غزة… الحلم والكابوس

حجم الخط
0

يوم الأربعاء من هذا الاسبوع، بعد أن هاجم سلاح الجو نفقاً آخر لحماس، استعدوا في الجيش الإسرائيلي لاحتمال إطلاق الصواريخ رداً على ذلك. هدوء بعشرة أيام في المعركة التي يسمّيها الجيش الإسرائيلي «حماة الحمى» وتسمّيها حماس «كسر الحصار»، انتهت عملياً. رائحة رماد الحريق تعبق في الجو، ولكن الطرفين لا يريدان مواجهة عسكرية، ولا يزالان يعلقان أملاً بقوة عليا تؤجلها. في الجيش الإسرائيلي يتمنون الحر الشديد الذي يبعد مجندي حماس عن جدار الحدود. وحماس، وبقدر ما يبدو هذا غريبا، تتمنى عناقا أمريكيا. الرجل الذي تتطلع اليه العيون هو مبعوث ترامب، جيسون غرينبلت، الذي يحاول هذه الايام ان يحيي واحدة أخرى من خطط الاعمار لغزة.
التفاهمات التي تحققت شفويا لوقف المظاهرات على الجدار ذابت. فشيء من المعطيات الاساس التي أدت إلى الاشتعال على الحدود لم يتغير، بل العكس. سلاح الجو يهاجم الان انفاقا لم تتسلل بعد إلى إسرائيل ومنشآت عسكرية لحماس وان كان فقط كي يذكّر قادة المنظمة ـ وسكان القطاع بشكل عام ـ بفظائع الحرب. أما حماس من جهتها، فتنفذ أعمال إرهاب على الجدار وتواصل إحراق الحقول في غلاف غزة. هذا الاسبوع بعثت بخلية تسللت عبر الجدار الحدودي وأحرقت موقع قناصة مهجوراً في الطرف الإسرائيلي.
لقد سبق لحماس أن أعلنت عن نيتها العودة إلى المظاهرات الجماهيرية على الجدار في أيام الجمعة من رمضان، وفي مقابلة مع صحيفة كويتية أشار يحيى السنوار، زعيم المنظمة في القطاع إلى الموعد الذروة: مواجهة من أربعة أيام متواصلة تبدأ في 5 حزيران/يونيو، «يوم النكبة» (حرب الايام الستة) وتستمر حتى 8 حزيران، «يوم القدس» الإيراني. قبل بضعة أيام من ذلك يجرى احتفال تبديل القيادة في الجنوب. فالقائد المنصرف اللواء ايال زمير سينقل الصولجان إلى من يحل محله، اللواء هرتسي هليفي، الذي سيقفز مباشرة إلى اللجة المتلظية.

كل شيء يبقى في العائلة

اعتراف الناطق بلسان حماس الذي كشف النقاب عن 50 من أصل 62 قتيلاً في 14 أيار/مايو ينتمون إلى «عائلة حماس»، أثار في إسرائيل دهشة بل وفرحها. فليس صدفة ان استخدم الناطق، صلاح البردويل، عبارة «عائلة حماس». فحسب محافل التقدير في إسرائيل، فإن 30 في المئة من المتظاهرين جاؤوا من داخل النواة الصلبة لمؤيدي حماس في القطاع: نشطاء الذراع العسكرية، موظف الدولة، وأبناء عائلاتهم، أناس قريبون من طاولة حكم حماس وما شابه. هذه هي العقيدة التي يفترض أن تحل محل الانفاق: المدنيون، معظمهم من رجال حماس أو مؤيديها، يسيرون إلى الجدار ويشكلون نافذة عرض للكفاح الفلسطيني أمام عيون العالم. ولكن الذراع العسكرية هي التي تنظم، تدفع وتنفذ عمليات تحت رعاية الاضطرابات.
ان المعطيات التي قدمتها حماس بالنسبة لمعدل رجال المنظمة من بين القتلى كانت أعلى قليلا من المعطيات التي كان يعرفها الجيش الإسرائيلي، وبعد أن استغلتها حماس حتى النهاية لأغراض الدعاية بدأوا يتساءلون عندها: لماذا اعترفت حماس ولماذا بالغت؟ الاجوبة كامنة في المشاعر القاسية في الشارع الغزي تجاه حماس ومن ناحيتنا هذه بشرى غير طيبة. حماس هي أول من شخص الاضطراب والانعطاف في الرأي العام في القطاع. والشارع في غزة يسأل أسئلة لاذعة: لماذا دفعنا أثمانا باهظة بهذا القدر؟ كيف يحصل أن تبعث حماس بنا إلى الجدار كي نموت، وفي أول فرصة، حتى قبل أن يتحقق أي انجاز، تركض على عقد هدنة مع إسرائيل؟ البردويل قال في واقع الامر للجمهور الفلسطيني في القطاع: «نحن (حماس) دفعنا الثمن بحياتنا، ولهذا فإن لنا الحق في أن ندرس الهدنة».
يشغل بال سكان غزة ليس فقط قصص البطولة والشهداء بل أيضاً وبشكل مهووس «القوائم»، من حصل على التصريح للخروج من غزة عبر معبر رفح ومن لا، ولماذا.
في مداولات تقويم الوضع التي أجراها رئيس الاركان في أثناء مهلة الهدوء جرى الحديث عن أن حماس تقف اليوم أمام جمهورها في ذات النقطة التي وقفت فيها عشية الجرف الصامد. في حينه بلغ الهياج الذروة في ضوء أزمة دفع الرواتب، الاغلاق الخانق والبطالة المستشرية.
واليوم أيضاً تخاف حماس من اللحظة التي يتفجر فيها الشارع في غزة عليها ويلقي بها من الحكم.
الأمر الوحيد الذي يمكنه أن يعفي حماس من مواجهة عسكرية أخرى مع إسرائيل هو خطة لإعمار القطاع بقيادة أمريكية. في آذار/مارس من هذا العام، حتى قبل الاشتعال على الحدود، استبشروا في حماس خيراً من أقوال المبعوث غرينبلت الذي قال انهم اذا هجروا العنف، فإن الولايات المتحدة ستمد لهم اليد وتحسن جودة حياة سكان القطاع.
تعلق حماس الآمال في سلسلة لقاءات عقدها غرينبلت في القاهرة وفي قطر الاسبوع الماضي مع مندوبي الدول المانحة في محاولة لإحياء خطة الاعمال الكبرى التي أعلنت عنها الولايات المتحدة في بداية السنة. في المرحلة الاولى حاول غرينبلت تجنيد القطريين كي يضخ المال إلى غزة. أما من المصريين فقد طلب ألا يعرقلوا القطريين عن الاستثمار في غزة، ويعودوا ليكونوا جهة ملطفة لتهدئة الميدان.
ما لم يرووه لحماس هو ان الهدف الاساس من زيارة غرينبلت في هذه الدول هو محاولة إعادة ربطها بـ «صفقة القرن» التي نسجها ترامب ورجاله للشرق الاوسط. وهذه الصفقة، في صيغتها الحالية، هي بالضبط السبب الذي يجعل حماس لا تتلقى المساعدة من أحد. «صفقة القرن» كما يصفها الرئيس الأمريكي، اجتازت تحولين. في كانون الثاني/يناير من هذا العام، حين اعلن ترامب عن اعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، فقد تطرق إلى تسوية في صيغتها السابقة وقال: «إسرائيل أيضاً ستضطر إلى دفع ثمن». وفي شهر اذار/مارس، عندما التقى نتنياهو ترامب مرة أخرى، تبين أن الصفقة تلقت انعطافة 180 درجة.
على مدى سنة ونصف عمل غرينبلت مع فريق من خمسة من رجال مجلس الأمن القومي على إعداد خطة التسوية للشرق الاوسط. وفي كانون الثاني/يناير وصلت الخطة إلى نضج معين وأوشكت على أن تعرض على الطرفين. وكان غرينبلت قد جلس مع أبو مازن، الذي لم يكن سعيداً بما سمع ولكنه لم يلتق بالمبعوث الأمريكي عن كل الدرج.
من رأى الخطة ادعى بأن هذه في واقع الأمر هي خليط من الأفكار التي عرضت في عهد أوباما وفي عهد كلينتون وتقوم على أساس حل الدولتين، ولكن مع طعم إسرائيل خفيف. فقد جرى الحديث هناك ضمن أمور أخرى عن دولة فلسطينية مجردة، إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، تبادل للاراضي بنسبة 1:1، وعاصمتين في شرقي القدس من دون تعريف أين بالضبط ستكون العاصمة الفلسطينية. وعندما قال ترامب ان إسرائيل ستضطر إلى أن تدفع ثمنا، قصد تنازلات أليمة.
من منع التسوية التي قادها غرينبلت هو السفير الأمريكي في إسرائيل دافيد فريدمان. فريدمان، الذي يعمل مباشرة مع ترامب ويسافر كثيراً إلى واشنطن كي يلتقيه شخصيا، نجح في إقناع الرئيس وصهره جارد كوشنير بأن لا معنى للدخول في مواجهة مع إسرائيل، وبالتأكيد ليس في الموضوع الفلسطيني، الذي على أي حال، لا يوجد احتمال للوصول فيه إلى حلول وسط من دون ضعضعة ائتلاف نتنياهو. الموضوع المركزي في الأجندة الأمريكية هو إيران، وإسرائيل هي مدماك هام في هذه المعركة. وهكذا اجتازت «صفقة القرن» في الاشهر الاخيرة تحولا.
وحسب التسريبات من واشنطن، فإن الخطة الجديدة تتضمن نقل 10 في المئة من اراضي الضفة، بما فيها الخليل، للسيادة الإسرائيلية من دون تبادل للاراضي. والعاصمة الفلسطينية ستكون قائمة على أساس إحياء في شرقي القدس لم تكن جزءاً من المدينة حتى 1967 وليس بينها تواصل إقليمي. مع تسوية كهذه يمكن لنتنياهو أن يحفظ بأمان حكومته حتى لو أدت إلى إقامة دولتين.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي زار واشنطن في بداية نيسان/أبريل سمع هناك تفاصيل الصفقة الجديدة ولم يتأثر، بل العكس أعرب حتى عن التأييد لحيوية وجود دولة إسرائيل. ولكن عندما سمع أبو مازن من بن سلمان عن التفافة حذوة الحصان الأمريكية دخل في صدمة، أخرجت منه غير قليل من التعابير الحادة ضد إسرائيل، ضد ترامب وبالاساس ضد فريدمان.
من تلك اللحظة لم يعد ممكنا أن نسمع من أبو مازن كلمة عن إعمار غزة برعاية أمريكية. من ناحيته، فلتحرق إسرائيل وغزة الواحدة بعد الأخرى. واجتماع الدول المانحة لغزة، الذي عقد في واشنطن قبل بضعة أشهر، سبق أن عقد من دون تمثيل فلسطينيين. فالأوروبيون لا يمكنهم ان يستثمروا أغورة في غزة من دون أن تمر في رام الله. والاحتمال أن ينجح غرينبلت في تحقيق مشروع إعمار غزة منخفض، بحيث ان ليس للامال التي يعلقها الغزيون بالولايات المتحدة الكثير من الاساس.
أبو مازن لا يعتزم أن يأخذ أي مسؤولية عن القطاع، ولا يبدو أنه يتجه إلى رفع العقوبات التي فرضها على غزة.
وللحقيقة، يبدو أنه لا يسير إلى أي مكان. فبعد أن أُدخل إلى المستشفى في نهاية الاسبوع الماضي كان هناك إحساس، حتى في محيطه القريب بأن هذه المرة حالته الصحية قد تهزمه. غير أن ابو مازن هو كالعنقاء. قبل خمسة أشهر كانوا أبنوه، بعد ان ادخل إلى مستشفى جون هوبكنز في بولتيمور مع ورم تبين أنه حميد. وقبل اسبوع ونصف، عشية انعقاد منظمة التعاون الإسلامي في تركيا، اجتاز عملية جراحية في الاذن الوسطى. رجاله واعون لتدهوره الجسدي والعقلي. فتقرير أخير يروي بأنه يجد صعوبة حتى في ان يحمل قلما بسبب تراخي العضلات في كفة اليد. ورغم كل هذا، فإن أحداً في السلطة الفلسطينية لا يخرج ضده.
إذا كانت ثمة اية مواساة لإسرائيل فهي تكمن في انه وفقا لكل المؤشرات، مؤسسات حكم السلطة على ما يكفي من القوة كي لا تنشأ فوضى في اليوم التالي لابو مازن. في تلك الـ 12 ساعة يوم السبت، الذي كان فيها احساس بأن حالته خطيرة، رص الرجال المحيطون به وقادة أجهزة الامن الصفوف. والشارع الفلسطيني في الضفة ايضاً لن يقبل بروح طيبة حروب الخلافة.

حماس… فرع بيروت

في هذه الاثناء نشر منسق أعمال المناطق في الحكومة اللواء كميل ابو الركن، الذي تسلم مهام منصبه منذ وقت قصير، خططه للمساعدة في إعادة بناء البنى التحتية الإنسانية في القطاع. يدور الحديث عن خطط ناضجة، وتنتظر اقرار حكومة إسرائيل. غير أن الحكومة لا تسارع إلى اقرار شيء. إسرائيل، من ناحيتها، قدمت من قبل نصيبها في الهدوء: فقد استأنفت النشاط في معبر كرم سالم وتخطط لزيادة عدد الشاحنات التي تدخل البضائع إلى القطاع.
من ناحية حماس، لا يوجد هنا أي إنجاز، إذ ان إسرائيل لم تغير سياستها الاساس في القطاع: الهدوء مقابل الهدوء. بل العكس. إسرائيل تبدو مصممة اليوم حتى اكثر على خلفية ضغوط عائلات الجنديين المفقودين. وفي ضوء التأييد الكامل الذي تتلقاه إسرائيل من الادارة الأمريكية، فإنه حتى التهديدات الأوروبية لفتح تحقيقات ضدها، لا تثير قلقاً كبيراً. والاحاديث عن الهدنة تبدو حتى منقطعة عن الواقع. ففي المداولات الداخلية أوضح رئيس الاركان بأنه غير مستعد لأن يسمع عن هدنة بصيغتها الحماسة، لان هذه ستكون فرصة لحماس لاعادة بناء قوتها.
تجد حماس صعوبة حتى في التوجه لتركيا لطلب المساعدة. فطرد السفير الإسرائيلي من أنقرة كان هدفا ذاتيا سجله حكم أردوغان. وإسرائيل طردت رداً على ذلك القنصل التركي من القدس فاشارت بذلك بأنها توشك على ان توقف «الاحتفال التركي» المزدهر تحت أنفها، والذي يتضمن نشاطا سياسيا تآمريا ضد السلطة وضد إسرائيل ومساعدة لحماس ولحراس الحرم من المرابطين والمرابطات. ويحذر رجال أمن إسرائيليون وفلسطينيون منذ سنين من النشاط التركي في القدس ومن المساعدة التي يمنحها اردوغان للحركات الإسلامية في إسرائيل. أما الان فإن هذا التواجد سيقيد أردوغان الذي يعمل على تثبيت مكانته كزعيم للعالم الإسلامي وكفيل بأن يفقد إحدى أدواته الهامة.
من ينبش في هذه الاثناء بقوة في قطاع غزة هي إيران، التي تفعل كل شيء بالمال وبوسائل القتال، كي تحافظ هناك على مستوى اللهيب. في الاشهر الاخيرة ارتفع وزن البعثة البيروتية لحماس برئاسة صالح العاروري الذي يقود العلاقات المتوثقة بين إيران وحماس غزة. ويصل رجال حماس إلى طهران في أوقات متقاربة أكثر من أي وقت مضى، في ظل استياء إسرائيل ومصر على حد سواء. هكذا بحيث أنه إذا أغلق المصريون معبر رفح، مع انهم فتحوه في رمضان، من دون إخطار مسبق، فإن أحداً لن يتفاجأ.
في مقابلة للسنوار في قناة «الميادين» اللبنانية روى بأن حماس تقيم اتصالا يوميا مع حزب الله، وان إيران تقدم المال، السلاح والخبراء لحماس ولمنظمات أخرى. بل وشدد على علاقات حماس مع قاسم سليماني، قائد جيش القدس في الحرس الثوري. هكذا بحيث أنه أينما نظرنا إلى الامر، لا توجد لحماس طريق عودة. من الخارج الاسوار السياسية مرة أخرى تنغلق عليها ومن الداخل المرجل يغلي. هذا الوعاء سيتفجر علينا.

يديعوت 25/5/2018

غزة… الحلم والكابوس
التفاهمات التي تحققت شفوياً لوقف المظاهرات على الجدار ذابت
اليكس فيشمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية