«عليك بسوريا فهي ممتازة، وبلد ممتلئ بالمشاكل والأقليات والإثنيات. وكل سكانه من دون استثناء، يرغبون في الوصول إلى سدة الحكم في دمشق، لكن عليك التريث قليلا». (من كلمات ديفيد بن غوريون إلى موشي شاريت). يوثق الباحث سامي مروان مبيض في كتابه «غرب كنيس دمشق ـ محاولات صهيونية لاختراق المجتمع السوري 1914- 1954»، دار رياض الريّس، بيروت 2018. لمحاولات الحركة الصهيونية، ومن ثم قادة إسرائيل، التغلغل في المجتمع السوري انطلاقا من الحيّ اليهودي في دمشق القديمة، من خلال اجتماع سريّ بين موشي شاريت، قبل استقالته من الحكومة الإسرائيلية، وسَلَفه الأب المؤسس للدولة العبرية ديفيد بن غوريون.
البدايات
حاولت إسرائيل جاهدة، وكذلك فعلت الوكالة اليهودية قبلها، والحركة الصهيونية مجتمعة، أن تخترق المجتمع السوري، لتدميره من الداخل، وبثّ الفوضى والخراب بين أركانه، وأُولى تلك المحاولات كانت في مصر عام 1913 مع الوجيه الدمشقي حقي العظم، وآخرها مع أعضاء لجنة الهدنة التي شُكلت في عهد حسني الزعيم، واستمرت طوال فترة حكم الرئيس أديب الشيشكلي. وكانت الوكالة اليهودية بين الأعوام 1919 و1949، أجرت عدة لقاءات مع شخصيات وطنية، مثل صاحب جريدة «القبس» محمد كرد علي والزعيمين فخري وعبد الرحمن الشهبندر، وكل من الرؤساء رضا الركابي ولطفي الحفار وشكري القوتلي. وكذلك حاورت أبناء الجيل المؤسس من الضباط السوريين، أمثال حسني الزعيم، فوزي سلو، أديب الشيشكلي، محمد ناصر، عفيف البزرة، أكرم الديري، غسان جديد، وجميعهم من نجوم عهد الانقلابات وفرسانه. وقد توزعت أمكنة اللقاءات بين القاهرة وجنيف وصفد، وصولا إلى فندق بلودان الكبير، وإلى مدينة دمشق نفسها التي زارها كل من موشي شاريت وحاييم وايزمان، وهما أشهر الآباء المؤسسين للدولة العبرية. وكان ثمن المقاطعة لتك الحوارات من الشخصيات الوطنية، إجبارهم على الاستقالة، كما حصل مع أعضاء الكتلة الوطنية عام 1939، وكذلك الإطاحة بالرئيس شكري القوتلي عبر انقلاب عسكري، حمل بصمات الولايات المتحدة وإسرائيل.
تحطيمُ الطّوق
عملت إسرائيل جاهدة على تحطيم الطوق العربي لفلسطين، من خلال تمزيق عرى الحركة الوطنية السورية من الداخل، واللعب على التناقضات بين زعمائها. ونجحت في إسقاط الحكم الوطني مرتين، باستقالة هاشم الأتاسي عام 1939، ثم خلع القوتلي 1949، وسعت أيضا إلى تفريغ مدينة دمشق من مكونها اليهودي، ونجحت في إخراج آلاف اليهود السوريين من بيوتهم، باستثناء سبعين شخصا فقط، ما زالوا في حارات دمشق القديمة حتى يومنا هذا. وكانت إسرائيل أفرجت عن 150 ألف وثيقة من الأرشيف الإسرائيلي الذي يغطي دور الوكالة اليهودية وقادة إسرائيل في فلسطين والدول العربية.
غرباءُ دمشقَ
وصل وفد مصغّر من الوكالة اليهودية إلى العاصمة السورية في ديسمبر/كانون الأول عام 1918، بعد إجلاء آخر عسكري عثماني عن مدينة دمشق وتحريرها بالكامل من الحكم التركي، الذي دام أَربعة قرون، ومن أعضاء الوفد، يعقوب موصيري، أحد أبرز يهود مِصر في حينها، وداوود يلين، نائب رئيس بلدية القدس، بأمر من حاييم وايزمان عالِم الكيمياء الشهير، الذي أصبح بعد ثلاثة عقودٍ أول رئيس لدولة إسرائيل. وكانت الوكالة الصهيونية قد دخلت مدينة دمشق، بمعرفة الأمير فيصل وموافقته، من أجل تأمين حاجات اليهود الدمِّشقيين حيث قدمت مبلغ 600 جنيه مصري، حيث وجد وفد الحركة الصهيونية أنّ يهوديات دمشقيات، عددهن لا يُستهان به، كُنَّ، بسبب غياب رجالهن، يعملن خارج المنازل لتأمين لقمة العيش، إمّا في المصانع والورشات، وإمّا في النوادي الليلية وبيوت البغاء داخل الحيّ اليهودي نفسه، حيث كان لليهود مدارسهم الرسمية ــ أشهرها مدرسة الأليانس الفرنسية ــ الواقعة على مفرق الشاغور في حارة اليهود. ولهم مصارف خاصة وهم المولعون بالتجارة والمال، مثل بنك رخا خلف قلعة دمشق، وكان هذا المجتمع، في الماضي القريب، لشدّة ثرائه، يملك أجمل قصور دمشق وأبهاها، ويرشي كبار ضباط الدولة العثمانية وموظفيها، بسكِّ نقودِ ذهبيةٍ مخصصةٍ لهم كُتب عليها عبارة «ما شاء الله كان».
الأبوابُ الجديدة
عَمِلَ الصحّافي اليهودي سامي هوشبيرغ، بتكليف من فيكتور جاكوبسون، مندوب الوكالة اليهودية في إسطنبول، على عقد لقاءات مع شخصيات عربية، من أجل إحداث كوة في جدار الرفض العربي للموافقة على المشروع الصهيوني في فلسطين، وكان على جدول أعمال هوشبيرغ مقابلة القانوني اللبناني والشاعر إسكندر عمون، ورئيس بلدية بيروت أحمد مختار بيهم، والكاتب والأديب رفيق العظم، والسياسي المرموق حقي العظم، الذي أصبح حاكما لدولة دمشق أيام الانتداب الفرنسي، ثم رئيسا لوزراء سورية، ورَشّح لرئاسة الجمهورية عام 1932. وقد أصرّ هوشبيرغ على من التقاهم ومن حقي بك، دَعم قيام وطن قومي لليهود في فلسطين، بمقابل أن تقدم الوكالة دعمها المالي والسياسي إلى العرب في كلٍ من فلسطين وسورية والعراق، وأشار اليهود إلى أنّهم يملكون جميع مفاتيح صُنّاع القرار في أوروبا. وبعد يأس هوشبيرغ أبرق إلى رؤسائه متحدثا عن مفاوضاته ومشاهداته في القاهرة وباريس، فجاء الجواب: «العالم العربي لا يُختصر في حقي العظم، فهو رجل عنيدٌ ومقتدر ماليا، ولا يمكن استمالته بسهولة، عليك أن تفتح بابا جديدا، ولكن مع شخصيات مختلفة، ومن الأفضل أن تكون مقيمة داخل دمشق».
على ضِفَاف بردى
استمرت الوكالة اليهودية بمحاولات حثيثة للتسويق لمشروعها الاستيطاني في فلسطين، من خلال لقاء شخصيات جديدة لدعم الفكرة الصهيونية، حيث زار دمشق في ربيع 1914، الكاتب والمترجم اليهودي نعوم سوكولوف، الذي أصبح لاحقا أمينا عاما للمؤتمر الصهيوني العالمي، حَصل على مقابلة عبد الرحمن الشهبندر، عضو الهيئة التدريسية في كلية الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان الاعتقاد بِأَنّ الشهبندر أكثر تأثيرا من حقي العظم، كونه مقيما في دمشق لا القاهرة، وأكثر ليونة بسبب انفتاحه على الغرب واحتكاكه اليومي بالأجانب والمبشّرين، ولاسيما الراهب دانيال بلس، مؤسس الجامعة الأمريكية في بيروت. عُقد الاجتماع في 5 أبريل/نيسان 1914 بين الوجهاء السوريين ونعوم سوكولوف، في بهو فندق فيكتوريا الكبير القريب من ساحة المرجة. بدأ الشهبندر، وكان خطيبا مفوَّها، فطالب بأن يتنازل اليهود الأوروبيون الصهاينة عن جنسياتهم الأجنبية كي يجري التعامل معهم كمواطنين مَشرقيين، لا كوكلاء لدول غربية. ولم تتوقف محاولات قادة الحركة الصهيونية عن إحداث اختراق في مواقف السياسيين العرب آنذاك، حيث اجتمع وفد صهيوني، بعضوية يعقوب الموصيري وداوود يلين، بعد استلام الأمير فيصل زمام الأمور، مع الفريق رضا الركابي، حاكم سورية العسكري، الذي عُين أول رئيس للوزراء في عهد الاستقلال، عُقد هذا الاجتماع في السّرايا الكبيرة في ساحة المرجة على ضفاف نهر بردى، كان هذا الاجتماع الثالث للحركة الصهيونية مع وجهاء دمشق، والأول مع مسؤول عسكري سوري.
الإنجاز العظيم
اتجهت الوكالة اليهودية إلى محاولة الفصل بين يهود الشام والخارج، عبر الضابط اليهودي (السابق) في الجيش العثماني، غليوم هيكر، الذي عرض على اللجنة اليهودية مشروعا تنمويا بعنوان «إعادة بناء مدينة دمشق» يهدف إلى تطوير العاصمة السورية بمال صهيوني قبل إفراغها من مكّونها اليهودي، حيث اقترح هيكر على حاييم شراء منازل وعقارات من الحكومة السورية والأهالي، في حارة اليهود وحيّ العمارة وباب توما وباب شرقي، ودفع معونات شهرية إلى فقراء الحيّ، وبناء منازل حديثة على الطراز الأوروبي داخل مناطق العفيف والصالحية والبرامكة، وإنشاء كنيس يهودي جديد في حيّ اليهود، مع ترميم الكنيس القديم. وربط الحيّ اليهودي بتراموي دمشق، الذي أطلقه العثمانيون عبر شركة بلجيكية في عام 1907.
ومن بين الشخصيات اليهودية الداعمة لهذا التوجه، نعيم عدس، أحد المديرين السابقين لمحطة الحجاز، ويعقوب موشلي، أحد مراقبي المحطة، والمحامي يوسف العبادي، وهو قاضٍ في المحاكم التجارية، وأحد أعضاء مجلس الطائفة في دمشق. ولم تقف نشاطات الوكالة اليهودية عند المال لاستمالة يهود دمشق والوطنيين السوريين، حيث اتجهت إلى الإعلام عبر إنشاء صحف يهودية في دمشق ناطقة بالعربية، يمولها ويشرف عليها يهود أمثال، إبراهيم طوطح، والصحّافي الشاب إلياس ساسون، وكانت جريدة «الشرق» و«الحياة» ممولتين من الوكالة اليهودية، ولا علاقة لها طبعا بالجريدة اللبنانية الشهيرة التي حملت الاسم نفسه، وأسسها كامل مروة في بيروت عام 1946، وعبر لجنة كينغ كراين التي التقت باليهود في دمشق، تمّ تحقيق نصر كبير، بالنسبة للوكالة اليهودية بعد عملٍ جاد ومُكْلف، في اختراق المجتمع الدمشقي خلال مدةٍ قياسية لا تتجاوز تسعة أشهر، حيث استصدرت موقفا سياسيا من بعض يهود دمشق داعما للحركة الصهيونية للحركة الصهيونية وأهدافها.
الخطوطُ الموازيةُ
حاولت الوكالة اليهودية فتح خطٍ مواز من خلال عقد لقاءات مع زعماء عرب، أمثال، الأمير فيصل بن الحسين، الذي التقى وايزمان في العاصمة البريطانية متوجا باتفاق (فيصل- وايزمان، في 3 ديسمبر/كانون الثاني 1919)، والاجتماع السرّي في مبنى وزارة المستعمرات البريطانية، في لندن يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1921، حَضره من الجانب العربي موسى كاظم الحسيني، عمدة مدينة القدس والسياسي اللبناني الشاب رياض الصلح، نجل وزير داخلية الملك فيصل الأسبق رضا الصلح، ومن الجانب الصهيوني الرئيس حاييم وايزمان والمصرفي الكبير جيمس روتشيلد، أحد أباطرة المال في العالم، وأحد أبرز داعمي المشروع الصهيوني، ومعهما الصحّافي الصهيوني إيتامار بن زفي. استمرت اللقاءات بين وايزمان والقادة العرب خلال أبريل/نيسان ومارس/آذار 1922، حيث اجتمع بالشيخ رشيد رضا، صاحب جريدة «المنار» والرئيس الأسبق للمؤتمر السوري الأول، والشيخ كامل القصاب، أحد أعلام دمشق، ويعتبر اللقاء مع الأمير عبد الله بن الحسين الذي عينه الإنكليز حاكما على شرق الأردن مثمرا، لأنه كان مستعدا لإبرام اتفاق شامل مع اليهود لتلبية طموحه غير المحدود، حيث يعتبر الأمير عبد الله أكثر أشقائه حِنكة ودهاء، سمع عبد الله المندوب البريطاني في فلسطين السير آرثر واشوب، يصفه عند استقبال موشي شاريت في مكتبه، بالقول إنه، أي عبد الله «من القلائل بين العرب الموالين لبريطانيا»، فردّ شاريت: «إنه ليس عدونا، ومن مصلحتنا أن يكون قويا».
بن غوريون وزعيم حلب
أمّا ديفيد بن غوريون فكانت له صولات وجولات مع العرب أمثال، شكيب أرسلان والزعيم السوري إحسان الجابري، أحد أعيان حلب، حيث التقاهم في سويسرا في 23 سبتمبر/أيلول 1934، ولكن من أغرب ما أراده اليهود في دمشق عند لقائهم رئيس الوزراء عبد الرحمن خليفاوي: «نريد أن ننتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي»، ذُهل الخليفاوي لهذا الطلب الغريب وغير المتوقع، فسألهم عن الأسباب، فأجاب أحدهم: «ولمَ لا؟ ألسنا مواطنين سوريين؟ هل هناك مانع قانوني أو دستوري من انتسابنا للحزب الحاكم؟» ردَّ الخليفاوي بالنفي وبأنه يطلب مهلة للتشاور مع الرئيس حافظ الأسد، وجاء الجواب طبعا بالرفض القاطع.
٭ صحّافي وكاتب سوري
عبد الرحمن مظهر الهلوش