غريغوار حدّاد: قطعة من تاريخ لبنان

حجم الخط
0

منهم من يراكم، باستعجال، سنوات الخدمة في وظيفة ما ليسرع إلى التقاعد، ويسرع التقاعد إليه، ومنهم من لا يتقاعد مما يحسب أنه تكليفه إلا أن يقع على الموت أو يقع الموت عليه. غريغوار حدّاد، الكاهن المتمرد فضلًا عن صفاته الأخرى، من هؤلاء، وعندي أنَّه لم يعمّر إلى الواحدة والتسعين، رغم ما ألمّ به خلال السنوات الأخيرة من منغّصات صحيّة، لجشع في الحياة وإنما من شعور بالذنب أنه لم يؤدّ بعدُ كلّ قسطه بحق تكليفه الذي ولد من أجله في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر 1924. ولكن أيّ تكليف هذا الذي يمكّن المرء أن يُعَمّر كل هذه السنوات، وأن ينذر نفسه خلالها للسماء والأرض معًا، وأن تكون مملكته من هذا العالم وفي مكان آخر، وأن يكتب الكتب والمقالات، وأن يؤسس الجمعيات ويطلق المبادرات، وأن وأن… ــ أي تكليف هذا الذي يكون من صاحبه كلّ هذا ولا ينقضي؟
لا أزعم أنني أملك الجواب الفصل عن هذا السؤال، ولكن ما أتيح لي من معرفة شخصية وثيقة بغريغوار حداد طوال السنوات الأخيرة من حياته يزيّن لي أن أنسبه، فضلًا عن تفاصيل ولادته سنة 1924 لعائلة «مختلطة» حيث كانت والدته كاثوليكية على المذهب الملكي (روم كاثوليك)، ووالده إنجيليًا، إلى اثنين آخرين لا يقلان حاكمية على سيرته وعلى تطور مسيرته العامة: قلق يكاد أن يكون فطريًا، يعبّر عن نفسه في مواضِعَ بالعناد، وفي مواضع أخرى بالرغبة في التوحّد والنأي بالنفس، وفي مواضع ثالثة بتفاؤل مدهش في إفراطه، وولادة وترعرع في بلد أقلَّ ما يقال فيه إنَّه شاقٌّ صعب يلهو بأن يوقع أبناءه/بناته في التجارب وفي التغرير بهم كما الشيطان الرجيم.
رغم الكثير الذي كُتب عن غريغوار حدّاد، ورغم ما أتيح للرجل من منابر ومن إطلالات تحدّث فيها عن نفسه وعن مسيرته وعن أفكاره، يبقى التحاقه بكنيسة أمه، كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، دون كنيسة أبيه، الكنيسة الإنجيلية، من الأمور الغامضة في سيرته. تريد الرواية الأشيع أنّ ترعرعه في مدارس كاثوليكيّة قد أثّر على خياره اللاهوتي غير أن هذه الرواية تبقى رواية واستطرادًا ناقصة. والحقيقة أنّ التوقف عند محل الرجل بين هاتين الكنيستين ليس عبثًا بسيرته أو تطفلًا على شأن خاص. فدين غريغوار حداد، على الضد تمامًا مما أرد أن يكون عليه محل الدين في المجتمع العَلماني الذي حلم به وبشّر به وناضل، ودعا إلى النضال في سبيله، هو شأن عامٌّ بامتياز أدلى فيه القاصي والداني بدلائهم («الفارغة»غالبًا كما كان يحلو له أن يتهكّم أمامي ونتبسّم أو نضحك ونسترسل في الدعابة وهو من أربابها) وتعرّض الرجل من جرائه للإيذاء المعنوي والجسدي. وبما أنه كذلك، شأن عامٌّ لا أرى من غضاضة أن أشهد شهادتي فيه مستندة إلى ما جمع بيني وبين المطران من صداقة قضينا خلالها الساعات الطوال في أحاديث وقراءات شتى: غريغوار حداد لم يكن كاثوليكيًا ولا كان إنجيليًا. غريغوار حداد كان «مسيحيًا»، وليس قولي هذا بمحاولة للتعمية على المطلوب أو المصادرة عليه. ببساطة، كان غريغوار حداد مسيحيًا على معنى الهوس بشخصية يسوع المسيح (مسيح : فإنّكم إن أحببتم من يحبّكم فأيُّ أجر لكم ؛ يسوع: فإنّكم لا تستطيعون أن تكونوا عبيدًا لله وللمال) في كل صفات القوة والضعف التي يوصف بها. بهذا المعنى، لا أظن بأنه كان ليجد له مكانًا في أي كنيسة، وبهذا المعنى، كذلك، أفهم ألا يكون قد أسهب في بيان مكانه بين كنيسة أبيه وكنيسة أمه. بالطبع، لا أزعم أن ما سلف يخرج عن إطار الانطباعات، وإذ هو كذلك فلأن العلاقة بغريغوار حداد، سواء على المستوى الشخصي، أو على المستوى العام، قلّما تخلو من الاستناد إلى الانطباع، وأكاد أذهب إلى أن الإبقاء على قدر من الضبابيّة حول المعظم من خياراته بما فيها تلك التي تبدو الأكثر قطعية.
في عام 2006 كُسرت من المطران حداد عظمة الورك فرفض رفضًا قاطعًا الخضوع للعلاج الذي كان من شأنه أن يعيد إليه بعضًا من حركته. بسبب من هذا التعنت، ولأن دير الربوة، مكان إقامته أيامذاك، لم يكن مجهزًّا للاستمرار في استقباله على الحال التي آل إليها، اضطر للانتقال إلى دار للمسنين في ضاحية من ضواحي بيروت الشرقية أقام فيها إلى أن وافته المنية عام 2015. في هذه الدار التي تحيط بها حديقة غنّاء بكل ما للكلمة من معنى مضى المطران في حياته «العمليّة» متابعًا ما يجدّ من تطورات ومستقبلًا حواريّيه مستمعًا إلى شؤونهم وشجونهم الخاصة والعامة، ناصحًا لهم وحادبًا عليهم كأن شيئًا من أمر صحته لم يتغيّر.
لعلّ هذه السنوات الأخيرة من عمر المطران أن تكون إلى حد بعيد صورة طبق الأصل عن مزاج الرجل. فهل العناد، على نحو ما كان منه إذ رفض العلاج على غير بيّنة من كم سوف يكتب له أن يعيش بعد تلك الزلة التي أقعدته، إلا فرع على مزاج القلق؟ وهل إصراره على الاضطلاع بدور «الراعي» لتلك «الرعية» الافتراضية العابرة للطوائف التي قوامها الناشطون والناشطات في إطار «الحركة الاجتماعية» التي أسهم في إطلاقها عام 2000 ـــ وهل إصراره على ذاك كأن شيئًا لم يكن لا في ما يعني «القضية» ولا في ما يعني رائدها، هو نفسه، إلا فرع آخر على ذلك المزاج؟
أصف مزاج المطران حداد بـ«القلق» على بينة من أن هذه الكلمة ليست الكلمة الأسَدَّ على أنني أتمسك بها لما تؤديه من معنى الحركة المستمرة، ومن التشكيك الدؤوب بالغاية التي تنشدها هذه الحركة في كلّ حالاتها. وهذا ما يسير بي إلى الحديث عن النسب الثاني الذي أرفع إليه الرجل وأعني به «اللبنانية».
يختلف الناس في شأن غريغوار حداد بين مادح له في عَلمانيته وتقدّميته وانفتاحه وبين عائب عليه كل هذه الصفات حد الوصول إلى التشكيك في دينه وإيمانه بشهادة الاعتداء بالإيذاء الجسدي الذي تعرّض له ذات يوم من عام 2002. على أن ما يجمع بين المادحين وبين الهجّائين هو إسقاط كلا الفريقين «البند اللبناني»، إن جازت العبارة، من شخصية الرجل ومن مسيرته المهنيّة والسياسية، وليس من عبث هذا الإسقاط؛ فلولا النظام الملّي اللبناني الذي يمنح الطوائف، كبيرها وصغيرها، استقلالًا شبه كامل في إدارة شؤونها وشؤون رعاياها، لما أمكنه، مثلًا، يوم أن تولى أبرشية بيروت، أ يبرز من خلال محاولاته «الإصلاحية» التي تناولت، في عداد ما تناولت، أوقاف الأبرشية وهو ما أثار عليه غضب الإكليروس المحافظ. بل يمكن المرء أن يذهب إلى أبعد من ذلك وأن يفترض أنه لولا أن وجد غريغوار حداد نفسه في بلد متعدّد الطوائف واللغات والأهواء السياسية، تسعى الدولة فيه، بخلاف ما كان قائمًا في البلدان المجاورة له، أن تستجدي لنفسها مكانًا بين جموع اللاعبين الآخرين، لما انطلق في مغامرته «السياسية» بصرف النظر عما أطلق عليها من أسماء. نعم، لم يدع غريغوار حداد يومًا أنه صاحب «مشروع سياسي» بالمعنى الحزبي الفئوي للكلمة، بل حرص، على الدوام، من أواخر الخمسينيات حيث أسس «الحركة الاجتماعية» إلى عام 2000 حيث شارك في تأسيس «تيار المجتمع المدني»، أن ينأى عن «السياسة»، وأن يلحق دعوته بـ«الفضاء المجتمعي»، والحال أن التنبه لآفاق الاستثمار في المجتمعيّ، وهو، على الأرجح، تنبه موروث من انفتاح حدّاد على عدد من التجارب العالمية، هو مما يزين في رصيده، ويُبقي هذا الرصيد حسابًا جاريًا.
قد لا يحب مريدو غريغوار حداد أن يقال بأنّ الظاهرة التي جسدها هي من تعبيرات «الشهابيّة» بوصفها مزاجًا لا بوصفها عهدًا سياسيًا فقط، ولكن هذا التوارد يفرض نفسه فرضًا كما يفرض نفسه التوارد بين «محنة المطران حداد» التي كان سببها المباشر مجموعة من المقالات في مجلة «آفاق» وبين انهيار التوازن اللبناني واندلاع الحرب الأهلية.
بهذا المعنى غريغوار حدّاد قطعة من تاريخ لبنان، وبهذا المعنى يبدو لي أنّ ما عمّره ليس فيه من «أيام زائدة» على الإطلاق، بل أكاد أقول إنّ وفاته عشية عيد الميلاد من سنة 2015 كانت أكثر من وفاة رجل أدى قسطه للعلى ما أمكنه أن يؤدّيه ورحل، فموته، على النهاية من تلك السنة التي شهدت انتفاضة شبابية/مواطنيّة عابرة للطوائف أحيا اندلاعها، لدى البعض، الأمل بأن منابع التغير في لبنان لم تجفّ بعدُ قبل أن يجرف إخفاقها المعيب كلّ الآمال ـــ أقول: إن وفاته كانت أدنى إلى نعي للبنان منها بأي شيء آخر.

٭ روائيّة وناشرة لبنانية

 

غريغوار حدّاد: قطعة من تاريخ لبنان

رشا الأمير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية