عمان ـ «القدس العربي»: إعلان العاهل الأردني عن «غضبه» الشخصي والرسمي بسبب الإجراءات الإسرائيلية التصعيدية في المسجد الأقصى لا يمكنه ان ينحصر في مستوى التعبير عن الإنفعال فقط بقدر ما هو رسالة سياسية مباشرة تم إبلاغها خلال اليومين الماضيين لنخبة واسعة من سفراء الدول الغربية في عمان.
الخارجية الأردنية وبتوجيهات مباشرة تفاعلت مع سفراء عواصم القرار الدولي وتحركت بإتجاه توجيه رسائل متعددة الأغراض قوامها الأساسي تحذير إسرائيل من أي محاولة لإستغلال الظروف السائدة في المنطقة والإقليم لإنعاش طموحات المتشددين من الإسرائيليين في خطوات أحادية يمكن ان تؤدي لتغيير وقائع على الأرض سواء في القدس أو محيط المسجد الأقصى.
الخطوة «عدائية جدا» والأردن لن يسكت عليها وفيها بالتأكيد تكريس متجدد لذهنية القلعة عند الحكومة اليمينية الإسرائيلية التي يقودها المتشددون المتطرفون وفقا لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأعيان الأردني سمير الرفاعي.
الرفاعي كان قد أطلق تصريحا لافتا الأسبوع الماضي قال فيه ان خطوات إسرائيل الأحادية سواء عندما يتعلق الأمر بتغطية الإعتداءات على المسجد الأقصى أو حتى بناء جدار على الحدود مع الأردن، عبثية جدا ولن تؤدي لا للسلام ولا للإستقرار ولن توفر الحماية الأمنية للإسرائيليين.
على العبث الإسرائيلي في رأي الرفاعي ان يتوقف وعلى الدول العربية والإسلامية ان تقف صفا واحدا في إطار الدفاع عن القدس.
ملك الأردن أقرن رسالته الغاضبة بالتلويح بإجراءات أردنية ردا في حال إصرار حكومة نتنياهو على تغطية الإعتداءات التي تجري على أبناء القدس والمرابطين في المسجد الأقصى.
وجهة نظر السياسي الأردني المخضرم طاهر المصري كما سمعتها «القدس العربي» متيقنة أن الإسرائيلي يسعى فعلا هذه الأيام لإستغلال التعقيدات الإقليمية وبيئة الفوضى التي غرقت فيها المنطقة لخلق وقائع على الأرض في ملفي القدس والمسجد الأقصى.
لا يوجد الكثير مما يمكن فعله، في رأي المصري، لكن في غرفة العمليات الأردنية الدبلوماسية التي تتابع الإنتهاكات الإسرائيلية من باب أنها تعتدي عمليا على «الوصاية الأردنية الهاشمية» تم تنسيق مواقف محددة لإبلاغها للإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي والإتحاد الأوروبي.
الهجمة الأردنية المنسقة والمقررة دبلوماسيا حاليا ترتكز على ثلاثة مبادئ أساسية قوامها أن إصرار إسرائيل على الإعتداءات وحماية المعتدين من المستوطنين على حرمة المسجد الأقصى يمس بصورة مباشرة بنصوص إتفاقية وادي عربة التي تضمن عمليا دورا «إداريا» للأردن على مقدسات القدس.
المبدأ الثاني يتمثل في تركيز الخطاب الأردني على ان إسرائيل تستغل إنشغال المنطقة والعالم في محاربة الإرهاب وتتخذ إجراءات ضد المسجد الأقصى بطريقة تخدم المجموعات الإرهابية في المنطقة وتقلص من هوامش المناورة أمام التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب وعلى أساس ان العنف الإسرائيلي ومحاولات المساس حصريا بالمسجد الأقصى المقدس عند المسلمين سيحرض الشارع العربي والمسلم وسيعرقل خطط مكافحة الإرهاب وسينتج المزيد من الذرائع أمام الإرهابيين والمتطرفين في العراق وسوريا والجزيرة العربية ومصر وغزة.
المبدأ الثالث الذي تركز عليه المؤسسة السياسية والدبلوماسية الأردنية يتمثل في التركيز على ان عدم وقف الإعتداءات على المسجد الأقصى لا يمس فقط بإتفاقية وادي عربة إنما أيضا بوثيقة الوصاية التي وقعتها السلطة الفلسطينية لصالح العاهل الأردني والعائلة الهاشمية.
محصلة الموقف الرسمي الأردني وفقا حتى لتلميحات العاهل الملك عبدالله الثاني أن عمان لا تستطيع وفي كل الأحوال الإحتفاظ بعلاقات سياسية أو دبلوماسية مع إسرائيل في حال الإصرار على الإعتداءات وإحراج الأردن بملف المسجد الأقصى خصوصا وان الوصاية هاشمية والإدارة أردنية ليس فقط بحكم الواقع الموضوعي ولكن بحكم الوثائق الدولية المودعة وعلى رأسها إتفاقية وادي عربة.
معنى الكلام الباطني ان الأردن قد يميل إلى إجراءات محددة يمكنه متابعتها في حال إصرار تل أبيب على المشهد الحالي في المسجد الأقصى ومن بينها مطالبة السفيرة الإسرائيلية المعينة للتو بالمغادرة وإستدعاء السفير الأردني في تل أبيب واللجوء مجددا للمحاكم والهيئات الدولية وكما حصل تماما في ملف الجدار العازل.
إمكانات الأردن الرسمي محصورة ومحشورة بمثل هذه الخطوات في أقصى حالاتها في ظل الوضع العربي المتردي وإنشغال مؤسسات النظام الرسمي العرب بالإنقسامات والخلافات.
لكن عمان تحتفظ في هذه التصعيدات وفي الجانب القانوني من شكاوى محتملة على إسرائيل إلى لحظة مناسبة ومواتية مع رسالة للمجتمع الدولي تقول ضمنيا «إعذرونا إذا أصرت إسرائيل على ما يحصل ..لا نستطيع الحفاظ على علاقات دبلوماسية فعالة».
لذلك طالب العاهل الأردني إسرائيل بالقيام بواجبها كدولة إحتلال في تأمين الحماية للمسجد الأقصى محذرا من التمادي ومشيرا إلى إن الأردن لن يقبل ولن يسكت وسيواصل القيام بواجبه في حماية مقدسات فلسطين والمسجد الأقصى.
الإجراءات الأردنية لها حدود ومساحات بطبيعة الحال ولا يمكن الرهان عليها بدون غطاء من الدول العربية الكبرى في وقف أو تعطيل الإجراءات الإسرائيلية والمصري يصر على ان إسرائيل تخطط جيدا لما تفعله وستفعله وعيونها على خطوات أحادية متسلسلة تنتهي بتسوية القضية الفلسطينية ووقف عملية السلام وتنتهي بتأسيس الدولة اليهودية خصوصا مع تنامي تطرف بعض المجموعات الدينية المتأسلمة في السياق الإقليمي.
بسام البدارين