الكلمات في خطاب أبي مازن أمام المجلس المركزي لـ م.ت.ف في رام الله بثت تصميما، غضبا وكفاحا. ولكن بين السطور كان هذا خطاب ضياع الطريق، استراتيجية وصلت إلى نهايتها، زعيم بدأ في مسيرة نزوله عن مسرح التأريخ.
الجنرال داغلاس مكارثر، في خطابه أمام الكونغرس في عام 1951، خلفت تعبير «الجنود الشيوخ لا يموتون أبدا، بل يتبددون فقط». في 13 كانون الثاني بدأ أبو مازن يتبدد.
ثماني سنوات براك أوباما أدت إلى تحسن معين في مكانة الفلسطينيين في الولايات المتحدة وفي أوروبا، ولكن مغادرة الرئيس أوضحت أنه أكثر مما تقدم الفلسطينيون فإن العلاقات بين القدس وواشنطن هي التي تراجعت في عهد الرئيس السابق.
لقد كان أبو مازن مناسبا لأيديولوجيا أوباما، وعلى رأسها التماثل الغريزي مع الضعيف، حين عارض ذاك الضعيف الإرهاب (مثلما فعل محمود عباس، كما يقال في مصلحته)، كانت الأمور أسهل من ناحية اوباما. بالمقابل، شخص اوباما في نتنياهو خصما سياسيا قادرا على أن يتحداه حتى في داخل بيته.
ولكن حتى ثماني سنوات طوال تنتهي في يوم واحد. وحقيقة أن كل «إنجازات» الفلسطينيين تبددت في اللحظة التي دخل فيها ترامب إلى البيت الأبيض تفيد بأن هذه لم تكن إنجازات حقيقية.
في السنة الأخيرة تغيرت كل الآلية الشرق أوسطية. فحتى القطريون استوعبوا ذلك، وفي السنة الأخيرة نفذوا انعطافة في السياسة التقليدية لتشجيع محافل الإرهاب والتطرف في كل الشرق الأوسط. وبدلا منها، تلاحق الإمارة كل صاحب منصب يمكنه أن يفتح لها بابا ما في واشنطن.
أما الفلسطينيون بالمقابل، فواصلوا اللعب وفقا للقوانين القديمة. وكانت استراتيجية أبي مازن هي الاثبات للعالم أنه على ما يرام، ودفع مكانة إسرائيل نحو التدهور. أحيانا نجح هذا أكثر، وأحيانا أقل. ولكن تحت إدارة لا تربط بين العلاقات مع إسرائيل والمسيرة السلمية، فليس لهذا النهج أية فرصة.
لقد تميز أبو مازن دوما على المستوى التكتيكي. فقد قرر تطبيق سياسة ثابتة ضد الإرهاب، خوض حوار للسلام يشدد على عدم الرغبة الإسرائيلية لإيجاد حل، ومعارضة الاتفاقات التي لها قدرة كامنة للتسوية التأريخية (حيال إيهود باراك في كامب ديفيد وحيال إيهود اولمرت في أواخر عهده)، في ظل دعم الـ بي دي اس والتحسين البطيء للمكانة الدبلوماسية الفلسطينية. ولكن واضح الآن بأن كل هذه النجاحات التكتيكية لم تقدم الفلسطينيين مترا واحدا في الطريق إلى دولة مستقلة.
دليل على ضياع الطريق الفلسطيني جاء بعد الإعلان الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل. فالدوخان الذي ألم برام الله بدأ بالتهديدات لإعادة المندوب الفلسطيني من واشنطن ووصل حتى القرار أحادي الجانب لتنحية الأمريكيين عن دور الإشبين للمسيرة السلمية. وكأن العالم، ولا سيما الولايات المتحدة ينتظر إقرارا من عباس قبل كل تصريح.
في الجبهة العربية أيضا تكبد أبو مازن هزيمة: فالرئيس السيسي وزعماء الخليج في شكل أولياء العهد الثلاثة (البحراني، الإماراتي والسعودي) أوضحوا للرئيس الفلسطيني جيدا أنهم لا يعتزمون تحطيم الأواني مع إسرائيل أو العالم من أجله، وانه في وضعه البشع من الأفضل له أن يسير مع ما يبدي ترامب استعداده لعرضه، بما في ذلك ابو ديس عاصمة فلسطين. اما عباس المذهول فبقي بلا جواب. وفي مصلتحه يقال إن قلة توقعوا الانعطافة التأريخية في موقف الدول السنية المعتدلة.
لا حاجة لأخذ الانطباع من وعود عباس بالصفعات والانتقامات. كما أن هزات رأس المشاركين في المجلس المركزي عبرت عن اللياقة ورص الصفوف في مصلحة الكاميرات، ليس أكثر من ذلك. وفي شوارع رام الله ونابلس لم تخرج الجماهير إلى الشوارع، وفي المقاهي يتحدثون منذ زمن بعيد عن هُوية بدائل عباس. الفلسطينيون أيضا يعرفون أن عملية تبدد أبي مازن بدأت منذ الآن.
الأيام ستقول إذا كانت هذه مجرد بداية مسيرة تغيير الحكم أم التبدد الأكبر ـ للفكرة الوطنية الفلسطينية.
معاريف 16/1/2018
ايلي افيدار