غرباء تونس… هل يطلبون خبزا أم حرية؟

ستة عشر مطلوبا بالتمام والكمال ظهرت اسماؤهم وصورهم، وحتى تواريخ ميلادهم، دفعة واحدة على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في موقع فيسبوك، متبوعة بدعوة للتونسيين «للابلاغ عنهم عند مشاهدتهم أو الحصول على معلومات تخص أماكن وجودهم أو تحركاتهم».
على اللائحة المنشورة أربع مراهقات وليبي واحد وشبان محليون، أكبرهم في الخامسة والثلاثين وأصغرهم لم يتخط بعد ربيعه السادس عشر. كيف التقوا وما الذي جمعهم على ذات الهدف والغاية؟
قطعا لن يجازف احد من علماء الانثروبولوجيا، أو من المختصين بعلم الاجتماع، أو الباحثين في علم النفس بجواب قطعي يضع حدا للسؤال ونهاية للحيرة والشكوك، ولكن قطاعا واسعا من الإعلام المحلي لن يتورع عن فعل ذلك، ولن يقطع الحبل السري لعادة قديمة تقضي بحسم الامور من بداياتها، ونسج روايات لن يقدر عقل على تصديقها بسرعة وسهولة، بل قد تنكرها وتتنصل منها بعد شهور قليلة حتى المصادر الرسمية نفسها. واحدة من بين تلك القصص الغريبة ذات العلاقة بالستة عشر مطلوبا نقلتها صحيفة محلية على الشكل التالي، «بسبب فرار العناصر الارهابية قررت اجهزة وزارة الداخلية نشر صور الارهابيين الستة عشر المنتمين الى خلية تابعة لتنظيم «داعش» تنشط بالعاصمة، وتخطط للقيام بعمليات ارهابية تزامنا مع انطلاق مظاهرة اليوم ضد قانون المصالحة. وقد دعت المؤسسة الامنية الى توخي الحذر من تلك العناصر خوفا من اندساسها وسط المتظاهرين وتنفيذ المخطط الارهابي للتنظيم».
الصحيفة ذاتها عادت في اليوم الموالي لنشر القصة لتبشر قراءها بأن مظاهرات السبت التي خرج فيها بضعة الاف لا غير مرت بسلام، لكنها لم تخبرهم ابدا عن الوجهة المقبلة للمطلوبين بعد ان استنفذ التحذير من الاندساس وسط المتظاهرين اغراضه، ولم يكن هناك من داع أو مبرر لمواصلته والاستمرار فيه. من الضحايا المقبلين والغرباء الجدد الذين ستلتف فوق رقابهم بعد ذلك كل سوءات البلد ونكباته وانحرافاته الابدية؟ خلف ضباب السياسة، يتوارى الكثيرون بانتظار ان تزج الاقدار ببعضهم يوما في رواية تحولهم ملائكة أو شياطين، حسب الضرورة المسرحية التي يحددها صاحب السلطة والنفوذ.
المفارقة هي أن معظم التونسيين لا يقرؤون الحكايات ولا يهتمون اصلا بها، ولكنهم يتأثرون بما تقودها إليهم نهاياتها، ويميلون حتى في حال عدم تصديقها بالكامل الى عدم استبعادها نهائيا من دائرة تفكيرهم، مادامت قد ألهبت حماس اخرين على مواقع التواصل الاجتماعي بالدرجة الاولى. تلك الحكايات التي يسميها رجال الصحافة تجاوزا بالاحداث، تمر بسرعة الضوء ولا ترسخ الا لبضع دقائق في عقول الناس وحواسهم، ما يجعلهم ينسونها بسرعة ولا يجدون الوقت او الوسيلة لربط بعضها ببعض واستخلاص النتائج. ولأجل ذلك تترك مثلا صورة سياسية معروفة وهي تدخل قبل شهر فقط قصر قرطاج لتنضم الى موكب المتوجات بأرفع أوسمة الرئاسة، مكانها لصورة اخرى تظهر فيها السيدة ذاتها منذ ايام في الصفوف الاولى لمظاهرة خرجت للتنديد بمشروع قانون طرحه الرئيس الذي منحها الوسام، أمر طبيعي في بلد ديمقراطي، ولكن تركيب الصور وتتابعها سوف يدل ايضا على قدر من العبثية والانفصام، فمن يحاربون السلطة لا يستنكفون من الاكل على موائدها، معتبرين أن أخذ نعمها وعطاياها لا يتناقض في شيء مع واجب التشهير بها على شاشات التلفزيون، تطبيقا لقاعدة الفصل بين الحاجة والضمير. وفي الغالب ينظر هؤلاء الى مواقف من قبيل تلك التي أخذها الكاتب الاسباني الشهير خوان غويتسيليو، حين رفض تسلم جائزة رفيعة من العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، حتى يظل منسجما مع قناعاته ومبادئه الشخصية على انها نوع من الغباء والبلاهة الفكرية التي تقود اصحابها الى الهلاك وخسارة الفرص، لأنهم سيقولون للجمهور ولأنفسهم ألا تعارض ابدا بين اخذ الجائزة ولعن الاستبداد والتشهير به. إنها لعبة الرقص على الحبال التي يجيدها التونسيون ويتفننون فيها مثل باقي اشقائهم من المحيط الى الخليج. ولكنهم امام حالة فريدة من الحربائية التي تجعلهم مناصرين للديكتاتورية ثم بسرعة البرق مدافعين شرسين عن الحريات والحقوق، بل في طليعة من يطلقون صيحات الفزع والاستغاثة من ضياعها وفقدانها.
مشكلة هذا الصنف من المعارضين الأبديين للسلطة تتقاطع مع مشكلة الشباب المطلوبين للعدالة بتهم الارهاب في نقطة اساسية، وهي انهما يعيشان غربة عن محيطهما القريب، ويحلمان بشكل مختلف لكن بأسلوب طوباوي متشابه بعالم لا يوجد الا في الخيال.
لماذا تركز الدولة اهتمامها اذن على الصنف الثاني من الغرباء فقط وتتحاشى الصدام مع الصنف الاول، أي المعارضين الوهميين لها؟ لماذا تستنفر قوتها للتصدي لمن ينتحل الدين ويستولي عليه لتشويه واعلان الحرب المفتوحة على الجميع باسمه ولا تلتفت بالمرة الى من ينتحل المعارضة ويحتكرها ويعتبرها ملكية شخصية حصرية لا يجوز لغيره الاقتراب منها أو حتى اكتشافها؟ ما يدل عليه التاريخ المعاصر للدولة الحديثة في تونس أن النظام لم يفتح أبدا جبهتين معا في وقت واحد، وحاول على مدى ستين عاما أن يكون له في الداخل عدو قومي فقط في كل مرحلة من مراحل تطوره، حتى يشهر الحرب عليه بلا هوادة.
لقد فعل ذلك مع اليوسفيين واليساريين والقوميين والنقابيين والاسلاميين، ثم الان مع من يصفهم بالتكفيريين، ولكنه حاربهم وهاجمهم على انفراد وفي مراحل مختلفة من التاريخ.
إنه شكل من اشكال المناورة التي كان يجيدها الاستبداد حين حاول ونجح جزئيا في كسر شوكة المعارضين، باستمالة قسم منهم بالوعود والعطايا، بل جعلهم حطبا ووقودا في الحرب على باقي المعارضين الذي كانوا يقدمون كإرهابيين واشرار يستهدفون القضاء على الدولة وتحطيمها بالكامل. لكن الديمقراطية التي نزلت على التونسيين بغتة لا تناور ابدا بالاسلوب القديم. فهي تسمح حتى الان للمعارضين بالسب والشتم، وتفتح اذرعها لهم ايضا للتقلب في شيء من منافع وعطايا السلطة. ربما اقتضى المشهد المخملي ذلك التنازل القاسي وربما فضل المتسلطون بعد تغيير ثياب الماضي واستبدالها ببدلة الانتقال نحو الديمقراطية ألا يكتموا الانفاس نهائيا وبشكل مطلق وفج، مثلما ظل الحال طوال الستين عاما الماضية. لكن قطعا لن يهمهم بعد ذلك ان هؤلاء المعارضين هم قطب الرحى لديمقراطية عرجاء ومشوهة قد تقود الناس للكفر بها والنفور منها وترك الساحة وحتى البلد بلا رجعة.
إن النظام يؤمن ان له عدوا واحدا فقط هم الغرباء المندفعون وراء يوتوبيا لا تعني شيئا للشباب المدفوع نحوها غير جنة الاخرة ونعيم الدنيا. أما الغرباء المندفعون وراء وهم دولة على شكل مكعبات السكر لا اختلاف ولا تعدد للاراء فيها، فهم لا يشغلونها بالقدر نفسه، ربما لانهم لا يحملون السلاح وليست لهم قنابل ولا أحزمة ناسفة ولا متفجرات.
ولاجل ذلك فلن تظهر صورهم وهوياتهم على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في فيسبوك، ولن تطلب السلطات من أحد أن يدلها على مكان وجودهم أو تنقلهم. انها تعرفهم وهم بالتـأكيد يعرفونها وحين الفراغ من مسرحية الحاكم والمعارض يلتقي الطرفان على الموائد ذاتها في قصور الرئاسة أو في السفارات الاجنبية أو في الفنادق، وتختفي لغة التهديد والوعيد وشعارات الامبريالية والرأسمالية المتوحشة، لينصرف الكل بانضباط تام إلى السهرات الطويلة التي تنسيهم لوقت صخب السياسة. لقد فعل الخبز فعله في الغرباء ولم يعد باستطاعتهم أن يقبلوا التنازل عنه قيد انملة، أما الحرية فهي آخر شيء يهتمون به، رغم صخب كلامهم وشعاراتهم التي لن تنتهي أو تتوقف إلا متى رحلوا من هذه الارض.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية