تعرفت على عمل الدكتور أياد السراج للمرة الأولى على شاشة التلفزيون البريطاني، من خلال فيلم وثائقي عن عذابات أطفال غزة، عنوانه «هل يرون خيالي؟» كان الوحيد من نوعه في التكلم عن موضوع الـ»تروما» النفسية التي تشكلت عند جيل كامل من البنات والأولاد الفلسطينيين أثناء الانتفاضة الأولى.
شاهدت من خلاله اماً غزاوية تدخل على مركز اسمه «برنامج غزة للصحة النفسية» لتزور ابنتها الصغيرة التي شلت من طلقة طائشة أتتها من الجيش الاسرائيلي الأكثر طيشا ـــ وهو يكسر عظام الصبيان بأمر من قائده ومن رئيس البلاد. كان العمود الفقري عند البنت قد انعطب من رقبتها حتى أسفل قدميها. حبست أنفاسي حين راقبت أمها وهي «ترش على الموت سكر» كما نقول نحن أهل الشام، وتعانق وتقبل جميلتها النائمة، التي كانت قد بلغت عمر الست سنوات في يومها. كانت هذه السيدة الجبارة تحاول تلبيسها- رغم وضعها الجسدي والذهني المأساوي- «جوز حلق» ذهبياً صغيراً. ابني كان في عمر تلك الطفلة، نائماً بأمان بقربي ( ولم أتصور أبداً في ساعتها ان أياد السراج سيصبح فيما بعد طبيبه هو الآخر، ومنقذ حياته أيضاً). رغم مرور السنين، ورغم بحار الدم التي تشكلت على تضاريس أوطاننا، لم أستطع أن أنسى وجه تلك الأم، وهي تحاول التحايل على قدر مرير، وتمشط شعر ابنتها، آملة أن تحجم من كارثتها الإنسانية، بهدية عيد ميلاد ثمينة رغم فقر الحال، وبحب لا متناه.
ثم انتقلت الكاميرا الى مكتب مؤسس ومدير هذا المركز، رجل مرهق يرتدي بدلة ممرض بيضاء، مهترئة بعض الشيء، ونظارات طبية. كان من مواليد سنة 1943، ومسقط رأسه المتعب هو بئر السبع في فلسطين. نزح مع عائلته الكبيرة الى غزة عند نكبة 1948، وهو ما زال في الخامسة من عمره. وفي القصة التقليدية القاسية التي عانتها كل عائلة عند النزوح، لم يعد يستطيع رجب السراج، الأب ورب المنزل، التأقلم مع كل هذه الخسارات، والذل والجوع، فاحتار حيرة الرجل المكسور وأنزوى. فوقع على عاتق زوجته (التي حمل أبنها إياد صورتها الملونة بـ»لسيبيا» في محفظته طوال حياته، إلا حين سلبت منه في السجن الإسرائيلي، ثم في السجن الفلسطيني ويا للعار)، أن تعتني بأطفالها الكثر وتطعمهم والطعام مفقود، وتلبسهم واللباس غير موجود، وتؤمن لهم السكن والعلم وكل ما فقدوا.
حين دعيت الى مؤتمر عن فلسطين في مدينة جنيف في أواخر الثمانينات، ذهبت لتناول فطور الصباح، فرأيت بقربي رجلاً أليف الملامح، قال لي بابتسامة عريضة وصوت خشن: «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا»- نســبة الى قصيدة محمود درويش الشهيرة، ليعلمني انه عرف انني كنت زوجته. فأضحكني اولا، ثم عرفني على اسمه، لأكتشـــف أمامي ذلك الإنسان الذي لمحتـــه على التلفزيون، طبيب غزة النفسي الأول والمؤسس.
كان يأكل البيض حين جلست، فقال لي ولا شعوره يتكلم: «كنت لا أحتمل ان أرى البيض لسنوات طويلة، لأن أمي كانت تسيل دموعها وهي تقلي كمية صغيرة منه لعائلة كبيرة وجائعة، فأخرج بسرعة من الملجأ حيث كنا، وأدعي أنني لست بجائع!». كان الحر شديداً على غير العادة في سويسرا، وكان أياد يرتدي صندلاً للمشي، وقد أظهر هذا تشويهاً في أصابع القدم. حين وجدني أنظر بفضول غير لبق، قال لي: «ازداد حجم قدمي بعد اللجوء بسرعة، فلم أشأ القول لأمي أنني أصبحت بحاجة لنمرة أكبر، لأنها كانت تحمل عبء الجميع. فلبست نفس الجزمة الى أن تشوهت أصابعي، فهذه تفاصيل طفولة اللاجئ!».
روى لي كيف استطاعت أمه ان تصمد القرش على القرش حتى قدرت أن تشتري بيارة مانغو صغيرة في غزة، لتطعم عائلتها منها وتبيع الفائض. كان يساعدها في الزراعة والحصاد، ومن هنا أتى حبه الطاغي للنبات والأزهار والحدائق. قال لي أن الوحيدة التي كانت تشبه أمه في الشكل والمضمون هي أخته لمياء، التي تعذبت حين فقدوا أمهم الصبية بسبب غلطة طبيب. كان إياد يبحث عن لمياء حين لم يجدها في الدار، فيرتعش من الخوف ويذهب الى المقبرة، ليرى أخته جالسة على التراب بقرب والدتها، تصفن وحيدة في وحشة البرية.
درس الطب لان أمه أرادت ذلك، ولأن أخاه الأكبر كان يعاني من مشاكل أعصاب لم يجدوا في غزة حلولا لها، فتخصص في علم النفس، وعمل في أعظم مستشفى في لندن في هذا المجال. حين بدأت الانتفاضة الاولى، أخذ كل ما لديه في العالم – مبلغ ثلاثة آلاف جنيه من حسابه الخاص – وعاد الى غزة، وباشر العمل في غرفة فـــي دار أخت من أخواته. وصف لي كيف كان العلاج يتم أحيانا فقط بعد أن يلتقي أهل الطفل على شاطئ البحر في الليل، لكي لا يعرف الجيران أن أحدا من ذويهم مصاب بـ«جنون».
ولم يطبب أشخاصاً فقط، بل غير نمط تفكير مجتمع بأكمله. كان مصراً أن أطفال الإنتفاضة الأولى عانوا الذل الكافي الذي دفعهم الى القيام بالإنتفاضة الثانية. ولو كان ما زال موجودا اليوم، هو الذي رحل عن عالمنا أواخر العام الماضي، لرأى أن معالم انتفاضة ثالثة قد بدأت.
رنا قباني