بيروت ـ «القدس العربي»: صاحبة الحنجرة المثقفة هبة طوجي، ستؤدي دور الغجرية «ازميرالدا» في مسرحية «نوتردام دو باري» التي ستنطلق عروضها في 23 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل على مسرح قصر المؤتمرات في باريس. حدث فني ليس بعادي، لم يجد أصداءه الكبيرة فقط في لبنان والدول العربية، بل رحبت به الصحافة الفرنسية برمتها. إذاً «ازميرالدا» بطلة رواية فيكتور هوغو «أحدب نوتردام» هي لبنانية ـ عربية القلب والقالب تطل على الغرب الأوروبي بصورة تُظهر حالنا على جبهة المواهب والإبداع، بعيداً عن صورة الحروب الدمار والهجرة البحرية والبرية القاتلة التي طبعت حضورنا في السنوات الأخيرة ولا تزال.
في هبة طوجي الصوت والحضور الفني، نعرف أنها ظهرت كموهبة واعدة وواثقة منذ مسرحية «عودة الفينيق» سنة 2007 والاعجاب الذي نالته من الراحل منصور الرحباني كان شهادة البداية، وهو الذي كتب لها خصيصاً أغنية «لا بداية ولا نهاية» لكن القدر لم يمهله حتى يسمعها مسجلة بصوتها. تلت «عودة الفينيق» خطوات مختارة، مدروسة وناجحة بإدارة الفنان اسامة الرحباني، ولا تزال حتى اللحظة. الزمن الفاصل بين الإعلان الرسمي لمنتجي مسرحية «أحدب نوتردام» عن اختيارهم لهبة طوجي لتكون في دور «ازميرالدا» والحضور الأول لهبة على مسرح الرحباني هو تسع سنوات، لكنه مُكثّف بالتجارب والتمايز والنشاط الدؤوب من مسرحيات وأعمال غنائية. وحلم الفنانة الصبية يكبر مدعوماً بدراسة أكاديمية في التمثيل والإخراج ظهرت بوادره في توقيعها للفيديو كليب الخاص بأغنياتها.
هبة طوجي التي بهرت لجنة الحكم والجمهور خلال مشاركتها في برنامج «أحلى صوت» بنسخته الفرنسية ووصلت من خلاله للمراحل النهائية، شقت طريقها إلى العالمية بثقة وتواضع كبير، وها هي تستعد لدور الغجرية الفاتنة. توضح هبة طوجي أنها وفي اطلالتها الثانية في برنامج «أحلى صوت» توالت الاتصالات على كل من كاتب ومنتج مسرحية «نوتردام دو باري» تدعوهما للكف عن البحث عن «ازميرالدا» فهي موجودة في البرنامج. وتضيف: كما كل منتج كان بحث عن أعمالي عبر يوتيوب. علمت أنهم راقبوا بدقة كامل المسرحيات التي أديتها مع الرحابنة، وكذلك تابعوا الأعمال الغنائية التي قدمتها مع اسامة الرحباني. وهي مشاهدات أدت لترسيخ القناعة بأني الإنسانة المناسبة لدور «ازميرالدا».
بشأن العقد ومسار العمل توضح: على مدى سنة ستكون للمسرحية عروض بين فرنسا والعالم، وخلالها أزور لبنان لمتابعة أعمالي الغنائية في فترات الاستراحة المتاحة. هل هبة إنسانة سعيدة بهذا الحدث أم لديها خوف من الخطوة الكبيرة؟ الجواب يحمل ثقة هبة الشابة بنفسها وقدراتها، وكذلك مسؤوليتها عن كل خطوة جديدة تضاف إلى مسيرتها الفنية.
الفنان أسامة الرحباني راعي خطوات هبة الفنية، يقرأ في هذا الحدث في حياتها قائلاً: كان منتج «أحدب نوتردام» في باريس، والكاتب في كندا بعد الظهور الأول لهبة في «أحلى صوت». تكونت قناعتهما بها سريعاً، وكان التواصل بيننا من خلال البرنامج، ومن ثم جرت لقاءات مباشرة، وبدأت معالم الاتفاق ترتسم. في تعريفه لتعبير العالمية الذي يحبذ الكثير من الفنانين التماهي معه يقول الرحباني: أختصره بمدى الانتشار والشهرة والحضور خارج أطر المحلية سواء عبر الأغنيات، أو التمثيل المسرحي أو السينمائي. ومشاركة هبة في برنامج المواهب الفرنسي قدّم موهبتها على نطاق واسع جداً.
ينتظر اسامة الرحباني مزيداً من الخطوات المميزة في حياة هبة الفنية ويقول: لديها عقد لأربع سنوات مع شركة «يونيفرسال» كما أن عقد مسرحية «نوتر دام دو باري» يتضمن جولات في فرنسا وخارجها على مدى عام كامل. وهي منذ حضورها الأول في «أحلى صوت» بدأت تتلقى عروضاً للتمثيل في أفلام كبيرة. وهبة دون شك لديها طموح للحضور في السينما فهي درست التمثيل والإخراج أكاديمياً. زمن تمتلك قدرات الحضور الناجح في المسرح الغنائي لا بد سيكون حضورها ناجحا في السينما، وهي تنتظر الفرصة والوقت المناسبين لهذه الخطوة.
منذ ظهورها الفني الأول وهبة طوجي تختلف عن غيرها من الفنانين. يقول اسامة الرحباني في ذلك: تحركت هبة كموهبة بعناية ودراية تامين، كانت خطواتها محسوبة بروية، فلم تحدث أي نكسات أو هفوات في مسيرتها. حالياً وفي حضورها الأوروبي المسؤولية صارت بيد آخرين، ومختصين في تلك الأعمال الكبيرة بالتحديد. ما اقرأه انطلاقاً من الواقع الحاصل حالياً، وما تمّ إعلانه وما لم يُعلن أن المزيد من التقدم والتميز في الغرب ينتظر هبة. ويختم حديثه: وصول هبة طوجي إلى هذه المرتبة وفي هذه المرحلة التي نمر بها في العالم العربي هو أجمل جواب عن صورة المرأة العربية.
بارك الإعلام والنقّاد الفرنسيون خطوة منتجي «أحدب نوتردام» بإسناد دور «إزميرالدا» إلى هبه طوجي. على الصعيد الفني يعتبر هذا العمل الغنائي من أهم ما قدمه المسرح الفرنسي العريق. ويصنّف من الأعمال الأسطورية، إذ يرتكز على رواية لأحد أبرز رواد النهضة الفكرية والثقافية في أوروبا، الكاتب الكبير فيكتور هوغو، عرّاب الأدب الفرنسي. وبعد حوالي 15 عاماً من الغياب، يعود هذا العمل المسرحي الغنائي الذي بدأ عرضه عام 1998 وجال في العديد من بلدان العالم في عروض تخطّى حضورها رقم الثلاثة ملايين مشاهد، ليقع الاختيار للمرة الأولى في تاريخ المسرح الفرنسي على فنانة لبنانية نجحت بموهبتها في اختراق كافة الحواجز. هذا الأمر يُحتسب للفن العربي، ويعيد فنانيه ومن خلال مواهبهم إلى الخريطة الثقافية العالمية.
إن الإجماع الساحق لأهم وسائل الإعلام الفرنسية كـ «لو فيغارو« و«باري ماتش» و«لو بوان» و«فواسي» و«تي أف 1» وغيرها على «السحر» و«الدفع الجديد» الذي ستضيفه موهبة هبه طوجي الكبيرة للعمل مما يشكل إنجازاً بحد ذاته، وانطلاقة ثابتة لموهبة عربية نحو العالمية، إذ أن من يقف وراء هذه المؤسسات العريقة من أكبر النقاد والمؤثرين في المجتمع الفرنسي يقولون بصعوبة، لا بل من النادر، أن تنجح أي موهبة، خصوصاً غير فرنسية، باختراق حواجز المؤهلات الفنية التي يضعها هؤلاء لاستحقاق اعجابهم، بل والأهم استحقاق دعمهم ومباركتهم.
ففي مجلة «غالا» الفرنسية جاء: الجميلة هبة طوجي تغري بصوتها الماسي وبتحكمها المميز بقدرات هذا الصوت. في مجلة «مادوموازيل»: هبة طوجي مثيرة للإعجاب، وكلنا بانتظارها في دور ازميرالدا الذي يناسبها تماما.
مجلة «لوبوان»: ازميرالدا الجديدة تنقلنا إلى عالم الغجر الساحر وتحصد بادائها عاصفة من التصفيق.
تعتبر هبة طوجي في دور «ازميرالدا» في «أحدب نوتردام» أول فنانة عربية تؤدي دوراً مماثلاً في ضخامته الفنية والثقافية، بعد أن كانت قد أدته سابقاً المغنية هيلين سيغارا، المعروفة عالميا بقدراتها الصوتية وإمكاناتها الفنية. طوجي استحقت وعن جدارة هذا الدور الكبير، وحصدت عاصفة من التصفيق خلال أداء أبرز المقطوعات الغنائية الخاصة بالعمل المسرحي والتي رافقها خلالها على البيانو في خطوة لافتة ونادرة، مؤلف موسيقى العمل، ريشار كوشيانتي والكاتب المسرحي الشهير لوك بلاموندون.
وفي لبنان تقيم طوجي في 23 و24 الجاري حفلين في كازينو لبنان، بالتعاون مع اسامة الرحباني. وستعود لتقديم مسرحية «ملوك الطوائف» لمنصور الرحباني في مهرجانات «ارز تنورين» في لبنان مع الفنان غسان صليبا، وهو من إنتاج مروان، غدي وأسامة الرحباني. عربياً وفي الثاني والعشرين من ايلول/سبتمبر المقبل ستقدم طوجي حفلاً كبيرا في الأردن بمرافقة الاوركسترا السيمفونية الأوكرانية بعنوان «Rahbani Summer Night» وبعدها تتفرغ كلياً للعمل مع فريق المسرح الفرنسي في باريس.
زهرة مرعي