غزة رهينة بيد الإرهاب

حجم الخط
0

ينبغي الحديث عن غزة. الضائقة هناك حقيقية: الماء غير صالح للشرب، أربع ساعات كهرباء في اليوم، أوبئة متعاظمة، جهاز صحي منهار وبطالة مستشرية. الفقر مدقع أيضا: عشرات آلاف المحبوسين بسبب الديون المالية، وارتفاع حاد بمعدل اليأس. منتحرون أكثر، متسللون إلى إسرائيل أكثر، من أجل نيل وجبات مجانية في السجن.
ينبغي الحديث عن غزة كي لا ينفجر هذا البرميل المتفجر في وجوهنا، وينبغي الحديث الآن عن غزة لسبب آخر: ذاكرتنا القصيرة جدا وموضة الجلد الذاتي، التي تتسلل وتعرض للخطر الخطاب عن ضائقة الغزيين بسم من انتاج ذاتي؛ بتحميل الذنب على أكتافنا.
لنعد تسع سنوات إلى الوراء، إلى أقوال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في 2009، فور حملة الجرف الصامد حين كانت على جدول الأعمال مسألة إعمار القطاع؛ العودة إلى اللحظات التي أوضح فيها بهذه الكلمات تماما: «تجاه الخارج، الصورة الظاهرة للعيان في غزة هي الأحاديث عن المصالحة وعن البناء. ولكن الصورة الخفية عن العيان هي أن معظم المال والجهد يتجهان للاستعدادات العسكرية… نحن نعمل على المقاومة».
أكثر من 3 آلاف يوم مر منذئذ، والصورة التي تظهر للعيان في غزة ـ والتي لم تتغير جوهريا ـ باتت منذ زمن بعيد «خفية عن العيان»، سلم الأولويات الاستراتيجي لحماس بقي كم كان: التضحية لاحتياجات السكان في صالح «التعاظم العسكري». تحويل وجهة صرف الأموال والمقدرات التي تحولها الأسرة الدولية في إعمار غزة لصالح مشاريع تبني الكراهية والإرهاب.
اذا كان بودكم ان تعرفوا من حق من جر 1.8 مليون من سكان غزة إلى الوحل الذي يغرقون فيه اليوم حتى الرقبة، تسير في أعقاب قنوات «أموال المساعدة» للدول المانحة. مئات ملايين الدولارات، التي في الأصل كانت مخصصة للمستشفيات، للغذاء، للأدوية، لإعمار المنازل، لخلق مصادر عمل ولبناء بنى تحتية مدنية ـ وجدت طريقها لبناء منظومات الصواريخ، الأنفاق وغيرها من شبكات البنى التحتية للإرهاب. مال طائل استثمر أيضا في تعليم رسمي لكراهية إسرائيل واليهود.
معظم الأمور تمت علنا. بعضها تم بالسرقة: مدير من منظمة المساعدة التركية «تيكا» ومسؤول من فرع «رؤيا عالمية» اتهما باختلاس ملايين الدولارات التي كانت مخصصة لأغراض إنسانية ونقلاها إلى الذراع التنفيذي لحماس. وهما ليسا الوحيدين.
ليست أيدينا هي التي سفكت هذه الدماء. فعندما يتباكى قتلة حماس يوما على مصير القطاع وسكانه ويوجهون إلينا أصبع الاتهام، وعندما يكون هناك من تغريه هذه الدعاية الكاذبة، يجب أن نذكر ونتذكر:
حماس خطت على علمها، تماما مثل النازيين إبادة اليهود بصفتهم يهودا. في مخيمات اللاجئين وفي أزقة غزة، حيث يعشعش الفقر والضائقة، تقدس حماس منذ سنين ثقافة الموت والشهادة. في الجرف الصامد جعلت الأطفال والنساء دروعا بشرية، وبعثت بهم إلى حتفهم.
واليوم، باسم الأيديولوجيا المجنونة ذاتها والتي من أجلها جرت سكان القطاع إلى مواجهات متكررة مع إسرائيل ـ فإن حماس تفضل التعاظم العسكري وتترك السكان لمصير الفقر، الأمراض والجوع.
حماس إياها التي «تحرص» الآن على سكانها، دفعت قبل بضع سنوات فقط لمقاتليها ليتمترسوا في داخل غرف الأطفال، في روضات الأطفال، في المدارس وفي منشآت وكالة الغوث. ونشرت مطلقي الصواريخ في المساجد، في مباني التعليم وقرب المنازل. وقد فعلت هذا علنا، دون خجل وأعلنت بأن هذا هو طريقها، طريق «الموت في سبيل الله»، عبر الشهادة، التي ينبغي التطلع إليها، مثلما يشرح في تلك الأيام وزير الداخلية من حماس، فتحي حماد: «الموت لدى الشعب الفلسطيني أصبح صناعة، تتميز بها النساء، ويتميز بها كل من على وجه هذه الأرض. يتميز بها الشيوخ، يتميز بها مقاتلو الجهاد ويتميز بها الأطفال: نحن نتطلع إلى الموت مثلما تتطلعون أنتم إلى الحياة».
كانت هذه كذبة في حينه، وهي كذبة اليوم أيضا. معظم سكان غزة يحبون الحياة. وهي رهينة في أيدي منظمة إرهابية، بطريقة سلوكها المعلنة دفعت بهم إلى حافة المصيبة.

اسرائيل اليوم 5/3/2018

غزة رهينة بيد الإرهاب

نداف شرغاي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية