مفارقة مفاجئة تظهر أمامنا في موقف إسرائيل من غزة: من يطالب الان بالقضاء على حماس واحتلال القطاع هو عمليا معسكر السلام، فيما ان من قرر الامتناع عن ذات الخطوة هي بالذات حكومة نتنياهو بدعم المستوطنين.
يمكن أن نجد منطقا في الجنون: احتلال القطاع مطلوب لليسار من أجل تسليمه لفتح. وفقط من خلال توحيد الضفة والقطاع، كما يعتقدون، سيكون ممكنا تحقيق رؤيا الدولة الفلسطينية. بالمقابل، من يرى في الدولة الفلسطينية كارثة وطنية سيستغل حتى النهاية الانقسام في المعسكر الفلسطيني: في الضفة سيقمع حماس ويحمي نظام فتح منها، وفي غزة يكفي باضعاف حماس.
لقد تجاهلت وسائل الإعلام الانعطافة التي طرأت على السياسة الإسرائيلية في غزة. فالحصار الاقتصادي الخانق استبدل بالرقابة على ادخال البضائع: 700 شاحنة تموين تمر في اليوم وتنقل ضمن امور اخرى الاسمنت الذي يتسرب بالتأكيد إلى الانفاق ايضا، والان يتحدثون عن انبوب غاز. إذن ماذا حصل؟ فقد كانت السلطة الفلسطينية، باسناد أمريكي، هي التي طلبت ان نخنق حماس، كي تتمكن من اقامة دولة. وقد استجاب نتنياهو لذلك طالما استمر وهم المفاوضات مع رام الله. وفقط عندما تحررت إسرائيل من تلك المحادثات العقيمة والخطيرة، عادت للعمل في غزة حسب مصالحها.
يعود أصل الخلاف في إسرائيل إلى تجربة حيوانية: فقد أخرجوا من قفص حيوانات الإرهاب نمرا واحدا، يسمى فتح. شذبوا اسنانه، قصقصوا اظافره ـ وبعد أن ربطوا في اوسلو طوقا على رقبته، وضعوا امامه طاسة حليب واسموه «قط». وما أن عاد القط إلى الافتراس حتى انقسمت الاراء: اليمين رأى فيه مرة اخرى نمرا ـ منظمة إرهاب اجرامية مثل حماس، التي تكتفي مؤقتا بالتحريض ـ بينما في نظر اليسار بقي النمر قطا. ولما لم يكن هناك فارق جوهري بين فتح وحماس، فاي مصلحة هناك في واقع الامر لإسرائيل لان تبدل الحكم في غزة بين نمرين خطيرين؟
كل الاطراف في الحوار الإسرائيلي تحب أن تسمي بعضها البعض «هاذين». ولكن من هو الهاذي هنا؟ رئيس فتح ورئيس السلطة الفلسطينية، ابو مازن، نفى في كتابه الكارثة واتهم الحركة الصهيونية بالتآمر مع النازيين. السلطة تروج في مؤسساتها التعليمية ـ من الروضة وحتى الجامعة ـ لتحرير حيفا، يافا وبئر السبع، بينما ميادين المدن الفلسطينية تطلق عليها اسماء قتلة اليهود. كما تمنح السلطة الرواتب للإرهابيين وتواصل اتهام إسرائيل في أنها تسمم مصادر المياه وتقتل الاطفال. إذن كيف يمكن لليسار ان يقنع احدا ما بان السلطة لا تقصد ما تقول، ولا تصدق الاكاذيب التي تنشرها في العالم ضد إسرائيل؟ وتتويج هذه العصابة على غزة وبمساعدة الجيش الإسرائيلي، اليس هذا هذيانا؟
وهاكم مفارقة اخرى: حسب قواعد اللعب التي سمحت حكومات نتنياهو لحماس ان تمليها عليها، يحق لمنظمة الإرهاب ان تطلق عليها الصواريخ بينما نواصل نحن ضخ الماء والكهرباء لها. وما أن توقفت النار حتى فتحنا مرة اخرى مستشفياتنا لسكان غزة بل وحتى لاقرباء زعماء الإرهاب مثل اسماعيل هنية، وكله «لاعتبارات انسانية».
هنا يجب أن يطرح السؤال: هل ألم العائلات التي يواصل الإرهابيون احتجاز اعزائها، أحياء وأموات، لا تستحق ذات «الاعتبارات الانسانية»؟ تفسر حماس سخاءنا كشيء ما تستحقه بفضل الضغط الدولي. ولكن إذا كان هذا بالفعل رحمة اصبحت عبودية، بلا شكر وبلا مقابل، فقد حان الوقت للقول: قطرة ماء أو كيس قمح لن يدخل غزة قبل أن تعاد الجثث والاسرى. من يريد مراعاة انسانية، عليه أن يعرف ايضا كيف يقدمها.
يديعوت 16/7/2015
الياكيم هعتسني