الخلاف العائلي والصراع الدائر بين الأشقاء في ظل غياب الأب حكاية قديمة في الدراما المصرية سبق طرحها عشرات المرات، لكن شيئا ما يجعل حكاية ونوس في الحلقات التراجيدية مختلفة إلى حد كبير ربما لبعدها الميتافيزيقي المتمثل في الشخصية التي يؤديها الفنان القدير يحيى الفخراني، حيث الشيطان المتجسد في صورة إنسان واجتهاده في اللعب على كل نقاط الضعف البشري بدءاً من غواية المال والبنون وشبق السُلطة والسيطرة وانتهاءً بالقتل كجريمة تقع حتمياً بتوافر معطياتها ومجالها النفسي والإنساني والاجتماعي وهو ما لم يظهر حتى الآن. إذ يؤجل الشيطان المفاجأة ليتم مهمته في تخريب العقل والبيت وتفكيك الأسرة التي يتسلط عليها بعد سيطرته على الأب ياقوت أو نبيل الحلفاوي الذي صار رهن إشارته في لحظة ضعف فارقة في حياته وحياة أبنائه فأودى به إلى التهلكة وصار هائماً على وجهه بلا رشد، ليس مجنوناً وليس عاقلاً، مسلوب الإرادة وطوع يديه اللهم بعض المقاومة المتهافتة.
ثراء درامي هائل، يمكن المخرج شادي الفخراني من التحرك بحرية داخل النص وربط الشخصيات بالفكرة الرئيسية التي انطلق منها الكاتب عبد الرحيم كمال دون شطط، وإبراز التناقضات الاجتماعية التي يمثل الإنسان نفسه حلقة أساسية فيها، فهو الفاعل بدورة والضالع في كل ما هو منسوب إليه من تجاوزات وجرائم والمفعول به أيضاً كضحية. فالجشع والطمع والرغبة في الثأر والانتقام غرائز أساسية مولود بها وفي الوقت نفسه هو ضحيتها، حيث تتغير الحالات بتغير الظروف والبيئة المحيطة، ومن ثم يظل يتأرجح بين كونه جانيا ومجنيا عليه ففي لحظات ضعفه وانقياده للشيطان يُصبح مسؤولاً عما تقترفه يداه من ذنوب وآثام، وفي لحظات تحرره من قبضة الشيطان الرجيم وعدم استجابته لوساوسه يكون هو القوي البالغ الرشيد وتفقد المغريات تأثيرها عليه ويقف الشيطان عاجزاً أمامه.
بهذا المفهوم تتوافق المعادلات وتتقاطع الخيوط الدرامية فنرى صوراً كثيرة من الزهد والتقوى والورع وتوقان فردي وجماعي نحو السباحة في ملكوت الله، كما نرى صوراً عكسية تتبلور في الصراع على المال والشهرة والمتع والشهوات ونرى كذلك شخوصاً متهاوية يغلبها الهوى كشيوخ الفتاوى والفضائيات وعشاق الحسناوات وكلها نماذج اجتماعية لمرحلة عشوائية نعيشها، يُسقطها الكاتب ويستغلها المخرج كدلالات حقيقية على حالة التوهان والتردي. ويرمز المسلسل هنا بشخصية يحيى الفخراني إلى تلك القوة الجاذبة الخفية والمرئية التي تدفع البشر لهذا التطاحن وتسعى للتفرقة بين الأشقاء وتجعل من الـــثــروة وقوداً للإقتتال والتناحر.
يطرح مسلسل «ونوس» كعمل فني غير استهلاكي مفاهيم ومستويات متعددة للأزمات الاجتماعية التي يعانيها الإنسان والمجتمع فيورد منها ما هو غيبي وغير مُدرك بالحواس مثل السحر والمس الشيطاني وبواطن النفس البشرية المنطوية على كثير من الأسرار ويكشف النقاب عن ملابسات الحياة الضنكة وتداعيات البؤس والفقر والمرض التي تولد الشكوك والأحقاد والخوف الدائم من المجهول، فيتراءى لنا المستقبل غامضاً مرعباً غير واضح المعالم فتنعكس صورته في شكل كوابيس يومية وكراهية وصراعات دامية وحينئذ تكون الإحالة المنطقية كرد فعل لعدم الاستقرار إلى التفسيرات اللامعقولة بوجود الجان كمحرك للأحداث والأشخاص.
وبين الأسود والأبيض في ما يرهن الإنسان المضطرب نفسه به يأتي الخيط الدقيق كرمز للبصيرة متمثلاً في شخصية الشيخ القصبي «علاء زينهم» الأب الروحي للدراويش والمؤمن بعدالة القضية الكونية والمنحاز إلى ياقوت الطيب المثالي الذي زهد في زخرف الحياة وتسامى على مغرياتها فصار مذموماً طريداً. هذا القصبي يراه الشيطان خطراً على مشروعه التخريبي ومعطلاً لرسالته الجهنمية فيسعى لوسوسته كي يجعل ياقوت وحيداً مهزوماً فلا يتبقى من الخيرين من يواجهه ويُحبط أعماله. دوران حول نفس المعنى بوجود الشيطان في بؤرة كل الموضوعات بوصفه ضالعا في كل الشرور بمساعدة الإنسان الذي هو عدوه اللدود وهدفه الأسمى.
يقودنا المسلسل إلى بديهيات الأشياء كمرجعيات أساسية نسيناها أو تجاهلناها في غمرة انشغالنا بحياتنا المعقدة، وهي أن الإنسان محور الكون تتحدد مسيرته حسب تفاعله مع المحيط به والمقدر له وأن الأصل في الحياة هو الصراع، صراع الإنسان مع نفسه أو مع غيره وتُحسب النتيجة بما يكسبه أو ما يخسره. لقد وفق الفنان والممثل القدير يحيى الفخراني مع نظيره القدير أيضاً نبيل الحلفاوي في الوصول إلى عمق الفكرة والمعنى بالأداء الرصين البارع وفلسفة الأحداث بما تتجاوزه من طرح عادي للمستوى الدرامي إلى النفاذ داخل الجوهر الفكري للصورة والجملة والحوار.
وقد توافرت عوامل نجاح المسلسل بإسهامات الأبطال الآخرين، هالة صدقي ومحمد شاهين وحنان مطاوع الذين قدموا نماذج ثرية من تنويعات بشرية وقفت على حافة الدائرة الشائكة لما يجري من إرهاصات ومشكلات حقيقية تمثلوها وجسدوها بصدق متناهي وحرفية بالغة أضافت قيمة إبداعية مركبة للعمل وأبعاده وزواياه.
كمال القاضي