غزة لا ترفع الرايات البيضاء

لا أحد ينكر حجم الدمار، ولا ينسى أو يقلل من دماء الشهداء الذين تجاوزوا الالف، وأضعافهم من الجرحى، واضعاف أضعافهم من المشردين الذين فقدوا المأوى الآمن. لا أحد ينكر أن خسائر العدو هي أقل بكثير مما لحق بالفلسطينيين، او لا وجه حتى للمقارنة. اذا فلماذا نقول اننا انتصرنا؟
دعونا نقارن بين الفئتين اللتين التقتا.. جانب يمتلك كل مقومات تكنولوجيا الدمار والوحشية ويضرب بعرض الحائط كل الاعراف والمواثيق الدولية التي تحّرم قتل المدنيين، وطرف محاصر منذ سنين، يتمسك بأخلاقيات الحرب، فماذا كانت النتيجة؟ دعونا نستعرض بعض المواقف البيّنة، أليس من المنطق ان يتمكن هذا الجبش المدجج من أسر العشرات من المقاومين، ولكن هذا لم يحصل، بل على العكس استطاعت المقاومة ان تأسر جنديا اسرائيليا، ما الدلالة، انها علامة الاساليب القتالية المتطورة التي تتمتع بها المقاومة، الى جانب الجبن والخوف الذي يسكن نفوس جنود الغزاة، اما في جهة المقاومة فيقدمون على الموت بجسارة وشجاعة لا نظير لها، لا هربا او استهتارا بالحياة، بل لانهم مؤمنون بما يحاربون لأجله، ويدركون ان هذه الارض تستحق الحياة، ولكنها ليست حياة الذل والهوان، والا فالحياة الأخرى هي الاحق ان تعاش.
الموقف الثاني هو، ان الاسرائيليين عندهم قبة تعترض الصواريخ، وصفارات انذار، وملاجئ مصفّحة تحت الارض، ومع ذلك أليس من المضحك ان يدخل المئات منهم المستشفيات للعلاج من حالات الهلع! بينما في الجانب الفلسطيني لا يملكون شيئا من هذه الكماليات، والموت يحدّق بهم من كل صوب، في البيوت والمساجد والشوارع ومدارس الوكالة التي فتحت كمراكز ايواء، ومع ذلك يبقى الفلسطيني صامدا ومعنوياته عالية، رغم الموت والدمار، هل هذا لغز؟ الجواب بسيط ، الاسرائيلي اذا حمي الوطيس وعلا غبار المعارك حزم حقائبه  ليرحل على اول طائرة تقله الى بلاده، روسيا او بولندا او امريكا او اوكرانيا او .. لان كل الخزعبلات الصهيونية عن ارض الميعاد ستتبخر من دماغه، فلا شيء يربطه حقا بهذه الارض، فلم يولد فيها ولا اجداده، وتنكره أشجار البرتقال والتين والزيتون، ولا يعرف معنى رائحة الارض. اما الفلسطيني، فالارض عنده بمنزلة الابناء، ورائحة الارض تعني له الحياة، وهو لم يعرف غير هذه الارض، فلماذا سيرحل والى اين؟ وقد تعلم الفلسطيني من الماضي وقد هجّر مرغما في 1948 و1967 ولن يكرر المأساة مرة اخرى.
الجانب الفلسطيني يعترف بالشهداء والجرحى لأنها لا تؤثر ابدا على معنوياته التي تناطح السماء، اما الجانب الاسرائيلي فيفرض تعتيما اعلاميا حازما على خسائره. دعونا نتكلم بالمنطق، المقاومة اطلقت اكثر من الفي صاروخ منذ بدء الحملة الشرسة، واسرائيل تدّعي ان نسبة دقة اعتراض الصواريخ هي 90 بالمئة، وهي نسبة عالية جدا تتعارض مع التقارير الاعلامية التي تتحدث عن ان النسبة هي عشرين الى خمسين بالمئة على احسن تقدير، ولكن دعونا نصدق ان النسبة التي يتشدقون بها صحيحة، ذلك يعني ان مئتي صاروخ لم تعترض من القبة اياها، فهل يعقل ان كل هذه الصواريخ لم تسفر عن اصابات؟ يعقل فقط ان كان الفلسطينيون عبؤها بالحلوى مثلا، كبادرة حسن نية للجار الذي لم يقدم للفلسطينيين الا كل خير على مدار العقود الماضية! يهلّ العيد اليوم على اهلنا في غزة وهم ينزفون، ولا ادوية عندهم تكفيهم، والماء والغذاء يتوفران بصعوبة، والكهرباء والوقود اصبحتا ايضا سلعا نادرة، وقد احكم نظام العسكر في مصر الحصار عليهم في محاولة لتركيعهم لحملهم على رفع الرايات البيضاء الآن وللأبد. هذا النظام أشد غباء من اسرائيل التي قارعت الفلسطينيين مرارا وما هزمتهم ابدا 
صاروخ غزة رمضان 2014: الى اسرائيل ونظام السيسي، يحــمل رسالة في غاية البســـاطة والوضوح، شعب غزة ( وكل الفلسطينيين) لا ولم ولن يرفع ابدا الرايات البيضاء
 وكل عام وكل الصامدين بألف خير

٭ كاتب فلسطيني 

د. خليل قطاطو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية