غزة بين سلاح حماس وعودة السلطة

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: تموز/يوليو 2104 في غزة سيظل في «المدونات» التاريخية الإسرائيلية أسخن الفصول ويذكر بصيف لبناني آخر عام 2006 وفي كلا المغامرتين خسرت إسرائيل عددا كبيرا من الجنود. والفرق بين غزة ولبنان أن الأولى وقفت وحدها تواجه الدمار بدون رديف عربي أو دولي. ولم تخف دروس لبنان على المحللين الإسرائيليين الذين سارعوا في انتقاد المؤسسة العسكرية على إساءة تقديرها لقدرات حماس وفشلها الإستخباراتي في كشف وفهم البنى الأرضية المحكمة التي أقامتها الحركة تحت الأرض.
في إسرائيل لا يجرؤ أحد على انتقاد الجيش فهو المؤسسة المقدسة التي ظلت إسرائيل تتبجح للعالم بطهارة سلاحه، مع أن المشاهد التي تركها الجيش في خزاعة وبيت حانون وجباليا جلبت للذاكرة صور الدمار من دريسدن الألمانية وغروزني الشيشانية وحمص السورية، كما ذكرت صور الإعدام بدم بارد لمدنيين فلسطينيين بمشاهد صبرا وشاتيلا عام 1982.
نحن الآن أمام مغامرة إسرائيلية ثالثة لتركيع غزة، ومثل المغامرات الأخرى قصفت إسرائيل بلا رحمة المدنيين ودمرت ومن ثم خرجت. لم تنه المغامرات السابقة حماس ولم تركع المقاومة ولكنها أبقت الحصار على غزة استعدادا للجولة القادمة. ومع ذلك تظل الحرب الأخيرة مختلفة إن في سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية وإن في ظروفها، فهي حرب لم يسع إليها الطرفان، لم تكن تريدها حماس لأنها أنهت ملف الخلاف مع منافستها فتح في غزة فيما وجر اليمين الإسرائيلي وهو هنا كل المجتمع الإسرائيلي تقريبا رئيس بنيامين نتيناهو لها والذي استجاب بحماس وحاول تصفية حسابه مع غزة ولكن بثمن باهظ، في أوراح الجنود، عشرة أضعاف ما خسرته في عملية الرصاص المسكوب 2008- 2009، وفي المشردين من المدن الإسرائيلية المتاخمة لغزة الذين هربوا منها خوفا من صواريخ حماس والمقاومة والذين يرفضون العودة إليها، وفي صورة إسرائيل التي خسرت العالم ولم تنجح كل مبرراتها وأساليب الدعاية الحربية التي لقنها إياها الدكتور فرانك لونتز الذي قدم نصائح للناطقين باسم الحكومة الإسرائيلية للتلاعب بالرأي العام الغربي وقلب المعادلة ضد الفلسطينيين وداعميهم في تقرير سري أعده هذا الجمهوري المؤيد لإسرائيل عام 2009 . وأمام صور الموت ودماء الأطفال بدأ النقاش الإسرائيلي أعرج ولم يقنع أحدا في العالم، حتى الولايات المتحدة التي تعتبر الساحة التقليدية للغرب تجرأ ولأول مرة يتجرأ ممثلون ومقدمو برامج على الخروج عن النص ويوجهون نقدا لإسرائيل، وأشار استطلاع لمؤسسة «غالوب» أن الشباب الأمريكيين بين سن 19-29 يرون ان حرب إسرائيل في غزة غير مبررة.
وبعد كل هذا ماذا حققت إسرائيل من الحملة؟ ليس الكثير رغم زعم الحكومة الإسرائيلية أنها دمرت 32 نفقا من شبكة الأنفاق المحكمة التي حفرتها المقاومة، وأضعفت جاهزية الحركة، مع أن هدم الأنفاق لم يكن واردا في مبررات الحملة منذ البداية حيث كان نتنياهو يبحث عن تهدئة مقابل تهدئة، أي الحفاظ على الوضع القائم. لكن أعضاء حكومته المصغرة واليمين بشكل عام اعتقدوا أن الفرصة قد لاحت لسحق حماس وبناء نظام جديد في غزة. وفي مآلات ما حدث لم تكن إسرائيل بحاجة لشن كل هذه الحرب المدمرة لو لم تشجب اتفاق المصالحة بين حماس وفتح، فعمليا أعادت الحرب الوضع للمربع الأول، لم تكسر شوكة حماس، وتصريحات نتنياهو حول دور للسلطة في غزة تعبير عن هذا إضافة للدعوات التي تتكرر في الإعلام الغربي لتقوية صف «المعتدلين» الفلسطينيين على غرار ما يستخدم في المسألة السورية. ومن هنا كررت الصحف الأمريكية والبريطانية فكرة تسليم السلاح مقابل رفع الحصار كما دعت صحيفة «فايننشال تايمز» قبل أيام وفكرة تقوية ساعد عباس في أي صيغة تخرج من القاهرة كما قالت «نيويورك تايمز». وهذا لا يمكنه حجب شعور الكثير من الإسرائيليين بأن المغامرة الأخيرة لجيشهم في غزة لم تنجح إلا بتدمير البنية التحتية المدنية الفلسطينية وخلق أزمة إنسانية على كل الأصعدة. وأضحى مواجهة هذه الكارثة الإنسانية يحتاج اليوم لجهود أممية وليس لمنظمات طوعية فقط. وفي الجانب الفلسطيني- حماس، هناك شعور بأن المقاومة انتصرت، إن بصمودها أو تكبيدها العدو الخسائر، وحفاظها على سلاحها، ويقول قادتها أنهم يملكون زمام المبادرة. كل هذا صحيح لكن ما ستحمله الأيام المقبلة سيحدد وضع حماس. فقد ذهب مفاوضوها للقاهرة وأيديهم على الزناد أي أنهم لم يتخلوا عن القتال كما قالوا. ورسالة القسام للمفاوضين في القاهرة التمسك بمطالبهم إشارة على النفوذ الذي يمارسه الجناح العسكري على السياسي في الحركة، والمسألة في النهاية لا تتعلق بأي طرف في الحركة يفرض رؤيته ولكن بطبيعة المطالب التي تريد حماس تحقيقها وأهمها رفع الحصار وفتح المعابر الجوية والبرية وتوسيع مساحة الصيد للغزيين في البحر، وإطلاق سراح معتقلي الدفعة الأخيرة قبل العملية العسكرية بمن فيهم المحررون ضمن صفقة جلعاد شاليط، وهي مطالب تخص إسرائيل ومصر والسلطة الوطنية. فإسرائيل ستحاول جاهدة عدم تلبية هذه الشروط لأن تحقيقها يعني تقديم انتصار لحماس، وستتردد مصر التي ترى في غزة امتدادا لجبهة الملاحقة والقمع الذي تقوم به ضد الإخوان المسلمين في التعامل مع حماس خاصة فيما يتعلق بأمن الحدود مع غزة ومعبر رفح الذي يعتبر شريان الحياة الذي يربط غزة مع العام الخارجي. أما السلطة الوطنية التي تعتبر بموجب اتفاق المصالحة مسؤولة عن غزة فلا تريد دور الشرطي الذي تقترحه إسرائيل.
وفي ضوء تغير المزاج العام في الشارع الفلسطيني خاصة في الضفة الغربية التي ارتفعت فيها رايات حماس وسمع صوت الهتافات والأغاني الوطنية في جادات وأزقة المدن القديمة فيها وخرجت التظاهرات فستتردد السلطة في أي موقف تتخذه يفسر على أنه مهمة نيابة عن إسرائيل.
فقد رفعت الحرب في غزة خيار المقاومة وأكدته، ومن زار الضفة الغربية أثناء الحملة يلاحظ كيف تكاتف الشعب الفلسطيني هناك مع إخوانهم في غزة، تبرعوا بالدماء وقدموا المال واستقبلت مستشفياتهم جرحى غزة، وألقى خطباء المساجد خطبا نارية كان الأمن الفلسطيني يعاقب عليها بالسجن في وقت آخر، ورفعت حماس راياتها في وقت كان محرما عليها فعل هذا، وهو ما سيعقد مهمة السلطة الوطنية التي اضطرت هي الأخرى لمواكبة المزاج العام وتبني خطاب المقاومة. ولكن السلطة تريد دورا في غزة ما بعد الحرب وهو ما ستحدده المفاوضات لاحقا، واللافت للأمر أن القادة الأمنيين المصرييين والإسرائيليين والفلسطينيين يشاركون في محادثات القاهرة. وكانت تقارير أمريكية قد تحدثت عن بحث أمريكا تشكيل قوة مراقبة دولية في غزة، لكن هذا الخيار صعب التحقق لعدم وجود الدولة المستعدة للقيام به، ومن هنا تؤكد إسرائيل على الدور المصري ودور للسلطة في غزة، للقيام بمراقبة الحدود والمعابر وما يدخل لغزة من مال ومواد تموينية ومساعدات، والتأكد من عدم استخدام الإسمنت في حفر أنفاق جديدة. وستظل أي ترتيبات لغزة رهنا بمسألة سلاح المقاومة الذي تطالب إسرائيل بتفكيكه، ولن تتخلى حماس وبالضرورة الجهاد الإسلامي عن سلاح ردع مهم لهما لأن هذا يعني استسلامهما، ومن هنا جاء رفض الفصائل للمبادرة المصرية في صيغتها الأولى. ولن تتخلى إسرائيل عن مطلبها بتفكيك ما عجزت عن تدميره من أسلحة. ويعترف قادة ومحللون أن مهمة العثور على ما تبقى من الصواريخ صعبة، وقد ترضى إسرائيل بمنع دخول أسلحة جديدة، وترك الإشراف على ما تبقى منها للمصريين والسلطة الوطنية. ولكن هذا الخيار على ما يبدو ليس في الوارد كما اقترحت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية التي قالت إن السلطة ستتولى في المعادلة الجديدة الإشراف على أموال إعادة إعمار غزة فيما سيظل الأمن بيد حماس. وفي الوقت الذي تدفع فيه مصر بقوة باتجاه تسليم معبر رفح للسلطة وبالتالي تعميد عودة عباس لغزة التي ظلت خارج سيطرته مدة 7 أعوام، فحماس تتعامل مع العودة ضمن إطار التنسيق وتوزيع المهام من أجل تخفيف المعاناة التي يعيشها القطاع والتي تظل خارج قدرة طرف واحد. وأي ترتيب لغزة يجب أن لا يتجاهل الشعبية التي حققتها الحركة، فقد أصبحت أقوى مما كانت عليه. صحيح أن الحركة اضطرت للمصالحة للخروج من مأزق العزلة لكن الحرب كشفت عن جاهزيتها للقتال وصمودها عزز من خيار المقاومة، وهذا يعني أن حماس ستظل القوة المهيمنة في القطاع. وفي هذا السياق يرى ناثان ثرول في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكِس» أن الحل يتجه نحو السماح للسلطة بالعودة والإشراف على غزة ومن خلاله ستدعي إسرائيل أنها أضعفت أعداءها في حماس، أما الأخيرة فستقول إنها حظيت بالإعتراف ورفعت الحصار «كان هذا الحل متوفرا لإسرائيل، والولايات المتحدة ومصر والسلطة الوطنية في الأسابيع والأشهر التي سبقت الحرب، وقبل تحطيم حياة الكثيرين». ولكن غطرسة إسرائيل ومن وقف إلى جانبها هذه المرة أبت إلا تحويل غزة لمقبرة للأحياء.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية