لغياب قائد السبسي ايام العيد فالبعض برر الغياب بالضرورة الامنية التي اقتضت امام جدية التهديدات وخطورتها ألا يظهر الرئيس في تلك المناسبة بالذات والتأويلات والتفسيرات التي انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي وصلت حد الزعم بانه فارق الحياة، وان السلطات تتكتم على الخبر في انتظار الاعلان عنه في وقت لاحق. وربما كان صمت الرئاسة ايام العيد الثلاثة ثم ردها المتأخر بعد ذلك بتصريح الناطق الرسمي باسمها مساء السبت الماضي لوكالة الانباء الرسمية بان «رئيس الجمهورية بصحة جيدة ويمارس نشاطه بصفة عادية»، وأن «الإشاعات» التي اوردتها « بعض المواقع الاخبارية المشبوهة حول صحته باطلة وغير صحيحة»، واحدا من اسباب تزايد اللغط حول غياب الرئيس.
وليس معروفا حتى الآن إن كان ذلك التصريح هو الرد المباشر على انتقادات صحيفة «الشروق» المحلية، التي كتبت صباح السبت الماضي ان» غياب الرئيس ايام العيد غير مبرر بالمرة، وأثار الكثير من الشكوك والتخمينات حول حالته الصحية وحول الظروف العامة في البلاد وداخل أجهزة الحكم والدولة» وإنه «من حق المواطنين معرفة أحوال رئيسهم، ومن واجب هياكل مؤسسة رئاسة الجمهورية أن تتعاطى بقدر كبير من الشفافية في الإعلام عن أخبار الرئيس واحاطة الناس علما بأي مستجد أوطارئ، لاسكات أبواق الاشاعات وتوتير الاجواء في ظرفية حرجة وصعبة تمر بها البلاد».
ورغم أن موقع الرئاسة على فيسبوك وحتى التلفزيون الرسمي نقل مشاهد من لقاء الرئيس بالامين العام للحزب الاشتراكي في قصر قرطاج، ثالث ايام العيد، إلا أن ذلك لم يضع حدا لشكوك حول احتمال تدهور صحة «البجبوج» كما كان يصفه انصاره. ولانه بات مطلوبا طمأنة التونسيين نهائيا وبشكل كامل على أن رئيسهم لا يشكو من اي مرض أو علة، وانه بخير وعافية فقد صار مفيدا وضروريا اعلامهم مثلما نقلت اذاعة «موزاييك» المحلية الخاصة عن مصادر موثوقة أن سيادته «تحول مساء الجمعة» اي ثالث ايام العيد «بعد نهاية نشاطه إلى مدينة الحمامات وكان له عشاء خاص مع افراد عائلته بمطعم «لا تراس» حين شاهده عدد من الزبائن». ولان حال الرئيس صار آشبه بالشجرة التي تحجب الغابة فلم يعد ممكنا ولا مقبولا بعد ما أن أغلق قوس الجدل حول صحة الرئيس بتلك الأدلة والبراهين القطعية أن يسأل احد عن السبب الحقيقي والاصلي لغيابه في مناسبة دينية مهمة مثل عيد الفطر، مادام لا يشكو من أي مرض وقادرا على التنقل إلى الحمامات لتناول العشاء مع عائلته، أو أن يسأل الذين اقاموا الدنيا ولم يقعدوها وانزعجوا من غيابه عن إلقاء خطاب التهنئة وحضور صلاة العيد، عما اذا كان سبب انزعاجهم هو خشيتهم وخوفهم على حياته؟ أم حرصهم على أن يكون موجودا بينهم ايام العيد لرمزية قد يمثلها وجوده؟هل يمكن مآخذة الرئيس واعتباره مخلا بواحد من واجباته الرسمية والبروتوكولية؟ أم أن هناك مبالغة مقصودة في الموضوع قد يكون هدفها إعادة بعض الشعبية والتعاطف مع شخص الرئيس بعدما دلت آخر استطلاعات الرأي على أن مبادرته الاخيرة بالدعوة لحكومة وحدة وطنية قد افقدته بعضا من قاعدة انصاره ومؤيديه التقليديين؟
الغريب في الموضوع أن الرئيس ظل صامتا يستمتع بالجدل الدائر حول غيابه، وربما يقول في قرارة نفسه انه بات على درجة من الاهمية تفوق اهتمام الناس بامنهم وحال دينارهم ومستقبل ديمقراطيتهم. ولم يتكلم حول ما صار اشبه بقضية رأي عام الا صباح الاثنين الماضي عندما زاره وفد من رجال الاعمال ليقول خلال تلك المقابلة، وفي مقطع فيديو حرصت مصالح الرئاسة على نشره وبلهجة لا تخلو من السخرية والاستهزاء «سامحوني أنا مازلت حيا وهذا الامر ليس بيدي»، واصفا إشاعة موته بـ»الانحطاط الاخلاقي والسياسي الذي لم تشهد تونس له مثيلا حتى قبل الاستقلال»، ومضيفا أنه تلقى اتصالات عديدة من الجزائر والمغرب وفرنسا للاطمئنان عليه، وان تلك الاشاعات لها «تأثير سلبي على صورة تونس وحتى على امنها القومي». لقد كسب قائد السبسي في النهاية من وراء قصة الغياب التي لم يعرف بعد من روجها في هذا الوقت بالذات، ولكن الاثر الذي تركته إشاعة موته على البلد لمجرد عدم حضوره مناسبة دينية كان عميقا وبالغ الدلالة. فالهجومات العنيفة التي تعرض لها بسبب ذلك الغياب كانت تخفي وراءها استقالة عامة وانصرافا كليا عن الاهتمام بالشأن العام وفقدانا لأي حس بالمواطنة أو شعورا بأهمية وقيمة التجربة الديمقراطية التي تجتازها تونس. وكما لم يشعر معظم التونسيين أن هناك فرقا واختلافا كبيرا وجوهريا بين رمضان هذا العام ورمضان الاعوام القليلة الماضية فلا يبدو انهم يدركون بالفعل أن حضور الرئيس في المرحلة الجديدة لن يكون بالاهمية والشكل الذي كان عليهما طوال زمن الاستبداد. والمفارقة التي تدعو للأسى والحسرة هي أن عددا مهما من شباب تونس الذي يملأ الشوارع والمقاهي وأماكن اللهو والترفيه، أو يغامر بالارتماء في قوارب الموت او جماعات التكفير، لا يبذل نصف الوقت الذي يبذله قائد السبسي وهو في التسعين من عمره للعمل. إنهم مثل غيرهم يستمرون في المطالبات والاحتجاجات العقيمة والجوفاء، وربما يبادرون احيانا لحرق انفسهم مع اول مشكل أو عقبة تعترض سبيلهم. هم يائسون من كل شيء في بلد الاستثناء الديمقراطي العربي، ولانهم كذلك فقد ينشغلون بغياب رئيسهم ولكنهم لا يفكرون ابدا بدلا من ذلك في مستقبلهم ومستقبل بلدهم بعد الرئيس ولا يبادرون قبل ذلك لملء اي فراغ او تقصير قد يصدر عن حكامهم.
لقد غاب الرئيس لكن شعبه لم يكن حاضرا على مدى عقود طويلة وذلك هو الغياب الثالث الذي لم يلفت انظار احد في تونس خلال الايام والاسابيع القليلة الماضية لانه صار ببساطة خيارا وطنيا وشعبيا ثابتا ومستقرا لا رجعة فيه.

٭ كاتب وصحافي من تونس

غاب الرئيس ولم يحضر الشعب في تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية