■ «تستطيعون أن تقتلوا عشرةً من رجالي مقابل كل رجلٍ أقتله منكم، ولكن على الرغم من تلك التفاوتات فسوف تخسرون وسوف أنتصر»- هوتشي منه
هذه المرة ثمة مؤامرة بالفعل، قبل أن يذكرني أحدهم بأنني من قبل كتبت أننا «ضحايا الخداع لا المؤامرة» فلا بد أن أوضح أنني مازلت أرى أننا مخدوعون مضللون من قبل الأنظمة، إلا أنني أعتقد أن المؤامرة هذه المرة ليست خارجية تماماً بالمعنى التقليدي من قبل الغرب الاستعماري الإمبريالي الكافر الخ، وليست علينا «كأمة» فقط، إنما هي مؤامرة على شعب غزة وعلى كل من يتصور من الفلسطينيين أن هناك مخرجاً أو طريقاً غير ذلك المقرر والمؤطر بسياج أوسلو، بغرض تخليص المصالح والتأشيرات والضبط الأمني (اللفظة المهذبة للتجسس) ومنح تصاريح الطهور والدفن الخ، من قبل تلك الهيئة الإدارية الرثة المسماة بالسلطة الفلسطينية على الأض المنتهبة بالمستوطنات، والمستباحة من قبل القوات الإسرائيلية، الأمر الذي طالما ذكرني (خاصةً في وجود الجدار العازل) بالشرطة أو مسؤولي النظام اليهود في الغيتو اليهودي في وارسو، إبان الاحتلال النازي، كما صورهم سبيلبيرغ في فيلم «قائمة شيندلر». مؤامرةٌ على أحلامنا وعلى كل أمانينا وتصوراتنا بإمكانية تغييرٍ حقيقي يطال بنية مجتمعاتنا وهيكل الدولة وعملية تداول السلطة. هو تواطؤٌ من قبل الأطراف العربية المحلية التي من المفترض أن يعنيها الأمر لا أن يتسم موقفها بالحرص على عدم «التورط»، ناهيك عن عدم الاكتراث؛ فقط يكتفون بالتصريحات المتلكئة الباهتة الملولة التي لا تملك إزاءها سوى أن تتصور أن من صرح بها كان يتثاءب لدى نطقها! حتى المبادرات كانت دون مستوى الحدث والتضحيات، والأهم من ذلك المطالب التي دفع ثمنها مقدماً شهداء ودماء ودمار.
الحقيقة أنني بعد بضعة أيام من الدهشة والاستنكار الممزوجين بالاشمئزاز العميق تبين لي كم كنت ساذجاً…غرا أو غبيا، أو ما شئت، لأنني تصورت لسببٍ ما، ربما بدافعٍ من تمنياتٍ أو أوهامٍ أسقطتها على الواقع (كمن يرون في السيسي عبد الناصر جديداً) ان «القادة» العرب فوجئوا أواستاءوا من حرب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني المغتصب على غزة، بيد أن خطوةً للخلف لتأمل الموقف وتناول تفاصيله بالتحليل الممحص كفيلة بإيضاح ما لم يعد يحتمل لدى الشك:
أولاً، ثمة تواطؤ بين أطرافٍ عربية عدة واتفاق في المصلحة يصل حد التنسيق الأمني المباشر والحدودي مع اسرائيل. لا أحسبني آتي بجديد حين أكرر أن موجات التغيير الثوري أحبطت حتى الآن، ليس فقط لأنها لم تؤدِ إلى تغيير شكل المجتمع، ولم تفرز أنظمةً تعبر عنها، وإنما لأن قوى الرجعية والثورة المضادة نجحت في خلق مزاجٍ عام معاد عن طريق التدليس واختلاق الأساطير؛ ولما كانت مصر رمانة الميزان والبلد الأكثر محوريةٍ في هذه المنطقة الوفيرة الثروات والطوائف والاضطرابات، فليس من شك في أن أنظمة الخليج القائمة على فوائض النفط والبترودولار بقيادة الثلاثي السعودية ـ الإمارات – الكويت تحركت لدعم رجلٍ وتثبيت نظامٍ يتصورونه سيضبط الأوضاع ويكبح جموح الثورة والرغبة في التغيير في مصر، بغرض الحد من انتشار وتسرب تلك العدوى إلى معاقل عروشهم، بما تدره من ثرواتٍ على تلك الأسر الحاكمة، ولإيجاد توازن مع تنامي قوة ونفوذ إيران التي ترعبهم، خاصةً مع ما يبدو من محاولات أو استعداد للتقارب من قبل الولايات المتحدة تجاهها: دعموا السيسي ليمسك بأعنة مصر بقبضةٍ يحسبونها حاسمة فولاذية، كما يتوقعون من رجل مخابرات عسكرية، ومن ثم يضع حداً لذلك الصداع الثوري ويقفل ذلك الفصل المزعج والمهدد لهم من تاريخنا. من ناحيةٍ أخرى يرى البعض أن محاولات رأب الصدع وإيجاد صيغة تفاهم بين أبي مازن وقادة حماس أزعجت إسرائيل ورأت فيها تجاوزاً للمسموح. من هذه المنطلقات يتعين علينا تقييم ذلك الدور المزري المخزي للعرب، خاصةً على خلفية حمى العداوة والشحن الإعلامي للشعب المصري ضد حماس، بسبب دورها المزعوم في فتح السجون إبان ثورة 25 يناير. كل تلك الأطراف تريد تصفية المقاومة وحماس تحديداً، كظهيرٍ للإخوان المسلمين المغضوب عليهم الآن، الذين لم تعد تلك الأنظمة تتحملهم، أو يبدو لها أنها تحتاجهم… تريد أن تستيقظ يوماً لترى ذلك الصداع المسمى غزة، دليل الإدانة والتوبيخ ذاك على فشلهم وقد اختفى، وقد التقت مصالحهم مع إسرائيل، والغرض هو إيجاد وضعٍ جديدٍ على الأرض يعكس تلك المتغيرات في تركيبة انحياز اللاعبين وثقلهم النسبي، خاصةٍ مع تغير وضع محور إيران- سوريا- حزب الله وانكفائهم النسبي.
كل ذلك جميل وقد يفسر تحركات، أو بالأصح لاتحركات وتبلد الموقف العربي المتجاهل والإسرائيلي، إلا أنه أسقط شيئاً بسيطاً من الحسبان، الشعب الفلسطيني وأبناءه في غزة، تماماً كما فوجئ اليهود إبان بدايات المشروع الصهيوني بأن العروس ( فلسطين) متزوجة فعلاً.. ذلك الشعب له حساباتٌ اخرى، يريد حياةً كريمة.. ليس مجرد حياة وإنما حياة كريمة، لا كتلك التي تريدها له إسرائيل والأنظمة العربية، حيث يركض وراء كسرة خبزٍ عفنة في مقالب القمامة كالكلاب الضالة.. ومن هنا نفهم محورية وأولية حق العودة.. ذلك الشعب يفرض واقعاً جديداً مختلفاً ويكرس معادلةً أخرى: الاستعداد لتحمل خسائر أفدح وتقديم شهداء أكثر مقابل إيلام العدو وتكبيده خسائر مادية ومعنوية مبهظة تفوق مقدرته النسبية على الدفع والتحمل، على غرار مقولة هوتشي منه المبدئية المذكورة أعلاه، قرابة ثلاثين عاما قبل تحقيق الانتصار النهائي على الإمبريالية. ذلك الشعب بصموده وشهدائه أفسد «الطبخة»، فقد طالت الحرب فوق المأمول والمتصور، وعلى الرغم من تصاعد وتيرة الوحشية والإجرام الذي ربما بلغ مداه (على الأقل حتى كتابة هذه السطور) بقصف وقتل أطفالٍ في مدرسةٍ تابعة للأمم المتحدة، فإن محاولات كسر العزيمة والتقدم على الأرض خابت، وما زالت إسرائيل يسقط منها قتلى.. ذلك يؤلم إسرائيل ويدحض مزاعم نتنياهو بإمكانية عنف غير مكلف لإسرائيل؛ الأهم من ذلك أن سيل الصور والجرائم والتقارير عن الجثث الآخذة في التحلل التي تغمر العالم متزامنةً مع الحدث، وأكرر متزامنةً مع الحدث، أججت حالةً من الرعب والرفض والإدانة في دول العالم (لا أتحدث عن الانظمة العربية فهذه ماتت منذ أمدٍ بعيد ومعها قطاعات من الجمهور المغيب).. في زمنٍ مضى حين كانت وسائل الإعلام تملك سيطرةً شبه حصرية على نقل الخبر كان من الممكن التغطية أو التلكؤ في نقل أو نشر خبر حتى يتم المراد، أما الآن مع ثورة الاتصالات فقد سقط الكثير من تلك الأسيجة ولست أبالغ في أن جولة كيري ومساعيه، الأنشط بكثير من أي جهةٍ عربية، لم تأت إلا لإيقاف هذه الجريمة -الفضيحة، وعلى الأغلب لإنقاذ ماء وجه إسرائيل التي انقضت بقضها وقضيضها في حرب إبادةٍ وتطهيرٍ عرقي ولم تنجح في هدفها: كسر إرادة شعب.. أجل لقد قتلت، ولكنها لم تنجح ولم تنتصر.
غزة الصغيرة تقاوم في زمن الخزي والهوان والثورة المضادة: هذا ما قلته لنفسي، إلا أنني سرعان ما تساءلت، متى لم نعرف الخزي طيلة ستة عقود؟ يجوز أنه في زمنٍ مضى كانت النوايا أحسن وأصدق لدى البعض، وكان الخطاب الرسمي أحد وأكثر انتصاراً للمبادئ، إلا أن ذلك لم يتخط الكلام والمزايدات ولم توازه مكاسب على الأرض، وإن كنت أعترف أنه ربما.. ربما كانت الأمور أفضل قليلاً إلا أن تلك الأنظمة مهدت الطريق وأوصلتنا إلى ما نحن فيه.
يخرج علينا كل يوم «عقلاء» متحذلقون يتباكون على «الضحايا الأبرياء».. ليس هيناً علي صور الشهداء والمصابين، بل تهزني وتزلزلني وتملأني غضباً أسود، إلا أنني أسأل هؤلاء الجهابذة: ما هي البدائل؟ هل وصل أبومازن بسلطته الكسيحة إلى شيء؟ وما بال المستوطنات التي تتكاثر كالفطر منتهبةً الأراضي الفلسطينية؟ أم أنهم نسوا ياسر عرفات محاصراً مهاناً في مقره من قبل إسرائيل؟ أم تراهم يرون أن غاندي بصخلته ونوله هو المطلوب للوقوف أمام كيان عنصري لا يرى الفلسطينيين بشراً من أساسه؟ ينسون أن إسرائيل هي التي تفرض تلك الحروب بنقضها الاتفاقات واعتداءاتها.
لقد أفسدت حرب غزة هذه ترتيبات وتربيطات كل الأطراف الإقليمية والعالمية، ففرضت واقعاً جديداً.. فرضه شعبٌ بتضحياته وشهدائه وجرحاه في زمن انتكاس وخزيٍ عربي، لذا فإن أي اتفاقٍ لوقف إطلاق النار بدون ضماناتٍ دولية بفتح المعابر وفك الحصار يعد خيانةً لدم الشهداء وتفريطاً في التضحيات.
لا بد من يومٍ يعاد فيه تقييم القرن الماضي وسلوك تلك الأنظمة وغطاءاتها الأيديولوجية التي أوردتنا موارد الذل والفاقة والهزيمة.. أما الآن فمن البذاءة الجدال عن مواقف حماس ومنطلقاتها الفكرية.. الآن الدعم كل الدعم والمجد كل المجد للشهداء والمقاومة.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل