«فايننشال تايمز»: خسارة تنظيم «الدولة» للأراضي لم توقف «حيتانه» ولا تهريب أمواله للخارج

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» في تقرير أعدته مراسلتها إريكا سولومون وأحمد المهيدي عن الجهود التي يقوم بها تنظيم الدولة لنقل ما يستطيع من أموال وأرصدة ثمينة خارج المناطق التي يخسرها ويتراجع نفوذه فيها. وقالت: إن أنظار المسؤولين الأمنيين متركزة الآن على مدينة أنطاكية جنوب تركيا التي يشك أنها أصبحت الممر للتحويلات المالية. وتحدثت عن عمار، صاحب محل صرافة صغير بالمدينة يقوم بتحويل الأموال للاجئين السوريين من وإلى الخارج. إلا أن زواراً جدداً غير اللاجئين بدأوا يحضرون للمحل في الصيف. وطلب منه رجال المخابرات الكشف عن حساباته والتحويلات التي يقوم بها، وصاروا يزورونه كل أسبوع. وقال: إن جاره صاحب دكان سجن 3 أشهر. وهو لا يعرف سبب اهتمام المخابرات به، فهو لا ينتمي للجماعة الجهادية ولا جاء من منطقة سيطرت عليها. وفي الوقت الذي زاد فيه التحالف الدولي بقيادة أمريكا من الجهود لملاحقة الجهاديين في معاقله بدأ التنظيم «حملة صامتة» لتهريب المال من مناطق ما أطلق عليها «الخلافة». وقال أحد تجار السوق السوداء ساخرا: «يقومون بتقسيم ميراث العائلة» و»سيوزعون المال في كل مكان ولمواصلة العمل للمنظمة بعد نهاية الخلافة».
وتعلق الصحيفة إن السباق لإخراج المال يثير قلق الحكومات الغربية مع تحول ميدان المعركة من سوريا والعراق إلى العواصم الأوروبية. ومع توزيع المال على مناطق مختلفة يخشى المسؤولون الأمنيون من استخدامه لشن هجمات جديدة. وفي عام 2014 منحت سيطرة التنظيم على نصف الأراضي السورية وثلث الأراضي العراقية وتحكمه بمصادر طبيعية فيها الفرصة لبناء خزينة مال ضخمة جعلته من أكثر المنظمات الإرهابية ثراء. واستخدم موارد النفط والمعابر الحدودية والضريبة لتوليد مئات الملايين سنويا للخزانة التابعة له. إلا أن حظوظه المتراجعة منذ عام 2015 وخسارته الموصل والمعركة الجارية حول الرقة ومحاصرة النظام السوري لمدينة دير الزور تعني عودته كما يرى الخبراء إلى أسلوب حرب العصابات من جديد. وفي مقابلات أجرتها الصحيفة مع فارين من مناطقه قالوا إنه لا يزال يقوم بجهود حثيثة لإنتاج النفط وفرض عملته وعقد ما يمكنه من صفقات والقيام بمحاولات تحويل أموال واستثمارات تجارية.
وينقل التقرير عن ريناد منصور، المحلل في تشاتام هاوس- لندن « أصبح هذا أولوية لهم في ضوء خسارتهم المناطق» و «هم بحاجة للحفاظ على التأثير المالي والسلطة». ويقول تجار: إنهم يشاهدون يوميا قوافل «الحيتان» وهو لقب الشاحنات الكبيرة التي تحمل 220 برميلاً من النفط الخام، 60 عربة أحياناً، وهي تعبر الصحراء في طريقها لمناطق الحكومة. وبرغم الغارات التي استهدفت المنشآن النفطية إلا أن التنظيم لم يفقد قدرته على إنتاج النفط الخام. وقال صاحب مصفاة تكرير نفط مؤقنة في دير الزور: «لم يتوقف النفط أبداً، والناس بحاجة له وتنظيم الدولة يريد بيعه والتجارة تظل مستمرة». ولاحظ محللون في «أي أتش أس ماركيت» للتحليل المالي انخفاض 88% في موارد التنظيم الشهرية مقارنة مع بداية عام 2015. فيما يقول المركز الدولي لدراسة العنف إن التنظيم خسر 90% من آبار النفط. ومع ذلك تظهر مقابلات مع عاملين في صناعة النفط السورية أن التنظيم لا يزال قادراً على تحصيل مليون دولار يومياً من بيع النفط. واحتفظ بسعر البرميل من 20-45 دولاراً حسب نوعية النفط. ويتذكر تاجر هرب إلى تركيا كيف قام بزيارة حقل نفط بعد دقائق من شن التحالف غارة عليه. وعندما طلب تخفيضات لأن التراب اختلط مع النفط جاءه الرد: «دع النفط يسيل على الأرض ولن نخفض سعره ولو دولارًا واحدًا» ويضيف: أن «تنظيم الدولة دائما يبيع. وقد يتوقف المبيع بسبب الغارات لكن السعر لا يتغير». وبرغم خسائره المناطقية إلا أنه لا يزال يتحكم بحقلي النفط المهمين في سوريا: العمر والتنك وبقدرة انتاجية 25.000 برميل في اليوم. ويقول تاجر وقود: «يحصل تنظيم الدولة على أرباح جيدة حتى لو لم يعد الإنتاج كما في السابق إلا أنه صار أكثر ربحاً». وربما كانوا ينتجون الضعف قبل عامين أو حتى أربعة أضعاف إلا أنهم خسروا مناطق وقلت بالتالي نفقاتهم».

سوق النظام

وكان التجار قد توقعوا في بداية العام أن يخفف التنظيم من إنتاجه بعدما أغلق التحالف ممرات مهمة للتجارة في شمال – غرب سوريا حيث كانت من أهم الأسواق الخارجية. وبدلاً من ذلك ضاعف من جهوده باتجاه مناطق النظام. وتعتمد حكومة دمشق على إيران لتوفير الوقود لها وأظهرت ميلا لوقف الشحنات للضغط عليه. ويقول تجار: إن وسطاء النظام فتحوا مكتبا في صبحة التي يسيطر عليها التنظيم حيث ينتظر السائقون كل يوم لقيادة «حوت» بأجر 130 دولاراً. وعلق أحد التجار: إن «بيع النفط للنظام أصبح عاديا في الأشهر الأخيرة» و «برر الإمام في خطبة الجمعة بيع النفط قائلا: إن هناك فتوى بعدما اشتكى ناس وقالوا إنه عار». وقبل ستة أشهر بدأ بفرض عملته التي صكها في عام 2015 وهي «دينار» ذهبي و «درهم» فضي و «فلس» نحاسي. وتنقل عن صيدلاني من دير الزور فر منها حديثا قوله: إن السكان تجاهلوها في البداية إلا أن التنظيم فرضها عليهم خاصة عند دفع فواتير الكهرباء والماء والزكاة. ثم عمم استخدامها في الأوقات جميعها. ويقول تجار العملة: إنهم مجبرون على مبيع ما لديهم من ليرة سورية أو دولار أمريكي لـ «مكتب التجارة» التابع للتنظيم الذي يحاول التخلص من كل ما لديه من عملات يمكن استبدالها.

احتكار العملة الصعبة

ويعلق صاحب محل مواد غذائية في دير الزور: إن الجهاديين يريدون احتكار سوق العملة الصعبة ويقومون بأخذ ما توفر منها في السوق. ويستثنى من هذا التجار الذين يحضرون البضائع من المناطق الخارجة عن سيطرة الجهاديين وكذا الذين يشترون النفط. ويتم بيع الدينار الذهبي الذي يزن 4.25 غرام بسعر أعلى من سعر الذهب في السوق (45 دولارا للغرام). ويقدر تجار محليون أن التنظيم باع أكثر من 100.000 دينار ذهبي مقابل مئات الألوف من الدولارات. ولأن التحالف الدولي قلق من إمكان خروج مال التنظيم إلى دول أخرى فقد استهدف تجار عملة يشك أنهم يقومون بتسهيل المهمة. ففي حزيران/ يونيو شن الطيران غارة قتلت تاجر العملة سمير إدريس الذي قالت القيادة المركزية: إنه «مبيض دولي للأموال» نيابة عن تنظيم الدولة. ويقول تاجر عملات: إن إدريس لم يكن قبل عامين قادرا على فتح محل عملة لكنه فتح محلين في غضون شهرين. ويعتمد الجهاديون على نظام الحوالة الذي يصعب متابعته لنقل الأموال وشراء الأسلحة. وبسبب تشرد وحاجة 80% من السوريين للمال صارت «الحوالة» وسيلة مهمة لنجاتهم. وبسبب العقوبات التي يفرضها الغرب وكذا التعرفات التي فرضت على نقل الأموال ومكافحة الإرهاب أصبحت أهم وسيلة لنقل المال. ويقول تاجر العملة في أنطاكية: «إذهب إلى أية قرية في سوريا وستجد على الأقل مكتبا للحوالة» ولو توقفت لمات الناس. ويقول تجار عملة: إن التنظيم أقام علاقات مع تجار ينقلون الطعام والدواء لنقل مئات آلاف الدولارات. وقال بعضهم: إن إدريس قبل مقتله حوّل 10 ملايين دولار إلى بلدة سمردا، شمال- غرب سوريا. وقال أحدهم: إنه أحصى 25 مليون دولار حوّلت إلى سمردا في الأشهر الأخيرة حيث يتم تهريبها بسهولة إلى تركيا. وقتل التحالف ثلاثة تجار عملة هذا الصيف: إدريس وفوزي الراوي وبسام الجيفوص. واكتشف المسؤولون العراقيون أن لتنظيم الدولة محال صرافة في بغداد ومناطق أخرى. كما اكتشف الجهاديون أهمية استثمار المال في الفنادق والمجموعات الدوائية والمستشفيات. وحذر تقرير للمجلس الأمني التابع للأمم المتحدة من استغلال التنظيم فرصة إعادة إعمار العراق وسوريا والمساهمة بالتمويل.

«واشنطن بوست»: في غرب الموصل… المنازل تحولت إلى قبور

في الموصل التي حقق فيها الجيش العراقي «نصراً حاسماً» على تنظيم الدولة يكتشف الأهالي صورة قاتمة مختلفة. فآية عبوش وجدت شقيقتها في البيت الذي قضت فيه آخر لحظاتها محاصرة مع أطفالهم بالقصف من الجو. كانوا وسط ركام من الأنقاض والنفايات. وتعرفت عبوش إلى ابن أختها محمود، 6 أعوام حيث بدأ عمال الإنقاذ البحث عن أكياس للف الجثث المتعفنة. ووضع جثة أختها ساجدة، 28 عاماً وابنها الآخر بكر، 9 أعوام. وتعلق صحيفة «واشنطن بوست» «هذا هو منظر النصر التاريخي قبل أسابيع. الذي قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إنه أنهى احتلال تنظيم الدولة المؤلم للموصل وشل طموحاته البغيضة في الشرق الأوسط. كانت هناك احتفالات صاخبة لرفع الأعلام مع أن رئيس الوزراء ذكر العراقيين بالدم والتضحيات» التي حدثت في المعركة الطويلة.
وتعلق الصحيفة: «الآن فقط يظهر الثمن الفظيع للنصر في أحياء المدينة القديمة التي سوّيت بالتراب بسبب الغارات الجوية والقصف المدفعي والتفجيرات الانتحارية. وتحت وابل من القصف تحولت بيوت مكتظة بالعائلات إلى قبور». وتضيف الصحيفة: إن آلاف القتلى الذين سقطوا في العملية جعلت الكثيرين يتساءلون عن الكيفية التي أدارت فيها القوات العراقية والطيران الأمريكي المعركة. وزاد القلق على مصير المدنيين في وقت ضاعفت فيه المقاتلات الأمريكية من غاراتها لدعم القوى التي تدعمها واشنطن في المعركة الدائرة بمدينة الرقة لاستعادتها من مقاتلي تنظيم الدولة. ويقول ناجون للصحيفة: إن أشكال موت المدنيين تكررت مرة بعد أخرى، وقالوا: إن التنظيم كان يختطف العائلات ويحصرها في بيوت يعتلي سطوحها قناصته الذين يقومون بإطلاق النار على القوات العراقية التي تستدعي طيران التحالف أو تقوم بقصف المكان بالمدفعية من دون أي اعتبار للمدنيين المحاصرين فيه، وتحولت الطوابق الأرضية التي اختبأ فيها الناس إلى قبور. وتعلق الصحيفة: إن عدد القتلى غير معروف بعد، وهو سر تحتفظ به الحكومة الخائفة من توجيه اتهامات لها بأنها لم تتوق الحذر في تعاملها مع المدنيين. ومع ذلك يمكن العثور على إشارات عن الضحايا وعددهم.
ففي مشرحة المدينة هناك 900 اسم لمن تم انتشالهم من المدينة القديمة منذ 24 حزيران/يونيو. ولدى قوات الدفاع المدني قائمة بـ 300 موقع تنتظر عمليات التفتيش ولم يتم الوصول إلا لثلث المواقع. وتعثر فرق الإنقاذ أحيانا على جثة واحدة وفي أخرى العشرات. هذا خلافاً للمئات الذين دفنواعلى أيدي عائلاتهم أثناء القتال، في حدائق البيوت أو قبور مؤقتة ومناطق فارغة. ونقلت الصحيفة عن مسؤول في المشرحة قوله: «بناء على الأرقام لا توجد ثلاجات كافية لاستيعاب الجثث في العراق». وتنقل عن محمد علي محمد الذي فقد 17 من أفراد عائلته قوله: «لم تكن هناك رحمة، يقتل قناص برصاصة أو صاروخ، وحتى يُقتل قناص واحد يتم تدمير سبعة بيوت». وتقول الصحيفة: «لو كانت معاناة الموصل تحمل درساً، فهو أن الحكومة لا يمكنها أن تتخلى عن سكان المدينة أبدا وتثير الشكاوى نفسها التي استغلها المتطرفون. ولكن في المشرحة يبدو أن الموتى أهملوا وسط الحديث عن النصر وعودة الحياة للمناطق المحظوظة في الموصل».
وإذا كان حظ الموتى الإهمال فالناجون يعانون أيضاً، فهم يكافحون لاستخراج وثائق للحصول على مساعدات وفاة أو عناية صحية للعناية بجراحهم أو التخلص من الشبهة التي ارتبطت بسكان البلدة القديمة أنهم دعموا تنظيم الدولة. وبرغم حديث الجيش العراقي عن أولوية حماية المدنيين قبل هزيمة التنظيم في المعركة الصعبة التي استمرت 9 أشهر إلا أن هناك إشارات تحذيرية بأن الجيش لن يضبط نفسه، خاصة عندما وصل إلى أحياء المدينة الضيقة التي قاتل فيها الجهاديون معركتهم الأخيرة وبعد أن بدا واضحا أنهم يتمترسون وراء المدنيين. ففي آذار /مارس شن التحالف غارات على الموصل الجديدة وقتل 100 مدني على الأقل. وقال السكان إنهم تجمعوا في بناية واحدة لأنها الوحيدة التي يوجد فيها ملجأ. وتستدرك الصحيفة قائلة: إن المخاوف حول المدنيين ليست منحصرة في الموصل بل في الساحات كلها التي تشهد معارك مع تنظيم الدولة في العراق وسورية. وحسب منظمة «إيروورز» فقد زاد عدد الهجمات ضد المدنيين منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة. ودافع العقيد ريان ديلون، المتحدث باسم قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة عن استراتيجية الحرب ضد الجهاديين حيث قال: إن جوهرها هو حماية المدنيين. ونسب زيادة القتلى من بينهم بسبب انتقال الجبهة من شرق الموصل إلى غربها حيث الشوارع أضيق، وليس تغييراً في الاستراتيجية. وقال:» لم تحصل حرب مدن منذ الحرب العالمية الثانية مثل الموصل» و»الطريقة الوحيدة لتحرير المدينة عبر المواجهة بيتا بيتا وشارعا شارعا». وأضاف: إن مهمة إنقاذ المدنيين وقعت على كاهل القوات العراقية التي وصلت إليهم قبل موتهم جوعاً أو قتلهم على أيدي تنظيم الدولة. وفي محاولة من القوات العراقية قتل الإشاعات حول عدد الضحايا قام بنشر قائمة جزئية في نهاية تموز/ يوليو من 1429 قتيلاً في غرب الموصل. ولا يعرف إن كانت المدينة القديمة جزءا من الإحصاءات.
وبعيدا عن العدد الحقيقي، عبر الناجون عن غضبهم وتحدثوا عن العمل الشاق الذي قاموا به لإخراج الجثث. وتحدثوا عن الإجهاد الذي عانوه وقوات الدفاع المدني التي تحصل على أجور قليلة. ولم تكن هناك حفارات أو كلاب بوليسية. وبدلا من ذلك كانت قوات الدفاع المدني تذهب مع العائلات إلى بيوتهم ويبحثون وسط الركام وصناديق الذخيرة التي خلفها التنظيم وراءه. وفي بعض الأحيان تجبر العائلات على الحفر بنفسها نظرا لعدم توفر المال كي تدفعه لرجال الدفاع المدني. ونقلت عن العقيد ربيعة حسن، مسؤول الدفاع المدني في غرب الموصل قوله: إن الذنب ليس ذنب المسؤول عن الحفر لأنه يدفع في كل الوقت من جيبه «لا أحد يهتم أو يسأل».

«نيويورك تايمز»: لا شيء باقياً في اليمن… القصف دمر البنى التحتية ونشر الكوليرا

«بعد عامين ونصف العام من الحرب لا شيء يعمل في اليمن، فقد شل القصف المستمر الجسور والمستشفيات والمصانع، وتوقفت رواتب الأطباء وعمال الخدمة المدنية لأكثر من عام. وبسبب سوء التغذية وغياب المرافق الصحية تعرضت أفقر دولة في الشرق الأوسط لموجات من الأمراض التي أصبحت جزءاً من كتب التاريخ. وفي أقل من ثلاثة أشهر قتلت الكوليرا ألفي شخص وأصابت نصف مليون في واحدة من الموجات التي لم يشهدها العالم منذ 50 عاماً»، هكذا بدأت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرها عن الوضع اليمني. ونقلت عن يعقوب الجيفي، جندي يمني لم يتلق أجره منذ 8 أشهر قوله:»إنه موت بطيء». وتلقت ابنته، علاجاً من سوء تغذية مزمن في المستشفى بالعاصمة صنعاء وتعيش على الحليب واللبن اللذين يقدمهما الجيران لها، ولكنهما ليسا كافيين لتعافيها. ولم يستطع الجيفي مثل نصف اليمنيين الوصول إلى العيادة الطبية الوحيدة العاملة في قريته ولهذا اقترض الجيفي أموالاً من أقاربه وأصدقائه كي يعالج ابنته في العاصمة. ويقول: «نحن ننتظر النهاية أو تفتح السماء علينا».
وتتساءل الصحيفة عن الكيفية التي انهارت فيها منطقة غنية بالثروة ودخلت هذا المنزلق. وتضيف: إن اليمن طالما كان أفقر بلد في العالم العربي وعانى من حروب ونزاعات مستمرة. وبدأ النزاع الأخير في عام 2014 عندما قام المتمردون الحوثيون بالسيطرة على العاصمة وأجبروا الرئيس على الهروب إلى المنفى. وفي آذار /مارس 2015 قررت السعودية قيادة تحالف من الدول العربية وشنت عملية عسكرية بهدف إعادة الحكومة الشرعية وطرد الحوثيين الذين جاءوا من شمال البلاد. وحتى الآن فشل التحالف بإنجاز المهمة المعلنة ولا يزال البلد منقسما بين المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وتلك التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية التي تعمل من عدن جنوب البلاد.
وتقول الصحيفة: إن الكثير من الغارات الجوية أدى لقتل وجرح العديد من المدنيين بمن فيهم الذين سقطوا في يوم الأربعاء في غارة على العاصمة. ودمر القصف المستمر البنية التحتية للبلاد خاصة الموانئ الحيوية والجسور المهمة والمستشفيات والمرافق الصحية والمصانع التي يديرها مدنيون. ولم تعد هناك خدمات كان يعتمد عليها اليمنيون في معاشهم وأثر الدمار للبنى التحتية على الاقتصاد اليمني الضعيف أصلا. بل وعقد القصف من مهمة المؤسسات الإنسانية لإدخال المساعدات وتوزيعها على المحتاجين. وأدى القصف لإغلاق مطار صنعاء الدولي أمام الملاحة المدنية لمدة عام، وهذا يعني أنه لا يمكن نقل البضائع التجارية ولا الجرحى والمرضى اليمنيين لتلقي العلاج في الخارج. ولم يتلق الموظفون المدنيون في كلا الإدارتين المتنازعتين رواتبهم منذ أكثر من عام بشكل زاد من فقرهم خاصة أن فرص العمل في ظل الحرب غير متوفرة. وأكثر المتضررين من توقف الرواتب هم العاملون في القطاعات الضرورية التي تتعامل مع الأزمة مثل الأطباء وقطاع التمريض ونظام المرافق الصحية والفنيين بشكل أدى لانهيار هذه القطاعات. وأضيف لهذه الكوارث كارثة الكوليرا التي انتعشت في ظروف الحرب. وانتشرت البكتيريا في المياه الملوثة وفي مياه المجاري. وبسبب تراكم أكوام الزبالة وتدمير المرافق الصحية بات اليمنيون يعتمدون على مياه الآبار الملوثة للشرب. وزاد هطول المياه من تلوث الآبار. وفي الدول المتطورة لم تعد الكوليرا مرضا يهدد الحياة ويمكن علاجه بسهولة باستخدام المضادات الحيوية لو أصبح متقدما وخطيرا. إلا أن اليمن الذي يعاني من انتشار سوء التغذية، خاصة بين الأطفال صار مناخاً جيداً لانتشاره.
وقالت ميريشتل ريلانو الممثلة المقيمة لليونيسيف في اليمن: « مع انتشار سوء التغذية بين الأطفال فلو أصيبوا بالإسهال فلن يتعافوا». وخارج عيادة علاج الكوليرا في صنعاء كان محمد ناصر ينتظر الأخبار عن ابنه وليد البالغ من العمر 6 أشهر وأصيب بالمرض. وناصر عامل زراعي فقير اقترض المال لنقل ابنه لصنعاء ولا يملك المال الكافي للعودة إلى بلدته حتى لو تعافى ابنه.
وقال:» وضعي سيئ». ولمواجهة انتشار الكوليرا أقامت العيادة خمس خيم في الخلف لاستقبال الأعداد المتزايدة من المرضى. وتقول الصحيفة: «يخشى الباحثون من استمرار انتشاره بهذه المعدلات بحيث يتفوق على الحالات التي أصيب بها سكان هاييتي بعد الهزة الأرضية المدمرة في عام 2010». ولا تستطيع منظمات الإغاثة إعادة الخدمات التي من المفترض أن توفرها الحكومة. وهذا يعني ان هناك فرصة قليلة لتحسن الأوضاع إلا في حالة توقف الحرب. وتعلق ريلانو: «نحن في العام الثالث تقريبا من الحرب ولم يتحسن أي شيء» و «هناك محدودية لما يمكننا عمله في هذه الدولة المنهارة».
وترى الأمم المتحدة أن الوضع في اليمن هو أكبر أزمة إنسانية حيث تحتاج أكثر من 10 ملايين لمساعدات عاجلة ويمكن ان يتدهور الوضع أكثر. وحذر بيتر سلامة، المدير التنفيذي للبرامج الطارئة في منظمة الصحة العالمية أنه مع انهيار الدولة نشاهد انتشار وباء الكوليرا وربما رأينا انتشار أوبئة أخرى في المستقبل. وتقول الصحيفة: لا إشارة عن نهاية الحرب حيث توقفت الجهود السلمية التي ترعاها الأمم المتحدة ولم يظهر أي من الأطراف المتنازعة استعدادا للتنازل. ولا يزال الحوثيون وداعموهم يحكمون السيطرة على العاصمة فيما تعهد السعوديون بالقتال حتى يستسلم الطرف الآخر. وتقول الأمم المتحدة إن اليمن بحاجة إلى 2.3 مليار دولار مساعدات إنسانية هذا العام، إلا أنها لم تحصل إلا على 41% من هذا المبلغ. وتعتبر الأطراف المشاركة في الحرب من أكثر الدول المانحة، حيث تقدم السعودية والإمارات مبالغ كبيرة.
إلا أن النقاد يقولون: إنهما تنفقان على الجهود الحربية أكثر من الجهود الإنسانية وحصارهما لميناء الحديدة ترك أثر مدمرا في المدنيين. وتعتبر الولايات المتحدة من المانحين الكبار لكنها من أكبر مزودي السلاح لدول التحالف الذي تقوده السعودية. ومع أنها ليست متورطة مباشرة في الحرب إلا أنها قدمت الدعم العسكري للتحالف وعادة ما يعثر اليمنيون على بقايا الذخيرة الأمريكية الصنع بعد غارات جوية قاتلة. ويعلق صالح الخولاني: «الحرب تلاحقنا من كل الجوانب». وفر الخولاني مع عائلته من الشمال ومن ثم إلى صنعاء وبعدما ضرب التحالف السعودي مخيما كانوا فيه وقتل عددا من أفراد عائلته عاشوا في الشوارع لفترة يتسولون «أحيانا نحصل على طعام الغذاء وأحيانا لا نجد ما نأكله».

«فايننشال تايمز»: خسارة تنظيم «الدولة» للأراضي لم توقف «حيتانه» ولا تهريب أمواله للخارج

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية