فاصل ونعود

■ هل هو السأم؟ أم هي اللامبالاة؟ أم هي حالةٌ من الإحباط؟ أم لعلها جميعاً مجتمعةً هي ما يشعر به كثير من المواطنين، العاديين جداً، ممن لا يملكون شيئاً في هذا الوطن الذي يتصادف حملهم جنسيته! تعددت تسمياتهم، من «أصحاب المصلحة الحقيقية» إلى «أولاد البلد» إلى «المهمشين» إلى «الكادحين»….الأكيد أن أعدادهم ازدادت طيلة الأربعة عقودٍ السابقة كلما دفع الفقر والضيق الاقتصادي مزيداً من الأسر إلى ذلك المحيط الضخم. كما أن الأكيد أن مصالحهم مهدرة تماماً لحساب ذوي المصالح الاقتصادية الكبيرة، سواء الجدد أو العائدين بقوة. أزعم أن سواد من يندرجون في هذه الخانة العريضة يشعرون بهذه المشاعر السلبية بهذا القدر أو ذاك وبنصيب متفاوت.
مرحلةٌ من خيبة الأمل يعيشها كثيرٌ ممن أملوا في التغيير وتحسن الأوضاع وعدل الميزان المختل، كما يركن الكثيرون ممن تشككوا في جدوى الحراك الثوري، دوافعه ومغزاه، إلى حالةٍ من الرضا القلق؛ في دواخل نفوسهم ثمة شيٌ ينبئهم بأن ما انكسر متناثراً يستحيل ترميمه، وأن تلك المرحلة مما يبدو هدوءاً نسبياً، المملة في حقيقة الأمر، والتي يأملون في أن يلتقطوا أنفاسهم فيها مستبشرين بفتوحات وإنجازات الرئيس السيسي، قد لا تدوم وقد تؤدي إلى سوء العاقبة…يخيفهم الإرهاب ولا يعلمون متى ولا كيف سيتم محاصرته والقضاء عليه، إن كان سيتم في الأساس…ويخشون ثورة ً أخرى بالطبع…فالحدث الثوري الذي فاجأهم فتح الباب على شتى الاحتمالات…هم يعلمون ذلك، وغاية ما في الأمر أنهم يكابرون…
فاصل…نحن نعيش فاصلاً، ليس لدي أدنى شك في ذلك. واهمٌ من يتصور أننا رأينا آخر ذلك الحدث أو العملية الثورية..من يخدعه ظاهر الهدوء المؤقت، حيث نشاهد جميعاً، كما في صندوق الدنيا عرضاً مستمراً، يختلط فيه العبث بالتدليس بالجنون بجرائم القذف الصريحة والتي تمر دون عقاب من إعلامٍ مسعور يعبر عن طبقة أكثر سعاراً وعصابيةً وتعطشاً للثأر. ليس عجيباً أن يشعر المواطن بالسأم واللامبالاة حين يحيط به كل ذلك الضجيج وكل تلك الاتهامات والتعيير بالفشل حين أعطيت له حرية نظرية للاختيار، في مقابل عدم تحسن ( إن لم يكن تدهوراً نتيجة الغلاء الكاوي في حقيقة الأمر) لأوضاعه المعيشية…ولكن العجيب هو عدم ملاحظة ما بات نمطاً متكرراً من الأداء أو السلوك على المستوى الأهلي، ويحاكي في حقيقة الأمر الأداء الحكومي …ترحيل السؤال الحقيقي (أو الأسئلة) وتجاهله: أين نحن ذاهبون؟!…الكلام كثير عن مشاريع واستثمارات مستقبلية وعائدات وضرورة العمل سوياً، لكن المعيشة، التي لم تكن مريحة من قبل، وما تني تزداد قسوةً تحت وطـأة الغلاء، لا تطيق صبراً…الكابح الوحيد هو ما تم بثه وتجري محاولة ترسيخه من فشل محاولة التغيير الثوري ومن ثم عبثية المحاولة، بالإضافة إلى الخوف من المجهول ومصائر سوداء ودموية كالتي حلت بدول الجوار، مع التغاضي المخل، بل المجهول أو المجهل، لفوارق جوهرية في طبيعة المجتمعات المعنية…ناهيك بالطبع عن تعليق أي فشلٍ في رقبة الإخوان، الأمر الذي صار هزلياً مغيظاً.
لا شك أن التحليل الموضوعي يشير إلى نجاح النظام في الجولة الحالية، على الأقل في شراء الوقت بمزيجٍ من الوعود والقفز إلى أفق الطموح بالمشروعات الضخمة (دون توضيح جدواها الاقتصادية) والقمع والعنف اللذين ارتفع سقفهما. لكنه في ذلك يراهن، ربما بصدق وحسن نية، على مستقبلٍ أكثر إشراقاً وانفراجةٍ اقتصادية لا يملك أدوات أيٍ منهما؛ ففي ما يتعلق بالاقتصاد ما زالت الانحيازات والاتجاه العام كما هما لم يتغيرا، وما زالت مصر لاعباً صغيراً على الساحة العالمية خاصةً في ظل ما يبدو من تباطؤ في الاقتصاد العالمي ليس أدل عليه من هبوط قيمة الأسهم في الصين بانعكاسات ذلك الكلية على مجمل ذلك الاقتصاد.
الهدوء الذي نراه ظاهريا في حقيقة الأمر وخادعا، يخفي تحت قشرته فوراناً وتفاعلاتٍ وبوادر صراعاتٍ تحوم وتدور ولن تلبث أن تنفجر كالبراكين… هناك شواهد عديدة على صراعاتٍ في أروقة السلطة ورجال الأعمال؛ على سبيل المثال لا ينبغي التعامل مع تصريح رئيس الأركان الأسبق بأنه «أجدع من السيسي بمئة مرة» على أنه مجرد ثرثرة ومحض «طق حنك». فقد فتح التغيير شهية الضباط برحيل مبارك ووصول واحدٍ من المؤسسة العسكرية التي عادت إلى صدارة المشهد بالسيطرة الفعلية على الدولة، خاصةً وأنه لم يكن الأعلى رتبةً ولا لامعاً ولا معروفاً، ناهيك عن تحالفاتٍ بين ضباطٍ بعينهم، سابقين أو حاليين، ورجال الأعمال وما يملكون من مقدرةٍ مالية وقنواتٍ إعلامية. هذا على مستوى الدولة، أما على المستوى الأهلي فهناك قانون الخدمة المدنية والتظاهرات الفئوية، خاصةً أمام ما يراه هؤلاء من إصرار الدولة على محاباة القضاة والضباط في رفع مكافآتهم المالية وزيادة امتيازاتهم الفائقة من الأساس.
نحن لم نر آخر 25 يناير، فالأزمات والتناقضات تفاقمت حتى عرفت طريقها إلى الشارع، وككل ثورةٍ مغدورة ستدخل مصر على سلسلة من التشنجات… ربما لن يكون جمهورها بالأعداد نفسها ولكنها ستكون أكثر حدةً واستماتةً وسيكون رد فعل النظام عليها أكثر شراسةً. فالأكيد أن المعادلة المعتمدة أيام مبارك من اصطناع بعض التحالفات وتجميد الصراعات قد اختلت لصالح القبضة الأمنية، التي صارت أكثر خشونةً وفظاظة بقدر ما صارت أكثر طيشاً بدليل تزايد عدد ضحاياها، وهو ما يعكس في رأيي ارتباكاً ومحاولةً يائسة لاستعادة الثقة بالنفس والانتقام.
لا ينبغي أن ينخدع أحد بحالة الهدوء المؤقت، البليد الذي نعيشه الآن…فقد تعلمنا في السنوات الماضية أن التغيرات المزاجية الحادة سريعة جداً في أوقات التغيير، وما دامت الانحيازات الاجتماعية كما كانت، فكلها مسألة وقت قبل أن تعلو التساؤلات عن مردود «المشروعات العملاقة» وبالتالي عن مشروعية الإنجاز المؤسسة لسردية النظام الحالية.
هو مجرد فاصل غير مرشح ولا مؤهل للاستمرار…مهما علا الضجيج فلا بد من محكٍ تختبر فيه مصداقية أو جدوى أي نظام، فما بالك بنظامٍ فاشل يمثل مرحلةً سابقة قامت عليها ثورة؟!…لا بد من ذلك الاختبار، طال الزمان أم قصر…لكنها تأتي ما في ذلك شك، وفي مصر ربما تأتي بأسرع مما يتوقع الناس.
كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية