«فتح» و«حماس»: الهوة الفاغرة

حجم الخط
1

 

لا يلوح أنّ الاقتراح الذي خرجت به السلطة الوطنية الفلسطينية، باسم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول عقد «اجتماع فوري لقادة العمل الوطني الفلسطيني من خلال الإطار القيادي المؤقت» للمنظمة، في القاهرة، سوف يلقى آذاناً صاغية من البلد المضيف. فمن جانب أوّل، لا تشجّع إدارة عبد الفتاح السيسي على عقد لقاء كهذا، لأنه ببساطة يتنافى مع المواقف المصرية الراهنة إزاء العدوان الإسرائيلي؛ ولأنّ خيارات القاهرة أقرب إلى المقاربة الأمريكية، بل الإسرائيلية أيضاً. ومن جانب ثانٍ، لم تطرح السلطة الفلسطينية هذه المبادرة إلا بعد انفجار الشارع الشعبي الفلسطيني في الضفة، وانطلاق تظاهرات تضامن عارمة مع غزّة، في نابلس ورام الله والقدس.
بمعزل عن هذا، ثمة ذلك البون الشاسع القديم، بين السلطة و»حماس»، والمرشح للاتساع أكثر فأكثر بعد أن جنح الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى خيارات في التحرك ضد العدوان الإسرائيلي بدت وكأنها لا تخدم إلا رفع العتب والدبلوماسية الكسيحة. وفي نهاية المطاف، ثمة بين السلطة والحركة ما صنع الحدّاد، وليس بعيداً ذلك الزمن الذي شهد عباس وهو يطلق على «حماس» صفات الحركة «الإرهابية» و»الانقلابية» و»التكفيرية»؛ ليس ضمن حوار صحافي، مثلاً، بل خلال خطاب ناريّ ألقاه أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
فكيف، في ضوء هذا التوصيف، يصنّف عباس ناخبي «حماس»، الذين صوّتوا لها بالأغلبية الكاسحة الشهيرة؛ وهل هم، بدورهم، «إرهابيون» و»انقلابيون» و»تكفيريون»؟ وإذا كان رئيس كلّ الفلسطينيين (وليس الزعيم الفتحاوي فقط، أخلاقياً ودستورياً في الأقلّ) يطلق هذه الصفات على أبناء شعبه، ناخبي «حماس»، وبينهم شرائح واسعة انحازت إلى مرشحي الحركة من باب معاقبة «فتح» حصرياً؛ فهل يُلام الخطاب الإسرائيلي أو الأمريكي إذا وضع الفلسطينيين، جميع الفلسطينيين، في خانة الإرهاب؟ وكيف صحا عبّاس، متأخراً كثيراً، على هذه الحقائق الإرهابية الإنقلابية التكفيرية لحركة هزمت حركته التاريخية، وكلّفها بتشكيل حكومتين، ووقّع معها اتفاقاً ذهبياً مقدّساً في رحاب مكة المكرّمة، برعاية سعودية، وفي غمرة إغداق للمديح المتبادل، وإهراق للنوايا الطيبة؟
ثمّ إذا صحّ أنّ «حماس» نفّذت انقلاباً على الشرعية، فكيف نسمّي لجوء عباس إلى تلك البدعة الجديدة التي أسماها «حكومة طوارىء»، تسرح وتمرح بوحي من شرعية ذاتية التوليد، دون عودة إلى المجلس التشريعي؟ أم ذاك انقلاب مشروع، لأنه حظي على الفور بتأييد الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وإسرائيل ذاتها؟ وإذا صحّ أن «حماس» سعت إلى إقامة «دولة التخلّف والظلام»، كما اعتبر عباس في الخطاب ذاته؛ فأية دولة كانت أجهزة محمد دحلان تسعى إلى إقامتها في غزّة؟ أهي دولة الحقّ والخير والجمال؟ وفي التنكيل اليومي بكرامة المواطن الفلسطيني الغزّاوي، ما الفارق حقاً بين جهاز «القوّة التنفيذية» الحمساوي، وجهاز «الأمن الوقائي» الفتحاوي؟
وبالطبع، لا مناص هنا أيضاً من استعادة السؤال الكبير الذي انبثق منذ فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ثمّ ترسّخ أكثر بعد سيطرة الحركة على مقاليد الأمور في غزّة، واضطرارها إلى مواجهة سلسلة الحروب الإسرائيلية المتعاقبة: هل المشكلة، كلّ المشكلة، في «حماس» حتى تصبح كلّ الحلول وكلّ الصفقات وكلّ التسويات مرتبطة بإسقاطها، أو تدجينها؛ حتى دونما حاجة إلى زجّها مجدداً في القمقم السحري الذي خرجت منه، أي صندوق الاقتراع؟ وهل كانت «حماس» هي العائق طيلة السنوات، منذ مؤتمر مدريد وحتى جولات التفاوض العقيمة الأخيرة، مروراً بكلّ اتفاقيات أو مشاريع اتفاقيات أوسلو والخليل وطابا وشرم الشيخ وكامب دافيد…؟
وإذا كانت الهوّة فاغرة هكذا، بين السلطة والحركة، والعدوان الإسرائيلي الراهن يزيد في تفاقمها (وبالتالي يكشف عواقبها، وعوراتها، لدى سلطة عباس أوّلاً)؛ فأية مصداقية ينتظرها المرء من بيان اللجنة التنفيذية الأخير، الذي يعلن تبنّي «مطالب المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة»، ما دام الناطق باسم تلك المطالب ليس سوى… خالد مشعل؟

صبحي حديدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية