منذ حرب الخليج الأولى، شاع هذا المصطلح العسكري الذي كان وما يزال يعني تفادي الضربات العشوائية والضربات الصديقة وحفظ الأرواح والممتلكات. هذا يفترض وفق هذا المنطق العسكري، ان عملية القتل مدروسة بدقة، ولا تترك مجالا للخطأ. لنر قليلا ماذا يحدث على الأرض مباشرة بعد الضربات الجراحية والأهداف المنتقاة؟ الخراب الكلّي. لتصبح الضربات الجراحية جريمة عسكرية بكل المواصفات.
عندما تحدد الطائرات والأقمار الصناعية الهدف، لا تهم الأرواح المحيطة به. لتمت كلها، المهم هو تدمير الهدف المقصود ورفع الانخاب مساء أثناء مشاهدة الصور. كيف تم تطبيق ذلك على غزة؟ وهل حقيقة تم تفادي تدمير الأرواح والممتلكات؟ لنتأمل المشهدية أولا من السماء. الصور التي تبعثها القنوات الإسرائيلية والأوروبية والأمريكية شديدة الدقة.
نرى أولا المكان الذي يحدد داخل مربع، يحدث الانفجار داخله بعد ان تكون التعليقات المقتضبة قد سبقته: مصنع أسلحة. أنفاق تمرير السلاح وتخزينه. مسجد كان يخفي تحته راجمات الصورايخ… إلى غير ذلك من التعليقات التي تجعل من العملية بالفعل عملية جراحية. لم تمس إلا المكان المقصود وليس البشر أو الممتلكات. لنر ذلك أكثر أولا في الأرواح. أكثر من ألفي قتيل وأضعافه من الإعاقات الأبدية، التي قد تتجاوز العشرة آلاف ضحية. أية حرب تقليدية اليوم، المسماة الحرب الهمجية أو الوسخة، بما في ذلك بعض الحروب الأهلية. هناك استرخاص لأرواح الناس يصل حد الاحتقار والعنصرية. حتى عمليات تبادل الأسرى لا تخرج عن هذا المنطق.
العشرات من الأسرى الفلسطينيين مقابل جندي إسرائيلي واحد. حتى الجثث تقايض بمئات الفلسطينيين المعتقلين، فيهم النشطاء الفعليون والمواطنون العاديون الذين يتم تضخيم العدد بهم. لأن النشطاء الفعليين كثيرا ما يغتالون بعد خروجهم مباشرة بحيث يصبحون هدفا سهلا، أو يساقون ثانية إلى السجون. المهم هو إظهار ان روح الإسرائيلي ثمينة جدا، فوق الأرواح الأخرى. وهذا يؤكد على تأصل الفعل العنصري البغيض في الحركة الصهيونية.
الضربات المفترض انها جراحية، أبادت عائلات بكاملها، ويتمت الأطفال وجعلت من مدير الأونروا يبكي على الشاشات العالمية وهو يرى جثث الأطفال الممزقة.
في ماذا تهم لجان التحقيق الإسرائيلية التي تنتهي دائما إلى نفس النتائج، وان المكان المستهدف مدرسة كانت أو مسجدا، هو مكان تخزين للأسلحة وحتى لصناعتها؟ ماذا تفعل لجان الرقابة الدولية التابعة للأمم المتحدة التي ما تزال عاجزة عن التعامل مع إسرائيل كدولة معتدية يحكمها منطق الحرب والجريمة والقتل الترهيبي لإبادة أية ذرة للمقاومة؟ طبعا، للتذكير فقط، هذه الجراحة أودت بحياة العديد من الصحفيين العرب والأجانب الذين كانوا يؤدون واجبهم المهني الجليل في غزة، على الرغم من انهم يلبسون الخوذة والزي الصحفي الذي يميزهم عن غيرهم، مثلهم مثل رجالات الإسعاف وسياراتهم والذين يشكلون هدفا سهلا.
ليس لأن الحرب تقتضي وجود هذه الأخطاء، وهي ليست كذلك، ولكن لأنه خلف الأجهزة الجراحية وغرف العمليات، عساكر يفكرون بترعيب شعب أعزل وتهجيره. الضربات الجراحية مست بتقصد مسبق، الممتلكات المادية والخدماتية وكل ما يرمز للحياة. المستشفيات. ثم المصانع التي كانت تشغل آلاف العمال الذين أصبحوا بلا مأوى وبلا عمل. كل البنية التحتية في غزة، دمرت. المناطق الصناعية سويت مع الأرض مما جعل غزة مدينة منكوبة بكل معاني الكلمة.
في أي شيء يمكن ان تفيد الضربات الجراحية، تدمير مصنع أدوية أو جلود أو مواد غذائية سوى التأكيد دوما على الغطرسة الإسرائيلية التي لا قوة عربية يمكنها ان تقف في مواجهتها؟ العملية مقصودة، ومقصودة لذاتها، تدمير الحياة كلها وتحويل المكان إلى أرض يباب. لا حياة ولا نفس ولا حركة فيه. وهو ما حدث ويحدث الآن في غزة. لا أعرف حقيقة وفق أي منطق تسير الانسانية اليوم؟ يحمون الأكراد من التهديدات الداغشية، وينسون الحماية في اليمن والصومال. طبعا للنفط سلطانه وروائحه العبقة التي تحرك الانسانية الأمريكية والأوروبية.
يطالبون بحماية الشعب الأوكراني بالتدخل المباشر والمساعدات العسكرية، وينسون نفس الحقوق في سوريا والعراق. والشعب الفلسطيني في غزة يعيش الإبادة المنظمة والتدمير الكلي، ولا أحد يلتفت له وهو في حاجة ماسة إلى الحماية. الذين يموتون ليسوا حماس، ولكن شعب كامل بكل مواطنيه المدافعين عن أراضيهم وعرضهم وحقهم الأدنى في ان تكون لهم أرض. ليست الضربات الجراحية في غزة إلا حرب إبادة وجريمة موصوفة، ما عدا ذلك مسؤولية تتحملها الانسانية قاطبة. دموع مدير الأونروا الصادقة لم تكن كافية لتحريك الضمير العالمي ولا حتى سلبية أمين عام الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الانسان. كيف يمكن أقناع المؤسسات الدولية بضرورة حماية الشعب الفلسطيني؟ وإلا كيف سيكون الغد؟ في كل قنبلة تسقط يكبر العشرات، المئات وربما الملايين من الفلسطينيين المسكونين بالانتقام، بعد ان وضعوا فكرة السلام الوهمي ورائهم. وماذا يبقى أمام الفلسطيني سوى التحول إلى قنبلة موقوتة لا أحد يعلم متى تنفجر وأين وكيف؟ الجسد سلاح اليائس، ولا أحد يمكنه مراقبته والسيطرة عليه، حتى صاحبه، مهما كانت وسائل المراقبة في المعابر والمطارات والمداخل، متطورة وسقف التكنولوجية.
واسيني الأعرج