إسماعيل عبدالهادي: بدأت المشاكل المجتمعية التي يعاني منها المواطنون في قطاع غزة تطفو على السطح نتيجة تفاقم المعاناة وغياب الحلول، فلا يكاد يخلو أي مجلس من تبادل الهموم بين المواطنين، والمركبات العمومية تعتبر شاهداً على سماع مشاكل المواطنين التي تحولت إلى فضاء للكلام والثرثرة والمحادثات الطويلة عبر الهاتف أو مع الركاب والسائق، فمن السياسة إلى المشاكل الاجتماعية حتى صارت فضاء لفضح المستور وإفشاء الأسرار. وبالرغم من أن الثرثرة داخل المركبات العمومية حالة يمارسها الكثير من الأشخاص بدافع قتل الوقت أو تفريغ الهموم التي يعيشونها واقعاً في حياتهم، إلا أنه يوجد تباين في آراء الكثيرين حول هذا السلوك بين الرفض والقبول والآثار الناجمة عنه.
محمد عبد الرحمن يعمل سائق أجرة منذ عشر سنوات، عبر عن استيائه الشديد من بعض الركاب الذين ما أن يجلسوا داخل السيارة حتى يبدأوا الثرثرة في مواضيع عامة وأحيانا خاصة، ويقول ان «الركاب يجبرونني أحياناً إلى الاستماع لهم لعدم إحراجهم» رغم أنه يكره الخوض في مواضيع لا تخصه، ولكن إذا زاد الأمر عن حده فلا يقبله نهائياً.
وأوضح لـ«القدس العربي» أنه تعرض للكثير من المشاكل مع الركاب وقام بإنزال بعضهم من السيارة في بعض الأحيان، لعدم تحمله الخوض في مجادلات حول الموضوعات المطروحة، وشكوى بعض الركاب وانزعاجهم من كثرة الثرثرة داخل السيارة.
وتحدث عن آخر موقف حدث معه من فترة قصيرة عندما بدأ راكب في الأربعينيات من العمر بالحديث عن مشاكله مع أخيه بسبب خلاف مالي بينهما، ورغم أنه لم يعره أي انتباه ليكف عن حديثه، إلا أنه استمر وكأنه يتكلم مع نفسه مبيناً أنه أخبره، أن هذا الكلام لا يصح التحدث به وأنه مصدر إزعاج للركاب وعليه تقدير ظروف الآخرين، إلا أن الراكب بدأ يصرخ إلى أن نزل من السيارة.
ويختلف رأي السائق محمود الصليبي عن زميله لكونه لا يمانع أن يتبادل الحوار مع الركاب في الأمور العامة وإبداء الآراء ووجهات النظر فيها، في حال لم يكن الصوت مرتفعا ولا يسبب إزعاجاً للآخرين.
وقال لـ «القدس العربي» أن المواطنين في القطاع يعانون من ضغوط نفسية، ويحاولون تفريغها، وفي رأيي كسائق أقدر حجم الهموم وأحاول مشاركة الناس فنحن كلنا في بوتقة واحدة من المعاناة.
الأخصائي الاجتماعي إياد الشوربجي قال لـ«القدس العربي» أن الحديث والثرثرة داخل السيارة ظاهرة منتشرة في مجتمعنا الفلسطيني. مبيناً أن من النادر إيجاد سيارة تحمل ركابا صامتين، فكلهم يتحدثون في موضوعات عامة وعن الأزمات المنتشرة داخل المجتمع. وأوضح أن الأسباب التي تجعل الكثير من الركاب يثرثرون داخل السيارة متعددة، أولها رغبتهم في تفريغ الكبت والأزمات المتعددة، فمن الممكن أن تكون السيارة الحل، لكونه لا يستطيع أن يتحدث أو ينتقد الحكومة، ومن الأسباب الأخرى أيضا الرغبة في الحصول على المعلومات كالسؤال عن أحوال الكهرباء والرواتب والمصالحة وغيرها.
ولفت إلى أن الثرثرة داخل السيارة قد تعتبر مصدر إزعاج للآخرين، لأن الراكب فيها المريض وطالب الجامعة وفئات مختلفة من المجتمع، والمجادلة بين الركاب في موضوع ما قد تسبب المشاكل، منوها إلى دور السائق في هذا الأمر، فعليه تذكير الركاب أنهم في مكان عام لا يتم الحديث فيه إلا للضرورة حتى لا يسبب إزعاجاً ويجبر الآخرين على سماع ما لا يريدون سماعه.