هل بإمكاننا تصور المشهد الإنساني وصراعه الدرامي بمنأى عن حركة التاريخ وتطور المجتمعات ونشوء الحضارات وانحلالها؟
هل بإمكاننا تفادي أزمة الحضارة التي نعيشها اليوم؟ يؤكد آرنولد توينبي في منهجه فلسفة التاريخ على أن الفلاسفة والمفكرين الذين بحثوا قصة الإنسان ومسيرته وحوافز هذه المسيرة وأهدافها، قد أفزعتهم صور الدماء والأشلاء والضحايا والأهوال الفاجعة المجردة من المنطق، فها هو المؤرخ والسياسي اليوناني بوليبيوس يحدثنا كيف أنه شهد حريق قرطاجة وتطلع بأسى وحزن عميقيين إلى النار التي تلتهم المدينة الشامخة، واستشعر بأن هذا المصير قد يلحق بمدينة روما ذاتها، وقد تحققت نبوءته بعد خمسة قرون، إذ التهمت النار مدينة روما الخالدة التي أخضعت اغلب دول العالم لمشيئتها وإرادتها آنذاك.
وبعيدا ًعن الإشكالات الفلسفية وحكايا المدن المحترقة في ذاكرة التاريخ، دعونا نراقب ونشهد مسيرة الإنسان القادمة في هذا الماراثون المرعب.
العالم الآن يجري بسرعة هائلة وأحداث مجنونة لم يتوقعها إنسان العولمة الحديث قط، في هذه السنة تحديدا، التي تصادف الذكرى المئوية الرابعة لرحيل شكسبير، خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتعرضت مدينة نيس في فرنسا إلى مجزرة جماعية عندما قام أحد الأشخاص بقيادة شاحنة بضائع ودهس حشد من الناس المحتفلين بيوم الباستيل التاريخي، مخلفاً عشرات القتلى والجرحى. ومحاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، وعلى قائمة هذه الأحداث كانت فاجعة الكرادة التي هزت الضمير العالمي لوحشيتها ودمويتها.
لو ابتعدنا قليلاً عن رهانات الأسئلة الخاسرة وشكوى السياسيين المتذمرين ومتاهات التحليل السياسي، واقتربنا قليلاً من عمق النقطة التي فجرت هذا الصراع المغلف بالحقد والكراهية تارة وبالمثاليات المشوهة تارة أخرى، سنجد أن مجازر دموية كهذه ليست صنيعة أيديولوجية أو عقائدية، بل هي أجندة تقودها دول عدة على ساحة الصراع السياسي والاقليمي، وتمول هذه العمليات اقتصاديا ولوجستياً من رجال أعمال كبار ومنظمات سرية يتم التعاون معها في الخفاء. وتظهر هذه الجرائم فيما بعد على شاشة الإعلام الدولي وهي ترتدي قناعاً مذهبياً وطائفياً.
حادثة الكرادة بين الغموض والملفات المحتملة
تشير بعض الملفات الحكومية في حادثة الكرادة إلى أن السيارة المفخخة كانت مقبلة من محافظة ديالى، وقد عبرت الكثير من نقاط التفتيش التابعة لقيادة عمليات بغداد قبل وصولها إلى الهدف، وأشارت بعض التقارير الأمنية إلى أن المواد المستخدمة كانت من نوع السي 4 ونترات الأمونيا، لكن البعض ممن تراكمت لديه الخبرة الحربية والعسكرية أشار إلى أن الانفجار ناتج عن قبلة نيترونية صغيرة مع خليط من الفسفور، لأنها أحدثت الآثار نفسها التي حصلت لجنود الجيش العراقي أثناء الغزو الأمريكي في معركة المطار عام 2003، حيث اندلعت النيران على جانبي الطريق من دون أن تترك أي أثر أو حفرة تدل على انفجار سيارة مفخخة.
كما أن هذه المواد يجب أن تحفظ وتنقل في درجات حرارة باردة بإشراف بعض الخبراء والمختصين الكيميائيين، وليس في سيارة عادية وفي صيف يوليو اللاهب.
ويبقى الافتراض المحتمل والأكبر الذي أكدته اللجنة الدولية لحقوق الإنسان هو استخدام قنابل النابالم، نتيجة لطبيعة الحروق التي أصيب بها الضحايا، ولطبيعة حجم الانفجار وآثاره التي امتدت لعدة كيلومترات، فالمصاب بغاز النابالم يصــــاب بتسمم في الجــهاز التنفسي بأول أوكسيد الكاربون الناتج عن احتراق مكونات القنبلة ليسقط مغشياً عليه ثم يموت مختنقاً أو محروقاً، وهذا ما حصل لكثير من ضحايا الكرادة الذين نجوا بعد الانفجار وطمأنوا أهلهم هاتفياً بأنهم بخير وسيعودون للبيت.
وقنابل النابالم هي عبارة عن اسطوانات معدنية مخروطية الشكل تملأ بمادة سريعة الاشتعال، وعند ارتطامها بالهدف تتحطم وتنثر ما في بطنها من مواد مشتعلة على الهدف وما حوله، مولدة درجة حرارة عالية جداً تصل إلى 4000 درجة سيليزية تنصهر على اثرها حتى الحجارة، وهذا ما يفسر لنا بقاء الحريق لليوم الثاني، رغم محاولات إخماده من قبل سيارات الإطفاء، والعصف التفجيري الذي طال عدة أبنية ضخمة.
اقترن اسم النابالم باسم الهمجية الأمريكية وحروبها على الشعوب المستضعفة وتحديداً حرب فيتنام، حيث تناقلت وسائل الإعلام في حينها صوراً بشعة لمدنيين فيتناميين تعرضوا للقصف الأمريكي بالنابالم. ففي عام 1963-1967 ألقت أمريكا أكثر 100 الف طن من النابالم على الفيتناميين حسب تقرير البنتاغون.
تم اختراع قنابل النابالم خلال الحرب العالمية الثانية سنة 1942 عندما قام بعض الباحثين والعلماء الأمريكيين في جامعة هارفارد بخلط عدد من المواد شديدة الاشتعال مع مواد أخرى تكسبها لزوجة لتكون أكثر التصاقا بالهدف في حال إصابته.
واستخدمت أمريكا قنابل النابالم في الحرب العالمية الثانية وفي حربها ضد كوريا 1950-1953 وعلى مر السنوات قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتطوير تركيبة النابالم؛ لتصبح أكثر فتكاً واشتعالاً، وهي تستخدم للحرق لا للتدمير في تجمعات الأفراد في المناطق المفتوحة والتحصينات الأمامية للعدو. وقام الاسرائيليون أيضاً باستخدام النابالم في حروبهم ضد العرب وضد الفلسطينيين في غزة.
كل هذه الافتراضات والدراسات تدل على أن قنابل النابالم أو الفسفور الأبيض أو قنابل الوقود الهوائية لا يمكن أن تكون بيد جماعات أو أفراد «كتنظيم الدولة الإسلامية» وغيرها من الجماعات، بل هي نتاج دول لها مكانتها الاقتصادية والعسكرية وإمكانياتها العالية في خلق الحروب وافتعال الأزمات في دول المنطقة.
كان الشارع العراقي هذه المرة أكثر ذكاء وفطنة من السياسيين ولعبة تخفيهم خلف الأقنعة المذهبية والطائفية، فقد أدرك سر اللعبة وكان متجاوزاً للماكينة الإعلامية التي حاولت تزييف وعيه في كل مرة بصراع الهويات التاريخية واحتكار الحقيقة المقدسة.
الكرادة والبعد الرمزي في ذاكرة العالم
تتميز الكرادة بتنوعها الديني والمذهبي، فهي تمثل عراقاً مصغراً تتعايش فيه جميع القوميات والأديان والمذاهب، بطريقة تتماهى فيها المحبة والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، كما أنها تمثل ليبرالية حالمة للعراق الجديد والبعيد عن الذاكرة المتعفنة التي زرعها في أرضه الوافدون مع المحتل الأمريكي.
إن أمريكا المصابة بعقدة الحضارة والأرض، تحاول تصدير عقدتها هذه المرة إلى العراق، وهذا ما ظهر واضحا بعد الغزو، من خلال سرقة كنوز تراثية عمرها أكثر من سبعة آلاف عام، وتهريب بعضها إلى دول أخرى أو تحطيمه على يد أذنابها من المليشيات والعصابات المأجورة. ومسلسل القتل الدموي الذي ابتلي به العراق بعد الإحتلال يدل على الاضطراب النفسي والهوية المأزومة التي تعاني منها أمريكا وحروبها البربرية في القرن العشرين.
بعد أن أشعلت جميع المحافظات العراقية بكافة أطيافها الشموع حداداً على أرواح الشهداء، ونكست بعض الدول الأجنبية أعلامها ورفعت علم العراق، ربما سيصبح لمأساة الكرادة بعدا رمزيا قد يترسخ في الذاكرة العالمية فيما بعد كمدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين ومدينة غرنيكا الإسبانية. لم تدرك القوى الظلامية وعلى مر تاريخها أن العراق في كل مرة يسقط فيها كان ينهض أقوى وأشرس من قبل كأسد بابل، الذي يقف منتصباً لتمجيد انتصارات شعبه، وكعزيمة جلجامش في بحثه عن الخلود والحياة الأبدية.
لقد علمنا التاريخ دوماً أن الطغاة والقتلة يذهبون إلى مزابل العدم وتبقى الأسطورة حية ونابضة في تراث الشعوب. وعلمتنا الحياة أيضاً أن يموت الأبطال والأحرار كي يبقى المعنى خالداً.
٭ كاتب عراقي
أوس حسن