الطائرة الآتية من بيروت تهبط بسلام في مطار بغداد الدولي .
ما أن تطأ قدما الأديبة الشابة غادة السمان عاشقة الحرية أرض مطار بغداد حتى ينبض قلبها بعبق تأريخ يمتد لخمسة آلاف عام ، تلتقي بجدتها الملكة عشتار.
من أين تبدأ رحلتها؟ وأين تغوص؟ .. هي لم تخطط بعد لشيء ! ..
إنها في بلد الحضارات الخمس المتعاقبة في عمق الوجود.
أبن فرناس بدلاً عن سندباد
عند بوابة المطار تلتقي بالرجل المتحدي أنه عباس بن فرناس شامخاً فارداً جناحيه يحيها ، وقد انفصل عن قاعدتة الحجرية ليحلقا معاً في أجواء الإبداع ، وهو أول تمثال تصافحه ليرافقها .
الشارع مستقيم وهي تحب الخط المستقيم شارعاً وسلوكاً والأضواء موزعة بأنتظام على طول الطريق من المطار إلى مدينة السندباد الذي بدوره أعتذر عن التحليق معها لأن العابثين مزقوا بساطه ، تجيب غادة : لا تهتم يا صديقي فلدي أجنحه أستطيع أن أحلق بهما .
رجال البرونز.. والتبغدد
ينطلق الفكر في تماثيل بغداد (مرجانه) وهي تصب الزيت داخل خوابيها الأربعين وعلي بابا يعشق المال أكثر من حبيبته ، الحكاية الفلكلورية العراقية القديمة وعلى عجالة تُقبل مرجانه وتودع الخوابي بعد تأكدها بأن لاوجود للسراق ، وتقترب من تمثال أبو نواس حيث الشعراء المشردون والدراويش ، وتتخيله يروي شعراً وتثني على من قام بنحته إنه المبدع الكبير الراحل (محمد غني حكمت) ، تتابع الغوص في أعماق المدينة الأنثى التي يشطرها نهر دجلة إلى ضفتين في أبهى ثنائية ، من سخاء الزمن الجميل لقاء الأيقونات دجلة متموجة بين سكون وغضب وبغداد ثائرة على مر التأريخ وغادة متمردة ، كم تمنيت أن اطلع على ما دار بينهن من احاديث .
ها قد وصلت إلى نصب الحرية لتحاكي رجال البرونز وتصفهم بأجمل العبارات (حكاية الرجال المكافحين من أجل الحرية على مر التأريخ رجال من البرونز أبدعهم فنان العراق الراحل جواد سليم في اضخم نصب نحتي في بغداد منذ 25 قرناً سترى ملحمة الإنسان من أجل الخلاص ) .
بغداد لا ينجو منها حتى عابر سبيل حيث ستطارده تماثيلها ويشعر بحركة الفن التشكيلي.
تحط الرحال في ( فندق بغداد ) المطل على نهر دجلة كي تستمع من شرفتها لشهرزاد في ليلة من الف ليلة وليلة. وفي حالة تجسير بين الأمس واليوم فقد كتبت الايقونة في إحدى مقالاتها عن رحلتها إلى بغداد قائلة ( لن أنسى يوماً صباحي الأول حين زرت بغداد، وأسمع الآن صوت عامل الهاتف في «فندق بغداد» ـ لعله لم يعد موجوداً ـ وأنا أطلب منه فنجان قهوة ويقول لي عبارة جميلة سمعتها للمرة الأولى هي «تتدَلّلي».. ويومها «تبغددت»).
أبجدية الفن وبينال العراق
الصباح البغدادي يتسلل مبكراً محيياً المتبغددة ، يأخذها للبحث عن المتاحف (الآثار السومرية والأكادية والبابلية والكلدانية والآشورية والإسلامية والعباسية ..) تطوف في أروقة المتحف القديم تتخيل تناغم فنون الشرق في الغرب وأمنت بتناسخ الأعمال أكثر من تناسخ الأرواح وتأثرت بشكل التابوت الذي يشبه الرحم و أثار أهتمامها هذا الكم النوعي الإبداعي للحضارات ، قالت: (من يدخل متحف بغداد لابد وأن يخرج واعياً مدى التنوع والأصالة الفنية لنتاج الحضارات التي تعاقبت على أرض العراق ) كأنها تود أن تطلق عبارة فسيفساء بغدادية .
تحلق إلى الحداثة وتشهد ظاهرة ( بينال ) وهو معرض دوري يقام كل سنتين ولأول مرة يقام في بغداد ( وقد أنبثق عن مؤتمر الفنانين التشكيليين العرب في العام الماضي 1973).
متحف لي .. وحدي !
( وأنا أتجول في القاعة الهائلة بين نتاج 105 فنانين عراقيين شعرت بالذنب ، مثل إنسان يستأثر بوليمة هائلة .. وحدة ! )
يا للهول ! ماذا ستكتب غادة السمان عن هكذا تظاهرة ، أنه الفنان العراقي الذي نجح في الدمج بين التراث والتجديد ، وفي فضاء الحرية تنقش غادة أسماء نجوم الفن التشكيلي بأمانة ووفاء الكاتب وتخط ذاكرتها: حافظ الدروبي ، نوري الراوي، خالد الجادر ، شاكر حسن ، نزار سليم ، نزيهة سليم ، فرج عبو ، تركي عبد الامير ، محمد علي شكر ، أسماعيل الشيخلي ، فايق حسين ، شاكر الشادي ، محمد عارف ، الشاعر شفيق الكمالي في لوحة لقصيدته ، الشهيدة الكبيرة ليلى العطار.
ولم تتوقف غادة السمان عند ذكر الأسماء وانما ذهبت إلى الإبداع في تلك الأعمال الفنية وتقييم كل لوحة وبأسلوب ساحر ، وقاموس الإبداع لا ينتهي عند غادة السمان .
أما عمالقة العراق في النحت فأعمالهم تمتاز بكثافة إبداعية ، مثل أعمال الكبار محمد غني حكمت ، خالد الرحال، اسماعيل فتاح .
وبعد أكثر من اربعين عاماً على هذه الرحلة لسيدة الأدب العربي إلى العراق فإن الابداع يتواصل بشكل تصاعدي وأصبح في العراق عشرات المدارس والمعاهد الفنية والآف المعارض لمئات الفنانين .
الأيام الستة في العراق لازال فيها من محطات المسرح والفنون وادب الرحلات ما يستحق مواصلة التحليق في فضاء الإبداع .
٭ كاتب من بغداد
نجم الدراجي