غصن الزيتون

حجم الخط
0

أعرف أن غصن الزيتون هو رمز للسلام. هنا، في إيطاليا، يستهلكون كميات كبيرة من زيت الزيتون أثناء عيد الفصح، ويرفعونه أيضاً أثناء المظاهرات لمنع استيراد الزيت من تونس.
أمريكا لا تعرف أي شيء عن هذا الموضوع، لأنها تستورد المنتج النهائي فقط، معبأ في قناني فاخرة وجاهزا للاستعمال، أما الأشجار التي تنتج هذه المادة فهي لا تعرف عنها شيئاً ولا عمّن يقتلعها من جذورها، وإن عرفت تغاضت، كما في فلسطين، في النهاية، أمريكا تعرف كل شيء ولا تعرف شيئاً، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمزاج الأمريكي، ومن يجرؤ، فهو من قبيل الافتراض.
المعادلة، أي معادلة الافتراض وتداعياتها، نشأت كما يقولون بسبب الاستعمار، ونحن نتساءل هنا في ما إذا رحل بالفعل عن أراضينا. بينما الأمر يختلف تماماً عند الحديث عن المفاهيم الطارئة، التي لا تُحسب، ولكنها تدفع المرء إلى وقفة تأمل: إذا تدخل فلان ماذا يحدث، وإذا لم يتدخل ماذا يحدث، وبإجراء حساب بسيط، نجد أنه في كلتا الحالتين لا يحدث سوى الخراب والدمار. بينما المعادلة الأخرى ابتدعناها نحن حتى لا يشمت بنا الآخرون، وهي أيضاً لها علاقة بغصن الزيتون، ولكن لسلخ أقدام المعتقلين.
منذ أن قُدّر لنا أن نولد ونعيش على تلك الأرض (والإشارة هنا كما تلاحظون إلى مكان بعيد بعد ان تشرّدنا في كل بقاع الدنيا) ونحن نأمل ونتأمل، حتى أننا في يوم ما، في بداية السبعينيات أرغمنا على ارتداء الزي الصيني بعد زيارة خاطفة لأحد المسؤولين إلى بكين. ويبدو، بل كان صحيحاً مئة بالمئة، أن القماش كان مصنوعاً من أكياس الخيش ومصبوغاً باللون الزيتي والتفصيل كان على نمط البزّة التي كان يرتديها القائد الكبير ماو تسي تونغ.
لا أبالغ أنني، ومعي مجموعة لا بأس بها من زملائي في المدرسة، لا زلنا نعاني من ملابسات تلك الواقعة، نفسياً و «جلدياً»، فلا زلنا حتى الآن، بالأخص عندما نسمع تصريحات المسؤولين الكبار، نحك جلدنا بلا شعور وتنتابنا رغبة جامحة في أن نمرغ ظهورنا على أقرب جدار أسوة بالماعز. وربما هذه كانت أفضل نتيجة لكل تلك التجارب العشوائية التي تعرضنا لها جميعاً، وسلوكنا «الماعزي» هذا لم يعد يثير الاستغراب كثيراً.
فالجيران هنا لا يكفون عن إبداء النصائح لنا، ويعتبرونه حقاً مشروعاً لأنهم مدّوا لنا يد المساعدة، وأكلنا من «معكروناتهم» حتى التخمة. وبين نصيحة وأخرى لا يتردّدون في سؤالنا: ولكن لماذا لم تتمكنوا من اللحاق بالمدنية وأنتم تملكون كل هذه الثروات؟ أو بالأحرى لماذا بقيتم ماعزاً لغاية الآن؟ كل هذا لأن الأخ أبو محمود، معلم صبّ باطون من حي السكّري في حلب، يصرّ على رمي كيس النفايات من «البلكون». يقول بأنه يفعل ذلك لا شعورياً، كردّ فعل ضد النظام! أقنعناه، بعد إبريقين من الشاي وعلبة دخان، أن الوضع الآن يختلف ويجب أن يكون ردّ فعلنا متناسباً وموازياً للوضع الراهن (الالتحاق بدورة للتربية المدنية: كيف تصعد الباص بدون لكز ودفع، عدم رفع صوت أم كلثوم للأخير بعد منتصف الليل). أنظر مثلاً، بعد أن حقق الطيران الروسي إصابات انتقائية في تدمر، أرسلوا فرقة سيمفونية لتعزف صلاة إلى عروسة الصحراء، وبوتين أخبر الحاضرين عبر رسالة صوتية مباشرة أن هذه الحفلة هي هدية للمدينة و»للمدنية».
إذن، يمكن التماس خيوط تخلفنا في نقاط كهذه، وطبعاً في أمور أخرى كثيرة، إنما في الوقت الحاضر يجب أن نركز على الدوافع والتداعيات، وفوق كل شيء يجب أن نستكمل تعليمنا ونفهم كيف نتصرف في الأوقات الحرجة، بدون أن نكتفي برمي أكياس النفايات من «البلكون». ثم ضربنا له مثلاً، ملتزمين بعنوان حديثنا، عن غصن الزيتون ومدى أهمية التمسك بمبدأ السلام بالنسبة لرئيس مثل أوباما، رئيس أقوى دولة في العالم.
فالبعض، ربما مدفوعون بسذاجة عفوية، يؤيدون هذا الموقف، حتى أنهم يحاولون فهمه وتحليله، وكل محاولة تنتهي بافتراض، وأحيانا بنظرية إبداعية، من أن التناسب الطردي بين المصلحة العليا والتوازن الإستراتيجي للقوى العظمى يطغى على وقائع لا ترقى إلى مستوى نسف التوازن المذكور، مثل قصف المخيمات والمستشفيات، وغير ذلك من الأمور الاعتيادية التي لم تعد تثير حتى دمعة «تمساحية» في عيون الرأي العام. ثم يقولون إنهم بصدد رسم خريطة جديدة للمنطقة، لأن الخريطة الحالية لم تعد تعجبهم، بل لم تعد تعجب حتى أصحابها.
في المرة الماضية كانوا قد عهدوا بالمهمة إلى ضابطين، سايكس الإنكليزي وبيكو الفرنسي.
كل ما نخشاه اليوم أن يعهدوها إلى فنان تشكيلي ينتمي إلى موجة ما بعد الفوضوية، عندئذ ستتحول جغرافيتنا إلى لوحة «بيكاسوية» تختلط فيها الخطوط مع رشقات الألوان وضربات الفرشاة؟ طبعاً، لا يمكننا أن نتهمهم بالتواطؤ ضدنا، إنما نستطيع أن نفترض أنهم يستغلون ضعفنا وتشتتنا لأبعد الحدود، وأن طرقهم تتقاطع في أكثر من نقطة، ولما لا والأمريكي لا زال يقول هذه حصتي، والصيني يقول عمداً هذا لا يخصّني، والروسي يبحث عن طريدة سهلة، والأوروبي منهمك في ترميم عظامه، بينما العربي يردّد بحرقة: إلى متى؟!

كاتب من أدباء المهجر الإيطالي

غصن الزيتون

ميلانو – يوسف وقاص

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية