غرافيتي غزة: «الحكومة لا تعرف الحب»

حجم الخط
0

غزة – محمود أبو ندى: عاد «الغرافيتي» إلى الشارع العربي مع بداية ثورات الربيع العربي. خاطبت كتاباته اللغة الثورية، وحاول الشباب المنقلب على أنظمته أن يتخذَ من الرسم على الجدران وسيلةً للتعبير عن تطلعاته بدون مواربة من بطش نظامٍ قمعي يعترضه.
بعد أحداث العام 75/76 في لبنان، نمت ظاهرة الكتابة الجدرانية كالفطر في معظم المدن والقرى اللبنانية، طرحت هذه الكتابات مفاهيم سياسية. يذكر الباحث خليل أحمد خليل، أن ما ميز التجربة اللبنانية بأنها حولت الجدار من كونه امتيازاً للمعارضة بالسابق، إلى جدار للجميع ومن اليمين إلى الوسط إلى اليسار واللأمنتمين. التجربة اللبنانية أخذت منحىً آخر خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، على سبيل المثال امتلأت جدران مدينة صيدا بالشعارات، والتي كانت تعبر عن حس المدينة، وطرحت مفاهيم الثورة والشهادة، بلاغات (إضرابات، مظاهرات)، وحيّت الشهداء ودانت العملاء.
في كتابه «الكتابة الجدارية: دراسة وتوثيق»، يطرح الباحث طارق محمد، أحد نماذج فناني الكتابات الجدارية في لبنان، ألا وهو «أبو حيط» والذي شكل أسطورة الكتابة الجدارية، على صغر سنه في ذلك الوقت (14 سنة)، إلا أنه ومجموعته لم يتركوا شبراً أو زاوية من جدران المخيم تخلو من رسائلهم الليلية. كانوا يوزعون أنفسهم على مجموعات ويجوبون في الليل أزقة المخيم ومعهم معداتهم ورسائلهم للسكان أو لأفراد منهم عبر الكتابة على الجدران.

التجربة الفلسطينية

«حماس وجدت لتبقى وإسرائيل وجدت لتفنى»، «فلنصعد الانتفاضة في ذكرى الكرامة»، «عاد النسر الأحمر لقتل العملاء وضرب المولوتوف». الشعارات السابقة هي نماذج مما كتبه الفلسطينيون أثناء الانتفاضة الأولى. أضحت جدران الشوارع صورة مجسدة للفلسطيني وأهدافه. ما بين شعارات تعبوية إلى إعلانات إضراب، إلى تمجيد الشهداء، وترهيب العملاء. فكانت هذه الكتابات تعبيرا مخلصا لتطلعات الشباب. وارتبط ظهور الكتابة الجدارية في الشارع الفلسطيني بالمفهوم السياسي ووصلت أوجها في الانتفاضة الأولى، واكتسبت أهميتها من كونها الوسيلة الإعلامية الرئيسة للمنتفضين. منحتهم مساحةً من الحرية أدركوا من خلالها أهمية الكتابة على الجدران في مواجهة القمع. كانت الظاهرة أكثر التصاقًا بالانتفاضة وأهلها. لا شيء يعبّر عمّا يدور في أذهان المنتفضين وأهدافهم وغايتهم، خير من الكتابات على الجدران والرسم عليها.
الوظيفة الإعلامية كانت الوظيفة الرئيسة لهذه الكتابات، بسبب غياب وسائل الإعلام في زمن الانتفاضة. هذا الغياب والعجز، أدى لبروز صحافة الجدران، حتى وصفت الجدران وقتها بأنها جريدة الشارع الفلسطيني. إضافةً للدور الإعلامي، كان للجدران دور في الحشد والتحريض والتعبئة، بالإضافة للدعاية للتنظيمات ومواقفها السياسية، أيضاً لدورها في ترهيب العملاء وفضحهم، حيث كان لكتابة شعار سياسي على الجدار ثمنه الغالي، ما فتئ يلاحق جيش الاحتلال الإسرائيلي الظاهرة، وإجبار السكان على مسحها من على جدران منازلهم، وفرضت عقوبات بالغرامة والسجن على كل من يثبت أنه كتب شعارا على الجدران.

من حائط الواقع إلى الافتراض

لا يخفى علينا، النقلة التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا على مستوى وشكل أدوات التفاعل الشعبي مع القضايا على الأرض، والتي من ضمنها الكتابة الجدارية. الآن، أصبح التعبير عن الذات والإحساس النفسي، وإفرازها في صور كتابات، أمر سهل نسبيا، إذ أصبح لكل منا (حائطه الفيسبوكي)، فأضحت هذه الجدران مجتمعة شكلاً من أشكال التجربة الإنسانية العامة في تفاعلها مع الواقع.
انتقلت الشعارات والبيانات من حائط الشارع إلى حائط الـ»فيسبوك». وعلى الرغم من ذلك، إلا أنه بين الفينة والأخرى تنتشر على مواقع التواصل صور لكتابات جدارية من هنا وهناك، يغلب عليها طابع السخرية، فمثلاُ تجد شابا غزيا يصف لنا علاقته الشائكة مع الحكومة في غزة بكتابته «الحكومة لا تعرف الحب»، في حين يظهر في كتابة أخرى دور حامي قلوب النساء «الإعدام شنقاً لمن يكسر قلب امرأة». صديق للبيئة، ملّ من الكلام والمؤتمرات والمناشدات، الحل الأخير كان بأن قال لأعداء البيئة والنظافة :«من يرمي القمامة سوف يتعرض للرمي بالرصاص». العاطلون عن العمل كتبوا على أحد الجدران: «فلسطين زي الجنة فش فيها شغل». لا ننسى أن نذكر الكتابة الجدارية الأشهر على امتداد جدران قطاع غزة بل إنها تخطت الحدود ووصلت لبعض الجدران المصرية، الكتابة التي تقول: «خليل شعت عالم ذرة». حُكيت الكثير من القصص حول هذه الكتابة وحول صاحبها، لا يعلم مصداقيتها من عدمه، ولكن الأكيد أن (خليل شعت) لن يكون يوما منسيا في ذاكرة الغزيين. أصحاب الدماغ «المتكلفة» كان لهم نصيبهم من الكتابات، كتب على أحد الجدران: «Weed is what you need.»، من هنا يتبين لنا كيف أن الكتابات الجدارية ذات صلة وثيقة منذ أقدم الأزمنة بهواجس الشارع العربي ومشاعره وخصوصا تلك الفئات الشبابية منه. قيل قديما: للجدران آذان، وفي الواقع لقد غدت بألسنة وقلوب مُثقلة بأحاسيس تلامس قضايا لطالما شكلت تحديات للشباب.

غرافيتي غزة: «الحكومة لا تعرف الحب»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية