فايبا: رابر يقلب الطاولة ويعيد خلق اللّغة

حجم الخط
0

المتمعّن في ساحة الراب في تونس منذ انتشاره بداية التسعينيات، سيلاحظ جليا توجّه الجميع إلى الراب السياسيّ الجادّ. كان الرابر التونسي في تلك الفترة، وحتى بعد الثورة، يضع موسيقاه بالكامل في خدمة قضية ما، أصبح مرتبطا بشكل متزمت بالواقع وسجين معجمه.
استمرت تلك الصورة النمطية في الانتشار وترسخت في أذهان المتابعين إلى حين ظهور شاب نزق يدعى فايبا (اسمه الأصلي قيس) لفت الأنظار وحجز مكانه تدريجيا على السّاحة بأسلوبه الخاصّ الذي طوّره وصقله على مقاسه.
فايبا، ابن مدينة رادس في العاصمة تونس، لا يلقي بالاً للنمطية الذي يسعى وراءها كلّ الرابرز بعد الثّورة ولا يلقي بالا لعدد المشاهدات في قناته على اليوتيوب. يكتب كلماته ويؤدّيها دون أيّ مجهود فهو لا يسعى لمنافسة هذا أو ذاك بقدر مع يبحث عن النجاح الذّاتي. هو مفرط في لامبالاته، ولا يهمه أن يعير اهتماما بالقوانين. من غير الممكن أن تتنبأ بما يمكنه فعله أو قول. يضع نفسه في سباق متواصل مع ذاته، وقد يخطر له أن ينسحب ويترك المضمار خالياً والمستمع يتخبّط في حيرته. نجح فايبا في خلق نمط جديد من الراب اٌلمُمَسْرَحْ، وهو راب تنسى أو تتناسى فيه التّقنيات المستخدمة والمرجعيّات الموسيقيّة لتوجّه كلّ إهتمامك إلى ما وراء الصّوت أي ذلك الأثر الذي تتركه الكلمات وكأنّها موسيقى متخفيّة تظلّ قابعة تنتظر المستمع ليكتشفها ويفك شيفرتها إذ أنها لا تشبه بتاتا الموسيقى النمطية التي تحيل على مرجعيات واضحة وتجعلنا نربط الرابر في دائرة معينة.
لعلّ أبرز ما يميّز موسيقى فايبا هو عدم الثبات على نمط واحد ومحاولة التّجديد من خلال التعويل على تنويعات موسيقيّة متعدّدة، فالبنية اللحنية تتغير بتغير الأغاني وهو ما يؤكد البحث المتواصل عن التجديد.
في أغنية «تُونْسِي اُللُّطِفْ» (2011) يبدو الإيقاع بطيئا متكرّرا مع نوتات بيانو كخلفيّة ترافق أداء هذا الشاب الذي يلقي النصّ بأريحيّة تجعله متخلّفا، في أغلب المقاطع، عن اللّحن. فارق الزّمن بين البيتْ والرابر هو ما يضفي بعدا خاصا على أداء فايبا وهو ما يتجلى في أغنية «شَنَّعْتُوهَا» (2012) والتي تتميّز بنسق سريع وإيقاع ثقيل، كذلك أغنية «إِقْلِبْ منِظْرِكْ» (2012) أين تضفي القوافي نغما حماسيا يمتزج بنوتات موسيقيّة حادّة تلفّ صوت الرابر فتسايره تارةً وتتأخّر عنه طورا.
ولا يعوّل فايبا على العيّنات الصوتيّة والإيقاعات المرحة فقط بل يحاول تطويع صوته أثناء الإلقاء ليتفرّد بتدفّق مباشر ومتموّج وهو ما يظهر في أغنية «كَسِكْرُوتْ» (2016) التي تتميّز بإيقاع إنسيابي وهادئ مع نوتات بيانو إلكتروني حادّة.
لمجموعة «الدبو» دور هام في مسيرة فايبا وفي تكوينه، إنها بمثابة العائلة التي وجد فيها الشاب توازنه وبدأ منذ سنوات في بناء مشروع موسيقي متكامل.
تضم المجموعة عدة رابرز كماسي، إمباير، تراباو داب أم دي. يجمعهم حب الهيب هوب ويشتركون في مبادئ وضعوها وأصبحت ديدنا متبعا وعرفا جاريا بينهم : عدم الإلتجاء إلى التراب أو تقديم راب تجاري. يمكن أن نصنفهم ضمن الرابرز المتشبثين بثقافة الهيب هوب النقية ولا تروقهم الأعمال الهجينة (أقصد هنا الثنائيات التي تجمع بين رابرز وفنانين شعبيين) لأعضاء الدبو طابعهم الخاص، أصالة يترجمها يترجمها كل واحد منهم على طريقته.
من هذا الجو خرج فايبا ومن هذه المجموعة عزز حبه للهيب هوب، وسعى لأن تكون موسيقاه ترجمة لهذه الفلسفة أي محاولة التجديد مع المحافظة على روح وأساسيات هذه الثقافة، وهو ما انعكس على أسلوبه المتميز بالإنسانية الإيقاعية والتدفق المباشر والسلس. فعالمه الموسيقي يرتكز أساسا على لامبالاة تامة بالوقت مع خلق حيز زمني خاص يلج من خلاله إلى مستوى غير معهود في الإلقاء فيسرع ويخفض من النسق على هواه مع تحكم كبير في النص الذي يعتبر هاما في الراب الذي يقدمه فايبا. أطلق فايبا مؤخرا ألبوم وفيديو كليب من إنتاج «الدِّبُو» وقام بإطلاق حملة للتعريف بالعمل على شبكات التّواصل الإجتماعيّ. أوّل أغنية في الألبوم «مدهش» والتي صُوِّرَتْ فيديو كليب بإيقاع حيث يلقي فايبا نصّه بتدفّق سلس ومتعرّج مع التّضييق على المساحات الصوتيّة في اللاّزمة، هذا النّسق السريع والموسيقى الإلكترونيّة تذكرنا بستايل الرابر الأمريكي تَايْلِرْ. يشترك الإثنان في بناء عالم قوامه المرح والسوريالية. نلاحظ أن أداء فايبا وحركاته وسكناته تذكرنا بهذا الأمريكي اللامبالي الذي يقدم موسيقى على مزاجه. إنه رابر غير منضبط، فوضوي وموسيقاه لا يمكن أن نستسيغها منذ الوهلة الأولى خاصة مع طريقته الغريبة في تقطيع البارات وتدفقه المنكسر. في ألبوم فايبا نجد عدة نقاط تشابه مع هذا الرابر الأمريكي خاصة فيما يتعلق بعدم الانصياع للبنية اللحنية وفرض نسق خاص يخلق فارقا بين الإيقاع والأداء.
يحتوي الألبوم على 10 أغان تبرز تأثّر فايبا بالأولد سكول مع توظيف ذكيّ للموسيقى الإلكترونيّة، الروك والمزود. لقد تعامل هذا الرابر مع الألبوم وكأنّه مساحة خاصّة للتّجريب وصلت حدّ توظيف عيّنات صوتيّة لأهازيج مدارج الجماهير الكروية كما في فِيتْرِينَا إذ تبدأ الأغنية بقرع طبول يتكرّر ثمّ تنطلق أهازيج الفيراج ليدخل فيبا، بعد ذلك، بتدفّق منكسر يجاري الإيقاعات التي تطغى على اللّحن.
ولموسيقى الروك أيضا حضور في الألبوم من خلال أغنية «فرِيجِيدَارْ» أين يلتقي التدفّق المباشر لفايبا مع هزّات أوتار غيتار إلكتروني لينتقل المستمع إلى عالم عجائبيّ قوامه المزج بين سرعة إيقاعات موسيقى الراب وصخب موسيقى الروك.
وتتواصل رحلة المتلقي مع المفاجآت، التي يتضمّنها الألبوم، مع أغنية تْرُوشكيكْ والتي تُفْتَتَحُ بإيقاعات آلة الدربوكة مع ألحان آلة المزود؛ يُصْدَمُ المستمع بهذا المزج بين الراب والمزود لكن سرعان ما تألف الأذن هذا التّناغم. رغم محاولات الرابرز في تونس لتجديد موسيقاهم وتحسين أدائهم، فإنّ ذلك لا يضاهي تجربة فايبا في ألبوم «أذاكة إلّي بيك» إذ يضرب هذا الشاب بكلّ القواعد عرض الحائط ويستدعي مرجعيّات موسيقيّة جديدة (روك، مزود..) ليدخلها في الفضاء الذي يتحرّك ضمنه. هكذا تمكّن من توسيع الآفاق فأعاد خلق اللّغة وحطّم الحواجز القائمة بين مختلف الأنواع الموسيقيّة، فخلق جوا وستايل خاصا زاد من تفرّده على الساحة التونسيّة والعربيّة.
sh

فايبا: رابر يقلب الطاولة ويعيد خلق اللّغة

ضياء بوسالمي- تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية