فالس الإشتراكي يصف الإسلام بـ «الفاشي» و ساركوزي اليميني لا يريد رؤية محجبات في البلاد

حجم الخط
15

باريس : حين دعا مجلس أوروبا الحكومة الفرنسية إلى ضرورة التحرك من أجل وضع حد لانتشار أعمال الكراهية ضد المسلمين وتفشي ظاهرة الإسلاموفوبيا في البلاد،كانت منظمات حقوقية مدافعة عن الأقليات تدق بدورها ناقوس الخطر بينها تجمع مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا الذي كشف أن الأحداث المرتبطة بـ«معاداة الإسلام» ارتفعت بنسبة 70 في المائة شهر يناير الماضي هذا العام مقارنة مع ذات الفترة من العام 2014 الماضي.
و أظهرت إحصائيات الرابطة المتخصصة في رصد الاعتداءات ضد المسلمين في البلاد أنه في شهر يناير من العام الجاري شهدت فرنسا نحو 764 واقعة معادية للإسلام،و هي نفس الفترة التي تعرضت فيها فرنسا لهجمات دامية استهدفت صحيفة شارلي إيبدو الساخرة نفذها ثلاثة متشددين من أصول مسلمة و تسببت في مقتل عشرة صحافيين و شرطيين اثنين واحد منهما من أصول عربية.
و فيما سارعت الحكومة الفرنسية إلى تشديد القوانين الداخلية لمعاقبة المتهمين بما يسمى «معاداة السامية» في خطوة اعتبرها المختصون تحمل نوعا من المحاباة للجالية اليهودية بعد إعلان بعض أفرادها مغادرة فرنسا للعيش في إسرائيل بسبب تزايد الاعتداءات ضدها، لم تتحرك ذات الحكومة لسن قوانين مماثلة تعاقب المتورطين في الاعتداءات العنصرية ضد المسلمين.
و أشعل رئيس الحكومة الاشتراكية مانويل فالس غضب مسلمي فرنسا حين دعاهم إلى ما أسماه تحمل «مسؤولياتهم كليا» من أجل «محاربة الفاشية الاسلامية» غداة هجومي كوبنهاغن وتدنيس مقبرة يهودية في شرق فرنسا، دون أن يحدد من المقصود بمصطلح «الفاشية الإسلامية».
و أعلن رئيس الحكومة الفرنسي عن رغبته في اتخاذ تدابير تمنع تمويل المسلمين في فرنسا من قبل عدد معين من الدول الأجنبية في إشارة إلى بعض دول الخليج و المغرب العربي التي تساهم ماليا في تمويل مشاريع لبناء مساجد ة ودور عبادة و تسييرها، دون أن يعلن عن اجراء مماثل تجاه الجالية اليهودية في فرنسا التي تتلقى تمويلات مالية كبيرة من مجموعات ضغط من دول عدة بينها من إسرائيل.

و فيما التزم المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية و معه بعض التنظيمات التي تمثل الجالية المسلمة في فرنسا الصمت تجاه تصريحات رئيس الحكومة المعادية للإسلام والمسلمين، انتقد تجمع مناهضة الإسلاموفوبيا رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس، لاستخدامه مصطلح «الاسلام الفاشي»، معتبرا استخدام مثل هذه «العناصر اللغوية» مغذية للخلط بين الإسلام والإرهاب.
التجمع أعرب أيضا عن أسفه حيال قيام بعض المسؤولين السياسيين والإعلاميين بترديد اختصارات مثل «الإسلام الفاشي» و»الإسلام النازي» لوصف أعمال عنف اقترفت بشكل تعسفي باسم الإسلام،مذكرا بأن المسلمين خلال الحرب العالمية الأولى والثانية قد لقوا حتفهم في ساحات قتالٍ في أوروبا لمحاربة الفاشية والنازية، وساهموا في تحرير فرنسا من الاحتلال على حد تعبيره.
و حذر التجمع، المختص في رصد الاعتداءات العنصرية على المسلمين في فرنسا، من الوصم المستمر للفرنسيين المعتنقين للديانة الإسلامية، وهو الأمر الذي قد يزيد من الكراهية والعنف وبالتالي يفسح المجال أمام الإرهابيين لتنفيذ مزيد من الاعتداءات.
هجمات ساسة فرنسا لم تقف عند رئيس حكومتها الاشتراكي مانويل فالس، بل تعدتها إلى أحزاب المعارضة حين شن فجأة نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق ورئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني حربا على ارتداء المسلمات للحجاب في فرنسا، حين أعلن صراحة أن على مسلمي فرنسا أن يبذلوا جهدا من أجل التأقلم مع علمانية فرنسا من خلال التخلي عن ارتداء الحجاب. وأعلن ساركوزي صراحة معارضته لتواجد نساء يرتدين الحجاب على أراضي بلاده، مبديا في ذات الوقت رفضه لعدد من الممارسات للجالية المسلمة من قبيل صلاة بعض المسلمين في الشوارع ورفض المسلمات معالجتهن من قبل طبيب رجل و اختيارهم لطبيبة امرأة على حد قوله.
و بحسب الرئيس الفرنسي السابق فإن الإسلام مدعو لبذل العديد من الجهود ليتلاءم وقيم ومبادئ المجتمع الفرنسي، قبل أن يشير إلى أن بلاده تعيش حاليا تجاذبات قوية، وبالتالي لا يمكن القبول بممارسات تفضي إلى إنتاج شروخ وأعمال عنف في البلاد، معلنا في ذات الوقت أن «العلمانية تأسست في خضم الألم بفرنسا»و أن «هناك مجموعة من الممارسات والتصرفات للمسلمين في البلاد لا يمكن قبولها لعدم انسجامها مع قيم الجمهورية المبنية على المساواة بين الرجال و النساء»، ضاربا المثل بالحجاب، قبل أن يستدرك قائلا «لا نريد نساء محجبات في بلادنا».
و قوبلت تصريحات ساركوزي حول الحجاب باستهجان مسلمات كثيرات استغربن ربط الرئيس الفرنسي السابق الطامح إلى العودة إلى قصر الإيليزيه مرة ثانية في انتخابات العام 2017 الرئاسية القادمة وربطه حجابهن بمبدأ المساواة بين الرجال و النساء.
و عبرت إيمان عويمر رئيسة جمعيات حوار الثقافات في حديث لـ»القدس العربي» عن استغرابها من التصريحات الصادرة عن ساركوزي ضد المجحبات، متسائلة «إذا كان ساركوزي لا يريد رؤية نساء محجبات في فرنسا فلماذا إذن يشارك في مؤامرات مدفوعة له بالملايين من اليورو في بعض دول الخليج حيث تغض القاعة التي يحاضر فيها بالمحجبات؟».
و أضافت «واضح جدا أنه يلعب في ملعب اليمين المتطرف لجلب مزيد من الأصوات الانتخابية مستقبلا،لكن بصراحة أقولها إن كان هذا هو البرنامج الذي سيبني عليه ساركوزي حملته الانتخابية للخروج من الازمة الاقتصادية التي عشعشت في فرنسا لعشرة أعوام منذ وصوله الى الرئاسة عام 2007 قبل أن يسقط في انتخابات العام 2012، فأنا على يقين أن فرنسا سوف تطلب مستقبلا المعونة من الصين لأن مشكلة البلاد هي مع ارتفاع أرقام البطالة و هروب رؤوس الأموال وعزوف المستثمرين عن المجيء إليها و ليس المسلمين أو الحجاب».
من ناحيته يقول الدكتور مصطفى الوردي المختص في الشؤون الفرنسية لـ»القدس العربي» أنه «خلافا لما يقوله ساركوزي، فالحجاب في فرنسا لا يمنع المسلمة قانونيا أن تكون مساوية لأخيها الفرنسي كيفما كان، مسلما أم غير مسلم، في الإرث وفي الشهادة أمام المحاكم إلى غير ذلك»، مؤكدا أن تصريحات ساركوزي و معه رئيس الحكومة الاشتراكي مانويل فالس هدفها فقط كسب أصوات انتخابية خلال المحطات القادمة في البلاد.
أما الدكتور خطار أبو دياب أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس فيتعبر أنه»يبدو البون شاسعا في المقارنة بين سعي فرنسا لاستمالة الإسلام والمسلمين في فترات سابقة، وبين الخطابات والأساليب الحالية التي تقارب الإسلام في الداخل الفرنسي وخاصة على ضوء خضات تترك أثرها في اللاوعي الجماعي مثل الحادث ضد صحيفة شارلي إيبدو. إزاء حالة الاحتقان انبرى الرئيس فرانسوا هولاند بالذات إلى الدعوة لعدم الخلط بين الإرهاب والإسلام والمسلمين، لكن عدم مشاركة شباب الضواحي في تجمعات 11 كانون الثاني (يناير) ضد الإرهاب وصعود خطاب الإسلاموفوبيا، كانا مؤشرا إلى وعكة أصابت النموذج العلماني الفرنسي، وجرس إنذار في ما يخص تماسك المجتمع وحصانته».
و أضاف «عبر تاريخها كان لفرنسا مع الأديان شؤون وشجون، فالثورة الفرنسية حاربت المسيحية الكاثوليكية، والبروتستانت لم يستقروا في المشهد إلا بعد حرب أديان، واليهود لم تقم مؤسساتهم إلا في عهد الإمبراطور نابليون، والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لم ير النور إلا في أوائل هذا القرن»، مؤكدا أنه «من حيث حرية العبادة للمسلمين الذين يجاور عددهم الستة ملايين، فإن الإشكالات محدودة وأغلبها لا يأتي من السلطات بل من تيارات دينية سلفية وراديكالية تدعو إلى الانكماش أو القطيعة. لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في ذلك ولا في انعكاس حراك الشبكات الجهادية العالمية، بل في البعد الاجتماعي والثقافي لأوضاع الشباب المهمش بشكل عام، والشباب المسلم بشكل خاص».
أما أوليفيي روا، الباحث الفرنسي المتخصص في الدراسات الإسلامية، فقد تساءل عما إذا كانت المشاعر المشدودة التي اجتاحت فرنسا خلال الأيام التي أعقبت الهجوم الدامي على صحيفة شارلي إيبدو هي نتيجة شعور عارم بالرعب، أم أنها تعبير عن تضامن وطني، مؤكدا في ذات الوقت أن حرية التعبير في فرنسا تعرضت من قبل وستتعرض لتهديدات أخرى. بل الأخطر هو أن ما جرى تحول إلى سجال ثقافي وقضية رأي عام طرح معها سؤال وجودي من الأساس هو سؤال العلاقة بين الإسلام والعنف، وهو ما يقود للتساؤل أيضاً عن موقع المسلمين في فرنسا».
و أضاف الباحث الفرنسي «هذا سؤال وجودي حقاً، لأنه يتعلق جوهرياً بقضية التعايش داخل المجتمع الفرنسي، الذي يزعم البعض أنه مهدد بوجود سكاني مسلم، يرونه أبلغ تأثيراً من أن يكون مجرد ظاهرة ديموغرافية، وفق الرأي السائد الآن. وفي الوقت نفسه يطرح أيضاً سؤال خطر تفاقم الخوف من الإسلام أو ما يعرف بالإسلاموفوبيا بسبب أعمال إرهابية يقوم بها أفراد لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة. وكل هذا يدعو للحذر من تفاقم العنصرية والكراهية وتهديد قيم العيش المشترك بين مكونات المجتمع المتعددة».
و في رده عن سؤال بخصوص كيفية الحد من اتساع ظاهرة العداء للمسلمين في فرنسا يقول الباحث المتخصص في الشؤون الإسلامية أن «أخطر ما يمكن أن يقع هو تفاقم الموقف السلبي تجاه المسلمين في فرنسا، ولذا فلابد من مقاربة أكثر وعياً وحذراً في التعامل مع مثل هذا الحدث العنيف، الذي لا يجوز بحال وصفه بأنه 11 أيلول (سبتمبر) فرنسي، ولا ربطه بحضور سكاني مسلم واسع وراسخ في فرنسا، منذ زمن بعيد».
و في هذا خضم اتساع ظاهرة الاسلاموفوبيا في البلاد يتوقع خبراء الاقتصاد أن تخسر فرنسا مليارات اليورو بسبب حوادث كراهية الإسلام والمسلمين، خاصة وأن عائدات الحلال الفرنسية التي تقدر حاليًّا بـنحو 7 مليارات يورو سنويًّا، يمكن أن تتضرر مستقبلا ما لم تتدخل الحكومة لاتخاذ إجراءات تحد من تزايد الحوادث العنصرية ضد المسلمين في البلاد و الخلط بين الإسلام و الإرهاب.
و في هذا الإطار يقول الخبير الاقتصادي و الأستاذ المحاضر في معهد الدراسات الإسلامية بباريس الدكتور لطفي بلحاج إن «صناعة الحلال» في فرنسا قد تخسر كثيرا مقابل تصاعد نمو الميزان التجاري للمنتجات الحلال في العالم لتصل إلى تريليوني دولار في العام 2023».
وأعطى الخبير الاقتصادي أمثلة ببعض الشركات الفرنسية العاملة في المجال و التي يمكن أن تتضرر معاملاتها بسبب ذلك في الخارج بينها مجموعات «لوريال» لمستحضرات التجميل وحليب «نسلة» و كلاهما يخضعان لمعايير الهيئة الماليزية للتنمية الإسلامية (جاكيم) بعدم استخدام شحم الحيوانات والكحول في منتوجاتهما، حيث حاز 85 مصنعًا من مجموع مصانع «نسلة» الـ456 المنتشرة في العالم على شهادة الحلال منها.

محمد واموسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية