يتسابق أربابّ «الحاخاميّة الرئيسية» في الكيان الإسرائيلي على تصدّيـــــر الفتاوى الدينـــية الأكثر غلوّاً وتطرفاً ضدّ الشعب الفلسطيني، لما تجدّه من «حاضنة» مجتمعيّة إسرائيلية خصبّة صوبّ المزيد من الجنوّح اليمينيّ الدينيّ المتشدّد، ولنجاعتها، أيضاً، في مخاطبة حالة القلق والخــوف المتعاظمّة عند الإسرائيليين نتيجة «الانتفاضة» الفلسطينية، ما يجعلها أكثر قدرة على «التغلغل» في صفوفهم حدّ اعتناقها وتنفيذ تأويلها.
وتأتي، في هذا الإطار، الفتوى الصادرة مؤخراً عن الحاخام الأكبر، يتسحق يوسف، «بقتل الفلسطينيين بلا تردّد» وليس «تحييدهم»، لاسيما «حامليّ السكاكين» منهم. ويقع مكمنّ خطورة تلك الفتوى، غير المستحّدثة، والكاشفة عن الوجّه القبيح للمحتلّ، في منصِبّ مُصدٍّرها، وتأثير مضمونها الداخلي، ومنهلّ مرجعيتها، فضلاً عما تفضحّه من نزعة الجرأة التي تمتلكها القوى الدينية الإسرائيلية لانتقاد المؤسسة العسكرية، التي ظلت لفترات طويلة تمثل أهم مظاهر توحدّ الإسرائيليين.
وإذا كان الحاخامات، عموماً، لاسيما «الأعلى» موقعاً مرموقاً منهم، يحظون بثقلّ مجتمعيّ وازن، يتجاوز صفّ الأتباع والمريدين، إلى الشرائح المجتمعية المختلفة، في ظلّ مكوّن إسرائيلي يلامسّ في داخله «الأساطير» الدينية التوراتية التلمودية، لما تعكسّه من غلبة الاتجاه العنصري العدواني لديه تجاه الفلسطينيين، فإن الأمر يزداد قتامة مع الحاخام يوسف، إزاء رئاسته هرّم دار «الحاخاميّة الرئيسية»، في شقهّا الشرقيّ، «السفارديّ»، التي تتمتع بصلاحيات واسعة، جرّاء حرص المؤسسة السياسية الإسرائيلية على إضفاء البعد الديني ضمن الإطار الهيكيلي للكيان المحتل، منذ إقامته، لتنفيذ المشروع الاستيطاني الاستعماري الإحلالي في فلسطين، ودوران الأحزاب الدينية، الممثلة حكومياً ونيابياً، في فلكها، حيث تعدّ بمنزلة الذراع السياسية لدار الحاخامية، وبوصفها، أيضاً، المحكمة الدينية العليا، حيث يتبع لها حاخامية عسكرية مسؤولة عن إدارة النشاطات الدينية في جيش الاحتلال، فضلاً عن المدارس الدينية العسكرية، رغم أن المفارقة تكمن في عدم التزام بعض العاملين داخل تلك المؤسسة بالدين، بينما لا يؤيد بعضهم الصهيونية وقيام الكيان الإسرائيلي، أو يعتبر أن عمله مصدر رزق وليس رسالة، كما أن قلة منهم يرسلون أبناءهم للخدمة العسكرية.
وكحال الفتاوى «الحاخاميّة» التي تجيز قتل الفلسطينيين، حدّ «الإبادة» الجماعيّة، فإن «فتوى» الحاخام يوسف تستقيّ مرجعيتهّا الدينية من نصوص التوراة والتلمود وتفسيراتهما، الحافلة «بأوامر» سفك الدماء وتقديس العنف والقوة، بحيث باتت تمثل معه «الهالاخاة» (الشريعة اليهودية) بمثابة الحكم الفيصل بالنسبة للكيان الإسرائيلي في الشأن السياسي، وفي العلاقة مع «الآخر»، الفلسطيني العربي، مشكلة بذلك «إطاراً» تنسج منه أساطير ما تزال متلبسة، حتى اليوم، لمقولات «الشعب اليهودي» و»أرض إسرائيل» و»الوعد الإلهي»، مما يسمح بإنتاج تجمع «استيطاني» مغلق داخل إطار شمولي ونسق موحد يسود في أعطافه التعصب والتطرف، مع قولبة المجتمع و»الدولة» والسياسة ضمن قواعده الضابطة. ومن هنا؛ لاتعدّ الفتوى الأخيرة «يتيمة» من حيث المضمون، بل تندرج في إطار سلسلة فتاوى عنصريّة وتوسعيّة صدرت في مفاصل تاريخية حاسمة، وأسهمت، بشكل أو بآخر، في تأجيج رفض الداخل الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، ومعارضته للعملية السلمية، و»لتقسيم القدس» و»إزالة المستوطنات»، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هجروا منها بفعل العدوان الصهيوني عام 1948، والتي تشكل في مجملها رؤية الأحزاب والتيارات الإسرائيلية، اليمينية واليساريّة والدينية، المختلفة.
وقد شكلت بعض الفتاوى أثراً متجذراً في الساحة الإسرائيلية؛ مثل فتوى صدرت عن حاخامات الدولة المنضوين في إطار «الاتحاد العالمي من أجل أرض إسرائيل» عام 1993، تاريخ توقيع اتفاق أوسلو، تحرِّم الانسحاب من «أرض إسرائيل» وتبيح حمل السلاح ضد أي فلسطيني يحاول «استلابها»، فضلاً عن الفتوى الصادرة عن «حاخامات الجمعية العبرية» عام 1995 التي انتزعت الشرعية عن عملية التسوية السلمية ونواتجها، معتبرة أن «الانسحاب من الضفة الغربية ومستوطناتها أمر محرم دينياً وعلى الجنود عدم إطاعة أي أوامر بهذا الخصوص»، في وقت شككت فيه بأحقية الساسة بالتخلي عن مبادئ «الشعب اليهودي» والتحكم في قراراتهم المصيرية، كما أصدر الحاخام الأكبر السابق مردخاي إلياهو فتوى عقب مذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل في 25 فبراير 1994 أباح فيها «قتل النساء والأطفال من الفلسطينيين العرب وكل المعادين لإسرائيل»، مبرئاً (اليهودي المتطرف منفذ العملية) غولدشتاين من فعلته. كما صدرت فتوى في العام ذاته تطالب جنود الاحتلال بعدم الانصياع لأي أوامر تقضي بالانسحاب من المستوطنات. فيما حُمّـلت مجموعة الفتاوى التي صدرت عن الحاخامات ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين لخوضه في مسار العملية السلمية، مسؤولية اغتياله عام 1995 على يدّ إيال عمير. ومع ذلك، فإن القوى الدينية تتساهل كثيراً في القوانين والتشريعات الدينية إذا تعلق الأمر بعمل المؤسسة العسكرية، ومن ذلك إباحتها تسيير دوريات مسلحة أيام السبت والأعياد اليهودية، رغم الحظر الديني لأي نشاط في أيام السبت.
ويعبّر الولوج الديني في خضمّ مؤسسة عسكرية تتبع «دولة» تصفّ نفسها بالعلمانية عن توافق بين القادة العسكريين والزعماء الدينين حول الأهداف، فأسطورة التوراة بما تحمله من مضامين نصّية تقدم المبرر المثالي للممارسات العدوانية التي يقوم بها رجال الجيش وتسبغ الشرعية على أعمالهم، الأمر الذي يتبين عبر وصفها العدوان الإسرائيلي على لبنان 1982 «بحرب يلهمها الربّ»، موصية الجنود بقراءة النصوص الدينية الداعية إلى تدمير أعداء «إسرائيل» بالنار والعاصفة، ومصدرة خريطة تزعم «الحق في مساحات واسعة من جنوب لبنان كميراث لإحدى قبائل «إسرائيل» الإثنتي عشر «آشر»، وفق مزاعمها، ومن ثم تشبيهها قبول الساسة الإسرائيليين بخريطة الطريق (2003) بمثابة «سفك دماء اليهود جميعاً»، كما يتجلى أيضاً عبر مشاركة الحاخامية العسكرية في العدوان الإسرائيلي الأخير ضدّ قطاع غزة، وإصدار فتاوى «تبيح قتل الفلسطينيين العرب» جميعاً.
واللافت هنا تحرّيض عدة فتاوى دينية صادرة عن «الحاخاميّة العسكرية» للجنود الإسرائيليين ضد القرارات العسكرية العليا، مثل فتوى الحاخام يوسف نفسه، التي رفض فيها «الاكتفاء بإطلاق النار على الفلسطينيين بهدف تحييدهم»، بل دعا إلى «قتلهم، وعدم الاكتراث والخوف من تصريحات قائد الجيش أو المحكمة العليا»، رداً على تصريحات رئيس أركان جيش الاحتلال، التي قال فيها إنه «من غير الضروري إفراغ مخزن رصاص بـ»المخرب»، أو تطبيق مبدأ «من تعتقد أنه جاء ليقتلك قم وبادر بقتله»، وفق قوله.
وتشّي سلسلة هذا النوع من الفتاوى الحاخامية عن نزعة الجرأة التي باتت تمتلكها القوى الدينية لانتقاد مؤسسة ظلت لفترات طويلة تمثل أهم مظاهر توحد اليهود وأبرز عوامل صهر بوتقته. غير أن تغير الظروف الداخلية والإقليمية، ومنها العملية السياسية واستحقاقاتها، إضافة إلى تصاعد مسار المقاومة الفلسطينية، وتراجع مستوى الأمن في الداخل الإسرائيلي، والإخفاقات المتوالية التي مُنيت بها المؤسسة العسكرية، قد فسح المجال أمام تصاعد دور القوى الدينية في هذه المؤسسة.
فبما أن السلم، في منظورها، قد عجز عن تحقيق الأمن بالنسبة للقوى الدينية، فمن الحريّ بها تجاوز أجهزة الحكم والمؤسسات الرسمية في سعيّها لفرض تصوراتها للأمن والسلام، خاصة في أوقات الشدائد والأزمات، ما أدى إلى ارتفاع مصداقية الخطاب الديني داخل الكيان الإسرائيلي، لاسيما عند الربط بين مفهومّي الأمن والعقيدة الدينية اليهودية التي تحضّ على استخدام القوة ضد الأعداء من الفلسطينيين العرب، وسط التعويل على رفض الداخل الإسرائيلي الاعتماد على السلام لتحقيق أمنه، أمام «ضمانات» غير آمنة، بالنسبة إليه، قد يبددها حدوث تغيير «ما» عند الجانب الفلسطيني والعربي، لا تصبّ في مصلحته.
وينشط أوارّ «الحاخاميّة» هذه الأيام، لتعزيز التشدّد العقيدّي الصهيوني في الداخل الإسرائيلي تجاه مناهضة استئناف العملية السلمية، رغم أنها حققت له معظم مطالبه، لأنه ألِف على مدى زهاء نصف قرن زمني استمرار الأمر الواقع الذي يمكنه من احتلال الأراضي العربية، وفرض الوقائع المغايرة في فلسطين المحتلة، إزاء ما يعتقده فعلاً بعيداً عن ضغط المساءلة والمحاسبة، في ظل الانحياز الأمريكي له، وضعف الدعم العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية.
٭ كاتبة أردنية
د. نادية سعد الدين