بيروت ـ «القدس العربي»: لم تمنح السلطة السياسية في لبنان الضوء الأخضر لحزب الله للقيام بعملية عسكرية في جرود عرسال، لكنها لم تواجهه بالضوء الأحمر، وفضّلت الحكومة تجاهل نتائج ما حصل في جرود عرسال وقتال حزب الله ضد «جبهة النصرة» وعدم طرح الموضوع في جلسة مجلس الوزراء لئلا يتسبّب الأمر بأي تفجير سياسي للحكومة.
وبدا أنه تحت شعار «لن نقبل بأي نوع من الإرهاب على أي أرض لبنانية» غضّت الأطراف السياسية الممثّلة في الحكومة اللبنانية النظر عن تولي حزب الله وليس الجيش اللبناني مهمة المعركة ضد «هيئة تحرير الشام» في جرود عرسال على الرغم من تحفظات بعضها وخصوصاً المنتمية إلى فريق 14 آذار الذي بادر إلى طرح التساؤلات وعلامات الاستفهام حول مصادرة حزب الله مرة جديدة قرار السلم والحرب وفتح باب التفاوض مع «جبهة النصرة» من خلال المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم وصولاً إلى السماح بالإفراج عن موقوفين سوريين بجرائم من السجون اللبنانية.
إلا أن الأمر اختلف هذه المرة عن المرات السابقة التي كان يؤدي فيها التباين إلى انقسام سياسي حاد، وبدا أن الأطراف الحكومية المتباعدة حريصة على عدم تعميق الخلافات بين بعضها البعض وتحييد الحكومة عن أي هزة والتطلّع إلى نقاط الجمع وليس نقاط التفرقة، وهذا ما حاول أن يعبّر عنه رئيس الحكومة سعد الحريري معتبراً «أن إنهاء الوضع الموجود في عرسال كان لمصلحة أهل عرسال ولبنان كله لأننا نريد أن نحمي اللبنانيين». وذهب الحريري إلى حد اعتبار ما حصل «إنجازاً» واصفاً ما حصل أنه «تحرير للمنطقة وبأن الدولة هي من حرّرت عرسال». ولم يبد أي مانع من التفاوض مع الإرهابيين عندما قال «كل دول العالم تفاوض الإرهابيين، والحكومة تعمل على انهاء ملف العسكريين المخطوفين لدى «داعش» بأحسن طريقة».
ولم يكن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الممثل في الحكومة بثلاثة وزراء بعيداً عن المقاربة المتمايزة لنتائج معركة جرود عرسال عندما رأى «أنها كانت مفيدة للبنان لناحية التخلص من هذا الجيب بما يؤدي إلى ترييح الجيش اللبناني وترييح البلدات الحدودية والتخلص من مصدر خطر إرهابي». إلا أن جعجع استدرك «أن حزب الله لا يقوم بهذه العملية لتحقيق الأهداف المشار إليها، إنما عمليته العسكرية تدخل ضمن أجندة وأولويات إيرانية».
غير أن الجناح الآخر في كتلة المستقبل المتمثّل بالرئيس فؤاد السنيورة لم يكن راضياً عن معركة حزب الله في الجرود التي لا شرعية سياسية ووطنية لها، وهو «استغرب قرار الحزب في خوض المعركة بقرار متفرد منه خارج إطار الدولة اللبنانية وشرعيتها متجاهلاً إرادة اللبنانيين وممثلاً قرار القيادة الإيرانية تمهيداً للإطباق الكامل على لبنان بهدف تطويع نظامه». لكنه في الموقف الثاني ركّز على دور الجيش اللبناني ومرجعية الدولة اللبنانية أكثر من تركيزه على حزب الله فطالب بأمرين الأول: أن تتمركز قوات الجيش اللبناني في جميع المناطق التي ينسحب منها المسلَّحون في سلسلة جبال لبنان الشرقية بحيث لا تكون فيها أي سلطة أو وجود مسلّح لغير الجيش اللبناني. والثاني: المبادرة إلى استعمال ما هو متاح في القرار 1701 لجهة الطلب من مجلس الأمن الدولي الموافقة على توسيع صلاحيات قوات الأمم المتحدة في مؤازرة الجيش اللبناني لحماية الحدود الشرقية والشمالية للبنان أُسوةً بالتجربة الناجحة في الجنوب».
وقد مهّدت هذه المواقف لإعادة الاعتبار لدور الجيش اللبناني والتأكيد على جهوزيته لمواجهة الإرهاب بدءاً من مخيم نهر البارد إلى تفكيك الشبكات والعمليات الوقائية. وشكّل عيد الجيش مناسبة للتركيز على الاستعدادات التي تقوم بها المؤسسة العسكرية للتصدي لتنظيم «الدولة» الإسلامية في جرود القاع ورأس بعلبك. وقال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في هذا الإطار «نتطلع الآن إلى قواتنا المسلحة المتأهبة لتحقيق نصر جديد، وتحرير ما تبقى من أراض استباحها الإرهاب لسنوات».
أما الرئيس الحريري فمنح الجيش غطاءه الكامل لكل عملياته العسكرية، وقال «عندما تحين ساعة الصفر، سيكون الجيش منتصراً بإذن الله، فالحكومة وكل القوى السياسية تقف إلى جانبه».
وكانت قوى حليفة لحزب الله حاولت صرف انتصاره في جرود عرسال في الداخل اللبناني، وعادت بعض الأقلام إلى لغة الوعيد والتهديد وتخوين من لا يقف إلى جانب حزب الله في معركته. فيما نائب حزب الله نواف الموسوي رأى أن «من يختلف معنا حول المعركة اختار أن يكون حليفاً للتنظيمات الإرهابية». أما خصوم الحزب فاعتبروا أن معركة حزب الله كانت أشبه ببروباغندا إعلامية ونصرا وهميا أمام مجموعة مسلحين في منطقة ساقطة عسكرياً في الأساس.
سعد الياس