القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم أنه تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة ودرس علم النفس والفلسفة، لكن ثمة تقاربا وجده الكاتب الروائي الكبير فؤاد قنديل بين العلوم الإنسانية التي درسها، والمجال الإبداعي في السينما، فآثر أن تكون البداية العملية من الفن السابع، ذلك الملتقى الأهم لكل الفنون والمصب الرئيسي للإبداع الروائي والقصصي والتشكيلي، فلم يخطئ قنديل السير ولم يضل طريقه للسينما، وإنما ظلت هي الخلفية الثرية لإبداعه وكتاباته على اختلاف أشكالها وتبايناتها، ولكن الارتباط الوظيفي ونمطية العمل الحكومي وقيود الحضور والانصراف والروتين القاتل، شكلت في مجملها عائقا أمام الانطلاق نحو الكتابة والإبداع، فلم تتوطد علاقة الأديب بالوظيفة، وصار متمردا عليها كعادة كل المبدعين والأدباء، الذين غلبت عليهم نوازع الخلق والابتكار والتحرر، فتحولت قبلتهم وولوا وجوههم شطر ما جبلوا عليه وتفوقوا فيه، وبرزت من خلاله موهبتهم فباتوا أعلاما وعلامات يشار إليهم بالبنان.
ألقت دراسة علم النفس والفلسفة بظلالها على كتابات فؤاد قنديل، فانعكست على الرواية والقصة، وظهرت تجلياتها في العناوين والأشخاص والمضامين الإنسانية والاجتماعية، فكان النسق المنضبط والإيقاع الرصين واللغة الأدبية الأكثر التزاما، إشعاعات لإبداع مختلف لم يجنح إلى ما يثير الشهوات أو يدغدغ العواطف أو يضغط على أوتار الرغبات الرخيصة. انتهج الكاتب الراحل منهجا محافظا ظل ملتزما به طوال رحلته الإبداعية، ولم يتخل عنه أبدا، إذ لا مبرر عنده لابتذال اللغة وسوقية العبارة وفجاجة الصورة الجمالية.
كان الراحل مؤمنا بأن جماليات النص تتفجر من داخله ولا حاجة للأديب أو الكاتب باختلاق الإثارة للمزيد من الترويج، فهذا لا يزيد عن كونه هبوطا بقيمة العمل وخيانة للغة الأدبية وثرائها، فما يطرح من قضايا خليق باللغة أن تعبر عنه بدون رخص أو سقوط، وإلا لا معنى للجمال اللغوي طالما أننا نستعيض عنه بالوصف الصريح للمفاتن والإباحية كإطار مغر بالقراءة، ولا غرابة في أن يقتدي فؤاد قنديل في ذلك بطه حسين وعباس محمود العقاد، وهما القامتان الكبيرتان والرمزان المفضلان لديه، حيث يغني أدبهما عن أي لجوء إلى المشهيات فهو الغني بذاته، الثري بتفاصيله وعمقه ودلالاته وتنوعه، كذا كان الأديب الراحل يرى أن نجيب محفوظ لم يخرج عن قاموس اللغة المحافظة قط، ولكنه اعتنى بالصورة الجمالية في النص الروائي لضرورتها. وجدير بنا في هذا السياق أن نشير إلى أن فؤاد قنديل حصل على جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية عن جدارة، وهي إشارة إلى تأثره بالمنهج الإبداعي ومستويات الرؤية الفنية والبصرية عند أديب نوبل.
وحيث أن توفيق الحكيم من الكتاب المرموقين ورمزا من رموز الرواية العربية فقد أشار إليه قنديل كأحد أهم كتاب الأدب الفلاسفة واقفا عند بعض جواهره الإبداعية، «الرباط المقدس، السلطان الحائر، حمار الحكيم، يوميات نائب في الأرياف، الأيدي الناعمة»، وغيرها مؤكدا أن الحكيم كان مستحقا لجائزة نوبل باعتبارها مسوغا لعالمية الكاتب وهو الامتياز الذي استحقه وحصل عليه بالفعل نجيب محفوظ، معوضا تجاوز الجائزة ذاتها لطه حسين والعقاد أيضا.
إلى هذه الرموز الشامخة والزمن الذي وجدت فيه كان ينتمي الكاتب الراحل الكبير لذا فقد ظل محافظا متمسكا بنسق الكتابة المنتمية لهذا النوع مع القدرة على التجديد والتطور، فهو من صاغ ست عشرة رواية وعشر مجموعات قصصية بخلاف الدراسات والترجمات فضلا عن أربع روايات أخرى في أدب الأطفال، وتتسم معظم أعمال فؤاد قنديل التي نذكر منها، «الناب الأزرق وعشق الأخرس وبذور الغواية وأشجان وشفيقة وسرها الباتع» بالعمق والتحلي النفسي للأبطال ورصد مواطن القوة والضعف لديهم، وهو عودة إلى ما بدأناه عن تطويقه لمبادئ علم النفس والفلسفة والاستفادة من دراسته الأكاديمية في النفاذ إلى عمق الإنسان وإسقاط تجاربه على شخصيات الرواية والقصة وتأسيس قواعد البناء الدرامي، لا سيما أنه عمل في قطاع السينما والتمثيل ولا شك أن ظلالا من تلك الثقافة قد تركت أثرها في تكوينه وعملت على ترصين أسلوبه ووقوفه عند مسؤولياته، سواء كان كاتبا صحافيا وقياديا أو روائيا وقاصا محترفا.
كمال القاضي