«غصن الزيتون» في عفرين: بداية جولة ثانية للحرب السورية تحركها مصالح اللاعبين الخارجيين

حجم الخط
0

منذ بداية الحرب الباردة ظلت تركيا واحدة من أكبر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، فقد انضمت إلى حلف الناتو عام 1952 وساعدت أمريكاعلى بناء حاجز ضد التمدد الشيوعي في المنطقة، وفتحت قاعدتها الجوية «إنجرليك» للطيران الأمريكي أثناء حرب الخليج الأولى عام 1991. ورغم تصويت البرلمان التركي عام 2003 على عدم السماح للقوات البرية غزو العراق من الأراضي التركية إلا أن الحكومة فتحت المجال أمام الإمدادات. وفي الحملة الأخيرة لعبت تركيا دورا مهما في الحرب على تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا عندما فتحت القاعدة لطيران دول التحالف الدولي بقيادة أمريكا وبهذا قصرت الرحلة أمام الطائرات التي كانت تنطلق من القواعد الأمريكية في الخليج العربي. إلا أن نهاية الحرب على تنظيم «الدولة» وهزيمة الجهاديين فتحت الباب أمام مواجهة جديدة بين الدولتين الحليفتين وعضوي الناتو بسبب الخلافات حول الدعم الأمريكي لقوات حماية الشعب الكردية التي ترى فيها تركيا جماعة إرهابية شقيقة لحزب العمال الكردستاني (بي كا كا). ووصل التوتر في العلاقات الأمريكية- التركية لدرجة الخلاف حول فحوى مكالمة هاتفية أجراها الأربعاء الماضي الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد رفضت الرئاسة التركية ما جاء في بيان البيت الأبيض من دعوة ترامب لضبط النفس وتجنب قتل المدنيين. في إشارة للحملة العسكرية «غصن الزيتون» التي أعلن عنها الجيش التركي في الأسبوع الماضي بمنطقة عفرين ضد قوات حماية الشعب. وفي الحقيقة فالعملية لا تستهدف عفرين تحديدا ولكنها تعبر عن نفاد صبر الأتراك عما رأوا فيه محاولة أمريكية لتقوية كيان كردي على حدودهم الجنوبية، وجاءت نتاجا لرسائل متضاربة عبرت عن التشوش داخل حكومة ترامب نفسها وفي الوقت نفسه تعبر عن ترتيبات ما بعد الحرب على تنظيم «الدولة» حيث تتنافس القوى على تحديد مواقعها تحضيرا لأي مفاوضات. ومن هنا جاءت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي ريكس تيلرسون أن أمريكا ستحافظ على 2.000 جندي وقواعدها العسكرية في مناطق شرق سوريا بشكل يضمن حماية للأكراد الذين يريدون إقامة كيان للحكم الذاتي. ثم جاءت الترتيبات التي أعلنت عنها وزارة الدفاع وهي تشكيل قوة حدود قوامها 30.000 مما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية، التي يشكل الأكراد العنصر الرئيسي فيها وهو ما أثار غضب الأتراك وتحركوا لمواجهة «جيش الإرهاب». في قراءة لدلالات العملية التركية في عفرين فإنها تؤشر في صورة منها إلى مرحلة جديدة في الحرب السورية يمكن أن نطلق عليها الجولة الثانية. فالجولة الأولى شهدت حربين في وقت واحد، الأولى جرت بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، أما الثانية فبين تنظيم «الدولة» والتحالف الدولي بقيادة أمريكا، وحسمت الأولى بالتدخل الروسي في إيلول (سبمتمبر) 2015 أما الثانية فقد حسمت تقريبا في العام الماضي بعدما خسر تنظيم «الدولة» كل مواقعه وأصبح قادته مطاردون. وتمخضت الجولة الأولى كما يقول جوناثان سباير في «فورين بوليسي» (25/1/2018) عن دولة سورية تحت قيادة الأسد لا يملك حق القرار فيها بدون الروس والإيرانيين، ومنطقة كردية بحماية أمريكية ومنطقة تحت سيطرة الجماعات المتشددة في محافظة إدلب. من هنا فالتوغل التركي هو تذكير أن الحرب السورية لم تنته وأن الملفات التي تم تجنبها أثناء قتال تنظيم «الدولة» طفت من جديد على السطح وعاد المتصارعون إلى رقعة الشطرنج السورية. ولعل الأحداث الأخيرة في عفرين تكشف عن الدينامية الجديدة، ففي الوقت الذي شجب فيه نظام بشار الأسد التوغل التركي وهدد بسحقه إلا أن حلفاءه الروس هم من سهلوا له عندما انسحبت قواتهم من المدينة حيث كانت تقدم الدعم لقوات حماية الشعب، ضمن اللعبة السورية الرقص مع كل الأطراف، أو محاولة من فلاديمير بوتين الإستفادة من الخلاف التركي- الأمريكي لصالحه. ويشير سباير إلى أن الأحداث الأخيرة تشير للكيفية التي تحولت فيها القوى السورية المعارضة إلى جماعات وكيلة إن بيد الإيرانيين أو الأمريكيين أو الأتراك الذين دخلوا سوريا بالتعاون مع جماعات مثل فيلق الشام ونور الدين زنكي وجبهة الشرق. وتقاتل هذه من أجل النجاة بعدما أصبح حلم التخلص من الأسد بعيدا. وهو حال الجماعات السورية الأخرى نفسه في الجنوب التي تتعامل مع الأردنيين، الأمريكيين والإسرائيليين. وعليه فالجولة الجديدة في سوريا ليست نابعة من ديناميات سورية داخلية كتلك التي أدت لانتفاضة عام 2011 بل من خلال التنافس على المصالح بين القوى الخارجية: الأتراك ضد الأكراد، إسرائيل ضد إيران وجماعاتها الوكيلة، الولايات المتحدة ضد إيران وربما الآن ضد أنقرة. وتسعى كل واحدة من هذه القوى إلى تعزيز مكاسبها على حساب الأخرى. ومن هنا فالحديث لا يدور حول مسار التسوية في سوريا الذي أصبح منسيا، بل عن تداعيات العملية التركية أولا على العلاقة مع أمريكا وثانيا المكاسب الروسية والإيرانية وبالضرورة النظام منها وثالثا مستقبل الكيان الكردي.

تركيا ضد أمريكا

يتفق الكثير من المحللين حتى من يوجهون النقد الدائم لأردوغان أن إدارة الولايات المتحدة للملف السوري كانت عشوائية ومضللة وتجاهلت عمدا كما ورد في تقرير «نيويويورك تايمز» (25/1/2018) حجم المخاوف التركية من الأكراد عندما دفعت باتجاه دعم وتسليح الجماعات الكردية «الإرهابية». ففي تعجل الأمريكيين لإيجاد قوة محلية شريكة لهم على الأرض في قتال تنظيم «الدولة» تجاهلوا كل مظاهر القلق التركي وعلاقة الفرع الكردي بعبدالله أوجلان الذي علق الأكراد السوريون صوره في قلب المدينة العربية الرقة، بعد تحريرها من تنظيم «الدولة». وفي الأزمة الحالية حاولت واشنطن الفصل بين دعمها للأكراد في مناطق شمال- شرق سوريا وبين عفرين التي قالت إنها ليست داخلة في التعاون، مع أن الأكراد لا يرون فرقا بين عفرين والحسكة وكوباني. وربما كان دخول الأتراك بضوء أمريكي أخضر بعدما سمح الروس لهم باستخدام المجال الجوي السوري. ومع تهديد أردوغان بالمضي نحو منبج فالمواجهة قد تحدث بين حليفين خاصة أن القوات الأمريكية الخاصة موجودة في المدينة مع ما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية. وكانت إدارة باراك أوباما قد وعدت تركيا بالإنسحاب من منبج ولم تفعل.

تركيا أهم

وتواجه واشنطن خيارات صعبة بين حليف استراتيجي وآخر تكتيكي وقتي لأن أمريكا لن تظل طويلا في سوريا، أما تركيا فهي حليف مهم كما قال قائد حلف الناتو جيمس ستافريديس في موقع «بلومبيرغ» (24/1/2018). وعليه يجب تسهيل عملية الأتراك في عفرين طالما ظلت محدودة وإلا فالمستفيد من مواجهة الحلفاء هو النظام الديكتاتوري للأسد وتأثر عمليات ملاحقة تنظيم «الدولة». كما ودعا واشنطن لكي تعترف بمظاهر القلق التركي وإرسال مبعوث أمريكي قوي وعلى قادة الإدارة خاصة وزير الدفاع، جيمس ماتيس السفر إلى أنقرة وتطمين الأتراك. ويؤكد الأدميرال على أن هدف الإدارة يجب أن يركز على حماية العلاقة مع تركيا التي تعتبر الحليف الثاني بعد إسرائيل في المنطقة من حيث الأهمية. ويرى ستافريديس أن دين أمريكا للأكراد لا يعني التفريط بتركيا التي قد تنحرف باتجاه روسيا وإيران.

الفائز

ولا شك أن أي مواجهة بين الحليفين ستفيد الرئيس الروسي بوتين. وكما يرى ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (23/1/2018) فالمعنى الحقيقي لعفرين ربما كان خسارة الغرب لتركيا، وربما كان انتصارا لبوتين لا أردوغان، فالعملية في حد ذاتها تؤشر لاعتماد أردوغان في حربه للأكراد السوريين على روسيا. وربما استخدم بوتين العملية لترتيب ملف إدلب الذي يقول إن الأتراك أسهموا فيه، أو حدثت مقايضة بين عفرين وإدلب. وقد تسمح العملية الأخيرة لبوتين الذي أنشأ ترويكا مع إيران وتركيا التأكيد على عودة بلاده للمشرق وإنجاح مؤتمر سلام سوتشي لحل الأزمة السورية بديلا عن مسارات جنيف. لكن المشكلة هي أن عملية عفرين تؤشر للتقاطع في الأولويات بين تركيا وأمريكا وهذا قد يقود لمواجهة تستفيد منها الأطراف التي تعاديها أمريكا خاصة إيران. ويرى جيمس جيفري وديفيد بولوك في «فورين بوليسي» (25/1/2018) أن التحرك التركي جاء بعد سنوات من المطالب لتبني أمريكا سياسة متماسكة تحقق المصالح الإستراتيجية التركية من ناحية الحفاظ على سوريا موحدة بدون كيان إنفصالي والحد من التأثير الإيراني في سوريا بشكل يحمي مصالح الدولة ويحتوي الخطر الروسي والإيراني وهي السياسة التي تبنتها الدولة العثمانية منذ قرون. ورغم الحلول التي يطرحها الكاتبان حول قيام أمريكا بقيادة حوار بين أنقرة وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر على مناطق شمال- شرق سوريا وإقناعه بفض علاقته مع «بي كا كا» إلا أن هذه الحلول تظل مثالية في ضوء التوتر الحالي والمزاج القومي التركي والديني. فقد نظمت دائرة الشؤون الدينية التركية صلاة خاصة لدعم الجنود الأتراك في عفرين وتمت قراءة سورة الفتح في عشرات الألوف من المساجد ليلة بدء العملية. وغطت القنوات التلفزيونية في البلاد العملية بشكل واسع ولاحقت تقدم القوات من خلال الشاشات التي أظهرت الطيران التركي وهو يضرب مواقع قوات حماية الشعب. وفي منطقة هاتاي حيث انتظرت الدبابات أمر التقدم صنعت النساء الطعام وقدمته للجنود الذين سيشاركون في العملية. وعزفت الفرق العسكرية بالزي العثماني الأغاني الوطنية بصورة تقدم المزاج الوطني العام كما نقلته صحيفة «لوس أنجليس تايمز» (25/1/2018).

الجيب الكردي

وفي الوقت الحالي، لن تتخلى أمريكا عن حماية الجيب الكردي، إلا أن عملية عفرين ليست بالضرورة عنه بقدر ما هي محاولة من أنقرة إسماع صوتها ودعوة حليفتها الكبيرة أن تدير الملف بعقلانية. فالأكراد يعرفون أن الدعم الأمريكي ليس دائما ولهذا احتفظوا بعلاقات مع الروس ولم يحرقوا جسورهم مع نظام الأسد. ويرى أرون ستين في «فورين أفيرز» (23/1/2018) أن ما يهم الإستراتيجية الأمريكية في سوريا هي كيفية إدارة انتصار الأسد وعلاقته مع الأكراد وبالضرورة البحث عن استراتيجية خروجها من سوريا. ويبني ستين مقاربته على فكرة صفقة بين الأكراد والنظام السوري لخروج الولايات المتحدة من سوريا. ولو تمت الصفقة بشروط مقبولة فإنها ستتلاقى مع المصالح الروسية التي ترغب بنظام مستقر، تفضل أن يقوده الأسد. وعند هذه النقطة فستتوفر فرصة خروج أمريكي مع ان العلاقة المتوترة بين الأتراك والأكراد ستظل قائمة. مشيرا إلى ان تركيا ستظل في وضع ضعيف، خاصة أنها لا تستطيع ضرب مناطق الأكراد بوجود الجيش الأمريكي وتتحرك في مجال روسي شمال سوريا، كما أن الجماعات التي تعتمد عليها والراغبة بمواجهة النظام ضعيفة، وبالنسبة لأنقرة فلم يعد وجود الأسد شاغلا لها بقدر ما يهمها الأكراد. وقد يفر هؤلاء كما تقول مجلة «إيكونوميست» (26/1/2018) باتفاق مع النظام حول منطقة الحكم الذاتي شمال- شرق سوريا (روجافا) مقابل تخليهم عن المناطق الخارجة عنهم والتي سيطروا عليها بعد طرد تنظيم «الدولة» منها بالإضافة للمنشآت الحيوية في دير الزور وغيرها. وبعيدا عن الحسابات السياسية وما يمكن أن تنجلي عنه غبار معركة عفرين، فالدلالة الأهم هي أن الأكراد الذين استخدموا وعبر السنوات الماضية كبندقة إيجار ضد تنظيم «الدولة» يواجهون اليوم تبعات طموحهم الزائد. وربما رأت تركيا ما حدث لأكراد العراق في تشرين الأول (أكتوبر) 2017 وخسارتهم كل ما كسبوه من مناطق كانت تحت سيطرة تنظيم «الدولة» وانتهت مغامرة مسعود بارزاني بالإستفتاء على استقلال إقليم كردستان بخسارته مسيرته السياسية. لكن تركيا هي لاعب أمام عدد من المتنافسين على الساحة السورية وكلهم لديهم الكثيرمن الأوراق القوية. وبالمحصلة فنحن ندخل الجولة الثانية وإحدى مبارياتها لحليفين في الناتو. فهل ستتصرف واشنطن بحكمة أم تفرض العقوبات على حليفتها وتمنع عنها الصيانة للدبابات كما فعلت ألمانيا؟

«غصن الزيتون» في عفرين: بداية جولة ثانية للحرب السورية تحركها مصالح اللاعبين الخارجيين

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية