فازت بجائزة نجيب محفوظ… جدلية الفن والتاريخ في رواية «شوق الدرويش»

حجم الخط
3

الخرطوم ـ «القدس العربي» : «شوق الدرويش» رواية جديدة صدرت في نهاية العام الماضي عن دار العين المصرية للنشر، وهي من تأليف الكاتب السوداني المقيم في القاهرة منذ سنوات، حمّور زيادة وقد أثارت هذه الرواية جدلا طويلا، خاصة بعد فوزها بجائزة نجيب محفوظ وهي من الجوائز الكبيرة في عالمنا العربي، ودخولها القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية2015.
وتتناول الرواية الحياة السرية أو العالم السفلي المسكوت عنه في كواليس الثورة المهدية، خاصة موضوع الرق، وبيوت المريسة «نوع من الخمور المحلية تصنع من الذرة» والدعارة ، وتركز في بعض جوانبها على حياة المسيحيين وأعضاء بعثات التبشير بعد وقبل فتح الخرطوم، لذلك فقد وجدت نقدا كبيرا من أنصار الإمام المهدي.
ويرى البعض أن الرواية تناولت عهد المهدية من خلال رؤية المصريين للثورة، التي اعتبرها الخديويون مجرد حماقة دراويش، لذلك تعددت الكتابات والمصادر الإنكليزية المصرية التي سلطت الضوء على أخطاء خليفة المهدي في إدارة شؤون الدولة الوليدة، بعد وفاة المهدي مبكرا.
ووجدت هذه الرواية اهتماما كبيرا من النقاد المصريين وأفردت لها مساحات كبيرة في الصحافة المصرية التي تتعامل بحذر شديد، يصل إلى حد التجاهل، مع كل شأن سوداني. وعلى سبيل المثال فقد كتب عنها الناقد صلاح فضل مقالا في صحيفة «اليوم السابع» تتجاوز عدد كلماته 1600 كلمة وهي مساحة كبيرة جدا لم يحظ بها كاتب سوداني سوى الطيب صالح!
ويقول صلاح فضل إن حمور زيادة كاتب سوداني شديد الطموح، قفز إلى الصف الأول بحصوله على جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية هذا العام عن روايته المدهشة «شوق الدرويش»، وهو ينبش فيها عن جذور الشخصية السودانية منذ ثورة المهدي نهاية القرن التاسع عشر وعلاقتها الملتبسة بالشمال المصري، والبعثات التبشيرية والسلطة الإنكليزية.
وصف فضل الكاتب بأنه يحفر بجرأة في أعماق الوعي بالذات وتشكيل الخيال وعذاب الهوية الشقية عندما تتماهى مع الغيبيات فتصنع الأسطورة الناجعة من وقائع غرائبية وقسوة وحشية وتصور مغلوط لحركة التاريخ، لكنه ينفث في ثناياها ببلاغة سردية فائقة عطر الإدراك النافذ إلى أعماق الماضي وما يتبلور فيه من شوق للحرية وفتنة بالجمال يلتف بغلالة صوفية شفيفة تظل هي السمة المائزة لسلوك الناس مهما ضلت بهم قوافل الحياة وقست عليهم طبيعتهم الفطرية وظروفهم الإنسانية.
ويخلص الناقد صلاح فضل إلى أن هذه الرواية تظل في تقديره أحد الأعمال الكبرى التي تؤسس للوعي بجذور الشخصية السودانية بدرجة عالية من الإحكام التقني والرهافة الشعرية.
ويقول الصادق المهدي رئيس وزارء السودان الأسبق، وهو حفيد الإمام المهدي ولديه كتابات فكرية عديدة عن الثورة المهدية، إن الرواية مستمدة من الرؤية الخديوية عن الثورة المهدية، وليس الرؤية الشعبية في مصر، التي عبّر عنها محمد أحمد العوام وهو من مؤيدي الثورة العرابية، وكذلك عبّر عنها جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده وكان تعبيرهم إيجابيا.
ويرى الصادق المهدي في حديثه لـ«القدس العربي» أن السلطة الخديوية اعتبرت الثورة المهدية تمردا ويضيف: «تم وصفها بكل المظاهر الموجودة في رواية شوق الدرويش التي اعتمدت على مصادر كتبها أشخاص يكنون عداء كبيرا للمهدية، وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تشويه الثورة المهدية، فقد أصدرت دار الهلال قبل سنوات طويلة كتابا من تأليف جورجي زيدان عنوانه «فاتنة المهدي» ويقوم أيضا على رسم صورة مشوهة للثورة المهدية من خلال الفن».
ويقول المهدي إن أي ثورة فيها سلبيات، لكن المهدية رغم أنها وجدت معارضة من الطرق الصوفية وبعض القبائل التي شكل أبناؤها أساسا للطابور الخامس الذي عمل مع جيش كتنشر لإعادة احتلال السودان، فهي ليست بالسوء الموجود في رواية شوق الدرويش، ويرى الصادق المهدي أنه قام بعمل فكري كبير لوضع الثورة المهدية في مسارها الصحيح، بوصفها تيارا لليقظة الوطنية والدينية في السودان ورافدا من روافد الإحياء الإسلامي على مستوى العالم.
أما كاتب الرواية حمّور زيادة فهو يرى أن عمله محظوظ لأنه نال جائزة مهمة في مصر وتقدم في سبيل نيل جائزة البوكر العربية، ويضيف في حديثه لـ»القدس العربي»: «ردود الأفعال الطيبة تجاه الرواية وكذلك المنتقدة شيء يسعدني كثيرا ويدل على نجاح ها العمل وهي روايتي الثانية ضمن مشروع روائي، ولا استطيع أن أدافع أو أشرح ما قمت به فالرواية عمل أدبي يقبل قراءات ورؤى متعددة ومختلفة».
ويرى حمّور أنه استقى رؤيته الفنية من مصادر يزعم فيها الدقة، إضافة لتنوع زواياها، مثل مذكرات إبراهيم فوزي، وكتاب عبد القادر الكردفاني «هداية المستهدي في سيرة الإمام المهدي» الذي اعتمد على مخطوطات أصلية هي عبارة عن رسائل بين الخليفة عبد الله التعايشي وقائد حملة مصر الأمير عبد الرحمن النجومي وكذلك مذكرات بابكر بدري الذي وقع في الأسر.
أما رؤية الأوروبيين للمجتمع السوداني فقد استقاها الكاتب من كتب الرحالة وبعضهم كانت زيارته قبل قيام الثورة المهدية، بينما عبّر البعض الآخر عن تجاربهم في الأسر، ويقول زيادة إن الرواية تحمل عدة أصوات سردية تتناول الحدث وفقا لمرجعيتها، فهنالك من يتحدث عن «فتح» الخرطوم وهنالك من يتحدث عن «سقوطها» ويصف البعض المهدي بأنه بطل إسلامي ويراه آخرون درويشا متمردا.
ويقول حمّور، إن عمله اعتمد على الروايات والقصص الداعمة للثورة المهدية وكذلك الساخطة عليها لذلك ينظر كل فريق للرواية من زواية مختلفة.
ومهما يكن من أمر، فإن رواية «شوق الدرويش» جاءت متميزة من الناحية الفنية وفيها متعة كبيرة تجعل القارئ يلهث وراء سطورها وتخلو تماما من الملل والترهل وعنوانها الإثارة منذ أول سطر وحتى الكلمة الأخيرة.

صلاح الدين مصطفى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية