غواية الاكتمال في «عتبة النقص» للسورية سعاد الخطيب

حجم الخط
1

تحاول القصيدةُ أن تكون عتبةً لاصطياد الرؤيا، تخلعُ عنها هاجس النقص، لتجرّ الكلام عبرها الى ما يشبه غواية الاكتمال، حيث التمرد، والصحو الفائق، وحيث سكنى الانزياح، والانخراط في لعبة المناورة، تلك التي تجوس عند حافات المضمر والمقموع، وتصرخ لاستدعاء الحضور.
هذا ما حاولت أن تقترحه الشاعرة السورية سعاد الخطيب في قصائد كتابها الشعري الجديد «عتبة النقص» الصادر عن دار الروسم للنشر والتوزيع/ بغداد/ 2015
عنوان الكتاب ينحو إلى توصيفٍ هذا الاستدعاء، يمُسُّ فكرته، ويكشف عن لعبة الأنثى وهي تراود العالم عبر اللغة، تستكنه من خلالها خطاب الغائب، ووجعٍ الأنا المسكونة بالمفارقة، والشغوفة باستيلاد طاقةٍ غائرة للمعنى، لها مزاج الحدْس بفداحة الفقد، وتأويل ما يتساقط من كلِّ الخسارات التي تخصَّ الجسد والبلاد والفكرة.
في قصيدة «أُثقّبُ عزلتي دانيلا» تستحضر الشاعرة خساراتها الوجودية، تلك التي تُضاعف الفقد، وتجاهر بالضد، وتضع اللغة أمام رهاب الوحشة، وعزلة الوعي (الشقي) المهووس بالأسئلة، والبحث عن (مَطْهَر) للتعويض والترويض، إذ تبدو الحياة أكثر عزلة وقسوة وانتظارا، والقصيدة أكثر هوسا بالملاحقة والبحث عن استعارة الاكتمال.
«سأترك القصائد تفلتُ/ لن أردّ شالي، إنْ عبر ظهري إلى الرصيف/
سأقتفي دعسات قلبي/ بدويةٌ ذاكرتها خيمة وموقدٌ وقطيعٌ منشغلٌ بالعشب/
سأترك ريلكه ودوستوفسكي المجنون/ سأعضُّ كل النصوص التي أغوتني/ لتهربَ إلى غير رجعةٍ»
تأخذنا الشاعرة عبر هذه الهواجس إلى يومياتها المتشحة بالقلق، وإلى صور ذاكرتها الغارقة بمتعةِ لعبة الأنا، تلك المخذولة، لكنها العصية والماكرة أيضا، فمن الصعب أن يكون حضورها مقتضبا، أو سؤالها خارج لعبة البوح، فهي تجدُّ في اللغة ملاذا لاستعارة لعبة المكر والغواية، مقابل أنْ تظل هي الأنثى التي تبحث عن وهم الخلود، فـ»أنا أفعى كلكامش السائدة» هي شيفرة للبقاء، والتحوّل، وهي أيضا الأنثى الواقعية التي ترى، وتفقد، تفترض أنْ العالم لا يخرج عن ما يتجوهر في (أناها) وهي تراود العتبة، وتسرق نصها/ عشبتها الأسطورية.
هذه عتبةُ أناي
هنا تحكُّني القصيدة.
شعريةُ التفاصيل واحدةٌ من أكثر استغراقات الشاعرة، فهي تنسجُ حولها يوميات مُغتالة، وهواجس غامرة بالخوف والقلق، وعلائق مشوشة تشاطرها لعبة الغياب والحضور، أو الموت والحياة، تُحصي من خلالها العديد من خساراتها الوجودية والذاتية الحميمة، حتى تبدو تلك الشعرية وكأنها محاولةٌ في الفرجة المُحرّمة، والإصرارٌ على ممارسة الوجود الضد، وتقشير العالم بنوع من الشراهة والمُعاندة، والإحساس بلذة جماع التفاصيل، عبر مغامرة الكتابة، وعبر شيفرة الخلاص من (عتبة النقص) تلك العتبة المحشوة بحدوس مارقة، وأشباح ينسّلون من التاريخ والجسد والوقت والعائلة والحرب.
لعبة اليوميات تقابل تلك التفاصيل، وهذا التقابل يقترح نزوعا للتجاوز، حيث لا حيادية في الكتابة، ولا هدوء ضال أمام حزنها الوجودي، إذ تشيءُ الصور المُستعادة بما يكشف عن رغبات نافرة بالحياة، غير طيعة، لها روحها المُستفِزة، ولها حدّس المواجهة، والخروج عن فكرة (الإقامة الجبرية) الى ما يشبه إطلاق العنان لحركة نفسية كما يُسمّيها الشاعر زاهر الجيزاني للتمدد عبر القصيدة إلى خارجها.
«يحدثُ للشعر أن يُصاب بالدُوار
كأيِّ روحٍ حية/ يضيّعُ وجهته في القرى
التي تُقطّرُ العَرَق البلدي/ تأخذه قدماه إلى إقامة جبرية في حوض النرجس.
يحدثُ للشعر أنْ يُصابَ بالدُوار/ لكنَّه في الدربين طفلٌ تائه/
لا تطعمه من السكاكر المُلقاة على الطاولة/ خذْهُ في حضنك/ أعطْهِ السكاكر
من الجيول الجوانية)
هذا التحقق يضع فعل الكتابة الشعرية أمام إحالات دلالية مفتوحة، فهي تستقرئ حمولات المعنى، وتتقصي أثرها في الجملة وفي الرسالة، وفي الصورة، مثلما تضع الفعل أمام إحالات الزمن الشخصي، والزمن (الوطني) المعطوب، تلك تستغرقها لعبة فنية تقوم على التفاصيل، وعلى تمثلاتٍ لها بُعدان تصوري وبنائي، فالبعد التصوري ينشغل بإضاءة الفراغات، وبتقريب الفكرة داخل نسق لغوي تتشكل مفرادته لتفتح أفقا له حساسيته، وكأنه سلسلة من اللقطات الحادة التي تشغل الحيز/ مساحة القصيدة وتوزيع وحداتها على السطح.
كما أنَّ البعد البنائي لاينفصل عن التصويري، لكنه ينفتح على حيز تعبيري، تكون فيه البنية النثرية أكثر تمثّلا لما يوحيه عبر تقانات الاختزال والكثافة، والانحياز للجملة (الثقافية) بوصفها جملة نسقية، تحفل بضمير المتكلم/ الحاضر، وبالضمير النسقي المضمر والمختبئ بوجعه وأحزانه، فهو يكشف عن خطاب حافل عبر حضور (الأنا) الرائية بمستواها الدلالي، وبمستواها التواصلي أيضا، وهذا التوظيف يدور في أفق البحث عن المعنى، ومواجهة رعب الفقد والنقص.
البناء الجملي لأغلب قصائد الكتاب الشعري تحوز ممكنات صورية، فهي لا تميل الى الإخبار المباشر كما تفعل الجملة الفعلية مباشرةً، رغم ما تحفل به من الوصف، لكنها تبدو أكثر تعبيريةً عن (متعة تأملية) وعن مواضعة سردية، تحاول من خلالها سردنة وجودها الأنثوي، وتأثيث تفاصيله بما هو مؤنسن ومُتسائل ومُعذّب، والتحرر من عقدة الخطأ الأول، بكل ما يتمثله من علامات ومن شيفرات استعارية نسقية، يتبدى فيها الحضور شائها، مثلما يتجلى فيها الغياب عالقا بما تصنعه الحرب من نسق مضمر، وعبر ما يفرضه الآخرون من خلال شيفرات السلطة/ التاريخ/ العائلة من قهر ومحو ورعب.
كان لنا تنّينٌ
يُدعى أباً
أُمّاً
أخاً
جدّةً
سمّوهُ ما شئتم
الاسمُ لا يستر الندوب في الروح.
قصائد سعاد الخطيب لا تتعمد التحايل على الحاضر، لكنها تواجه قسوته، تُعرّيه، تقف عند عتبته القلقة واللزجة لتمارس إزاءه لعبة التأمل والكشف، تُفجّر طاقتها عبر دفقٍ من استغراقات ما تحوزه اللغة، وما تستدعيه من قراءة ماكرة، وما تستأنفه من تواصلٍ حكائي، حيث تلبس الشاعرة قناع الرائي، ومجسِّ صانع المغامرة، إذ تجد في (عناوين القصائد القصار) مجاله لالتقاط ما يتركه العابر من أخطاء الحرب، ومن انتظار الأنثى، ومن سيرة موتها الأنطولوجي، تلك التي تُحفّزها على تجميع المجاز والاستعارة ليكونا هما الفكرة التي تُحيلها للواقع الدامي، وبما يجعل (أناها الشعرية) وكأنها تملك عدسة مكبرة لتفجير الحسي والمعنوي واليومي والايهامي، ولكي يتحوّل الواقع – نفسه- إلى بؤرة للكشف عن المزيد من الأنساق المُضمَرة، بوصفها أنساقاً تخص الشاعرة وهي تواجه محنة الاغتراب الداخلي، وتداعيات الحرب التي تعيشها الروح والبلاد..
المقيمون في الخراب
لا يعبثون بالأمنيات/ لا يثقون بما ترسله الدروب/
إذا اشتدَّ الشوقُ بهم
يفركون قلوبهم بالقَرّاص/
المقيمون في الخراب يشهرون مفاتيح صدئة..
«عتبة النقص» بعنونتها الصادمة تضعنا أمام تجربة تتمثل واقعها بقسوة، تطلق لرغائبها العنان لأنها أكثر تعبيرا عن الفكرة التي تحاصرها، وتنام لصق يومياتها وتفاصيلها، وترسم لقارئها خطوطا ناتئة، لكنها غائرة أيضا، لأنها خطوط حياتها وملامح غربتها وقاموس سرائرها التي تصطدم بالوجود المُباح للمحاربين والقتلة والأخطاء، لكنها تتعالى عنه بالبحث الفائق والمدهش عن الاكتمال..

٭ ناقد عراقي

غواية الاكتمال في «عتبة النقص» للسورية سعاد الخطيب

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية