العملية الانتقامية التي تخطط لها إيران في الشمال حسب جهاز الامن الإسرائيلي هي في الحقيقة صورة مطابقة لسياسة إسرائيل في سوريا. إسرائيل تعمل منذ سنوات ضد قوافل السلاح المهربة من سوريا إلى حزب الله في لبنان. ومؤخراً نسبت لها ايضا عمليات ضد مواقع عسكرية إيرانية في سوريا، لكن دائما تقريبا امتنعت إسرائيل عن تحمل المسؤولية الرسمية عن عملياتها. الهدف هو تحقيق نتائج عملية من خلال ردع العدو دون ايصال المنطقة إلى حرب.
في هذه الاثناء إيران تريد أن تفعل تقريبا نفس الشيء: اغلاق الحساب مع إسرائيل وردعها، لكن مع الحفاظ على غموض بخصوص هوية المنفذين والامتناع عن اندلاع حرب في سوريا، التي بدأت بالانتشار فيها، ومن اراضيها ستجد صعوبة في مواجهة التفوق الاستخباراتي والجوي لإسرائيل. ايضا في اليمن يقود حرس الثورة الإيراني عملية مشابهة. الجميع يعرفون أن الصواريخ التي يطلقها الحوثيون على السعودية يتم تهريبها من إيران، لكن طهران يمكنها التظاهر بأنها لا تعرف عما يدور الحديث.
إسرائيل تستعد حسب المعلومات الاستخباراتية التالية: قائد قوة القدس في حرس الثورة، الجنرال قاسم سليمان، ينوي القيام بعملية تدمج بين تخطيط إيراني واستشارة من قبل قادة جهاز الصواريخ والقذائف في حزب الله وتنفيذ مليشيات شيعية موجودة في سوريا، التي جاء نشطاؤها من العراق وباكستان وافغانستان، لكنهم يحصلون على التمويل والتوجيه من إيران. يبدو أن من وجهة نظر إيران لا يوجد مخرج سوى الرد العسكري. طهران تنسب لإسرائيل على الاقل خمس هجمات ضد أهداف عسكرية لها في سوريا منذ أيلول/سبتمبر الماضي، وفي الاسبوع الماضي اضاف بنيامين نتنياهو الاهانة إلى التحقير عندما كشف عن نجاح الموساد في سرقة ارشيف الوثائق النووي الإيراني تحت اسماع وانظار السلطات.
ولكن لأن إيران تريد الامتناع عن التصعيد الشامل، فمن المهم اختيار الهدف وحجم العملية. من هنا جاء اختيار اطلاق الصواريخ والقذائف على قواعد الجيش الإسرائيلي في الشمال، الامر الذي تعتبره إيران هدفا مشروعا، السن بالسن والعين بالعين. تسريب إسرائيل أمس جاء كما هو معروف لاعطاء اشارات لإيران بأن خططها مكشوفة، وبذلك يتم فرض تأجيل آخر عليها لتنفيذ العملية. حتى الآن يبدو أن جهود التأجيل نجحت منذ الهجوم المنسوب لإسرائيل في قاعدة «تي 4» في سوريا والتي قتل فيها سبعة مستشارين إيرانيين، فقد مر تقريبا شهر، وفي الاسبوع الماضي حدث هجوم آخر. ولكن ليست هناك أي ضمانة بأن إيران ستتصرف حسب التقديرات الإسرائيلية، ولن تحاول المفاجأة بتوقيت آخر وبجبهة اخرى بعد الاعلان المسبق عن العملية المخطط لها.
إلى جانب عمليات الحرب النفسية التي يقوم بها الطرفان، يوجد ايضا تأهب دفاعي. وحتى الآن يبدو أن إسرائيل تصمم على مواصلة جهودها لابعاد التواجد العسكري الإيراني في سوريا. وفي هذا الشأن يوجد إجماع في القيادة السياسية ـ الامنية. في القدس يفترضون أن إيران مستعدة أقل من إسرائيل للمواجهة، لذلك من شأنها الانسحاب أولاً إذا استمر الضغط. نقطة ضعف هذا الادعاء هي اعتماده على التقدير الذي يقول إن حزب الله سيواصل البقاء خارج المواجهة. إشراك حزب الله بصورة مباشرة من لبنان يعني الحرب، والثمن الذي سيدفعه جميع الاطراف فيها سيكون باهظا جدا.
في الوقت الحالي يبدو أن السياسيين في إسرائيل يتحدثون بينهم وبين أنفسهم، رغم التحذيرات بشأن حساسية الوضع. اليوم هدد عضو الكابنت الوزير يوفال شتاينيتس بأنه إذا مكن الرئيس بشار الاسد إيران من العمل ضد إسرائيل من اراضيه، فهذه ستكون نهايته.
لا توجد استراتيجية خروج
ما تم نشره في «هآرتس» في هذا الصباح عن الرسائل التي نقلتها حماس لإسرائيل من خلال قنوات مختلفة بشأن استعدادها لفحص عملية «هدنة» لوقف اطلاق النار طويلة المدى في القطاع، لم يحث حكومة نتنياهو على اعطاء رد سياسي مستعجل. ومثلما تبدو الامور في هذه الاثناء، لم يتم بعد ايجاد استراتيجية للخروج تمكن من خفض مستوى التوتر بدرجة معينة على طول الجدار الفاصل في غزة قبيل المظاهرات الكبيرة التي تخطط لها حماس في ذكرى يوم النكبة في 15 أيار. بدون مفاوضات غير مباشرة وبدون استعداد لفحص تسهيلات جوهرية للوضع في قطاع غزة، سواء من جانب إسرائيل أو مصر، سيكون من الصعب منع الانفجار العام الذي من شأنه أن يؤدي إلى عدد كبير من القتلى بعد اسبوع.
تخبط حماس الداخلي بهذا الشأن بدأ في تشرين الاول الماضي على خلفية الازمة الاستراتيجية التي وجدت قيادة حماس في القطاع نفسها فيها. رئيس حماس في قطاع غزة يحيى السنوار مستعد لفحص عدة افكار ستمكن المنظمة من التحرر من نير الادارة اليومية للقطاع والمسؤولية عن حياة مليوني شخص يعيشون في ظروف نقص شديدة. على هذه الخلفية شجع السنوار مبادرة المصالحة التي فشلت مع السلطة الفلسطينية وكان مستعدا ايضا لفحص وقف اطلاق نار مع إسرائيل.
ألون افيتار، مقدم احتياط، والذي كان مستشار الشؤون العربية في جهاز تنسيق اعمال الحكومة في المناطق، قال للصحيفة إن كل قرار ستتخذه حماس في هذا الشأن يجب عليها أن تشرك فيه قادة المنظمة الثلاثة، السنوار ورئيس الحركة اسماعيل هنية، الاعلى رسميا من السنوار، والرئيس السابق خالد مشعل الذي هو الآن لا يتولى أي وظيفة رسمية. حسب اقوال افيتار فإن «مصلحة السنوار واضحة وهي منع انهيار القطاع الذي في اعقابه سيتم القاء التهمة على حماس التي ستفقد السيطرة على القطاع. هنية يتحفظ من هذه الفكرة».
واضاف افيتار أن السنوار يمكن أن يوافق على إسكات سلاح الذراع العسكرية لحماس في إطار مصالحة مع السلطة الفلسطينية أو هدنة مع إسرائيل. ولكنه حتى الآن رفض أي اقتراح لتجريد حماس من سلاحها. خط السنوار يقول «إن السلاح سيبقى في أيدينا إلى يوم اصدار الامر. في هذه الاثناء مقابل تسهيلات جوهرية نحن نتعهد بعدم استخدامه ضد إسرائيل». وحسب أقوال أفيتار هذه الافكار لم تصل حتى الآن إلى خطوط عملية.
هآرتس 8/5/2018