ما كنت أتصور أن يتأكد ما ورد في مقال الأسبوع الماضي عن التزام وزير العدل المطرود «بما استقرت عليه سياسة مصر الرسمية في عصر مبارك. وكلها مورست بالمخالفة لأحكام الدستور والقانون».. وهي سياسة معادية لثورة يناير 2011 وموجتها الثانية في يونيو 2013، وتنفذها الحكومة الحالية.. وجاء تعيين أحمد الزند وزيرا للعدل فتنة من العيار الثقيل، لأنها تعني رد الاعتبار لوزير العدل السابق، والإقرار بحرمان أولاد الفقراء من العمل القضائي.. وهذا امعان في تحد المجتمع بأسره.. فالزند من نفس الاتجاه.. ويتبنى نفس الثقافة. ويمثل أخطر تحدي أمام ثورة 25 يناير، التي يلتزم بها الدستور، وألد خِصْم للشعب الذي صنعها.
والزند كداعية للتمييز الاجتماعي والفئوي، ونصير لحرمان المجتهدين من خريجى الحقوق والشريعة والقانون من التعيين في وظائف القضاء؛ فلا هم ولا أباؤهم من السلالة المقدسة، ولا مكان لهم في جنته.. وليسوا من فصيلة الإقطاعيين الجدد، وعليهم القبول بعبودية أنصاف الآلهة، وطاعتهم، كرعاة للتمييز وتوريث المهن والوظائف واجبة.. لكن ما العمل إذا كان من بينهم متهم بالاستحواذ على مئات الأفدنة من الحزام الأخضر بمدينة 6 اكتوبر؛ وقدَّرها الخبراء بمليارات الجنيهات، ويواجه قضايا مرفوعة ضده ولم يفصل فيها بعد؟!
وبدايات الخلل القضائي نشأت مع نظام «المحاكم المختلطة» لصالح رعايا الدول الأوروبية؛ منذ عام 1875 قبل الغزو البريطاني لمصر 1882، وجاءت على حساب المحاكم الأهلية والشرعية.. وشاع وقتها أن المحاكم المختلطة حل لتجاوزات المحاكم القنصلية، ونالت اهتمام الخديوي اسماعيل، فافتتحها بنفسه في قصر رأس التين بالإسكندرية 1875.. واستمرت حتى ألغيت 1949.. وزادت وطأة التمييز إبان الاحتلال البريطاني.. ولمسناه في محكمة دنشواي 1906، التي رأسها بطرس غالي ؛ رئيس وزراء مصر فيما بعد، ومشاركة فتحي زغلول (شقيق سعد زغلول) وأدانت 36 من 92 فلاحا، ونفذ حكم الإعدام في أربعة منهم. .
ونشرت «الأهرام» وقتها مرافعات ابراهيم الهلباوي المدعي العام ضد الفلاحين فقال: «الاحتلال الإنكليزي حرر المواطن المصري وجعله يترقى ويعرف مبادئ الواجبات الاجتماعية والحقوق المدنية»!!.. ووصف الفلاحين بـ»السفلة وأدنياء النفوس»، واستطرد: «أساؤوا ظن المحتلين بالمصريين بعد أن مضى على الإنكليز بيننا خمسة وعشرون عاما، ونحن معهم في إخلاص واستقامة»(!!).
وحديثا اتخذ القضاء مواقف مشهودة؛ من بينها الحكم التاريخي في قضية «انتفاضة يناير 1977»؛ المسماة بانتفاضة الحرامية؛ وأصدره القاضي حكيم منير صليب، بحضور علي عبد الحكيم عمارة واحمد محمد بكار؛ القاضيين بمحكمة استئناف القاهرة..
وفي مايو 2006 خرج القضاة احتجاجا على تزوير انتخابات 2005، ووُصِف ذلك الخروج بـ»انتفاضة القضاء»، واعتدى «الأمن المركزي» خلالها على المتظاهرين، واعتقل نحو 300 من الصحافيين وحركة «كفاية» ورموز المعارضة.
والزند ليس وحده راعي التمييز؛ هناك «المجلس الأعلى للقضاء» بنقضه قواعد المساواة وتكافؤ الفرص؛ المعتمدة على وتقديرات التخرج ومستوى التفوق، وكانت خمسينات وستينات القرن الماضي قد شهدت مساوة وتكافؤاً حقيقيا للفرص، وشغل كثيرون من أبناء الشعب وظائف وتقلدوا مناصب عالية، ويفخرون بأصولهم الفلاحية والعمالية والشعبية!.
وحين حل عصر التمييز بوحشيته، وحقبة التفرقة الاجتماعية والفئوية بسوادها؛ تفشت الوساطات والتوريث والرشوة والبلطجة والجريمة، وبدلا من مكافأة المجتهدين؛ عوقبوا هم وأباؤهم؛ فالأقطاعيون الجدد يريدونهم «أقنانا»؛ أشبه بـ»المنبوذين» في الهند!.
ونجد من بين أبناء المستفيدين من مجانية التعليم ومن أراضي الإصلاح الزراعي؛ من يؤيد التمييز ويناصر «خصخصة» الوظائف والمناصب.
عبر الكاتب الصحافي عادل حمودة مؤسس صحيفة «الفجر» القاهرية ورئيس تحريرها السابق؛ عن قلقه في مقال الأسبوع الماضي من قرار بقانون رقم 16؛ المعدل لقانون الإجراءات الجنائية؛ وصدر في 12 آذار/مارس الماضى، ويبيح لرئيس الجمهورية العفو عن مرتكبي الجرائم دون تحديدها.. وذكر أنه «حق يمكن الدولة من مقايضة الجواسيس، والإفراج عن أجانب يسبب وجودهم في السجون ضررا قوميًا. وأضاف: «ما كان للرئيس أن يوافق عليه لو علم عند عرضه عليه حقيقته مشبوهة المقاصد».. وأورد رأي الفقيه الدستوري علي الغتيت من أن القانون أضاف مادتين جديدتين هما (18) مكرر (ب) و(208) مكرر (هـ) إلى قانون الإجراءات الجنائية؛ أجازتا التسوية الودية والصلح مع مرتكبي جنايات الاعتداء على مصالح الدولة والمنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات وهي:
(1) جرائم اختلاس الأموال العامة والخاصة والاستيلاء عليها بغير حق.
(2) جريمة الغدر أو طلب أو أخذ ما ليس مستحقاً من غرامات وضرائب.
(3) جرائم محاولة التربح من أعمال الوظيفة والإخلال بتوزيع السلع.
(4) جرائم إحداث الضرر بالأموال والمصالح عمدًا بالإهمال.
(5) جرائم الإخلال بتنفيذ بعض العقود الإدارية وعقد المقاولة.
(6) جريمة استخدام العمال سخرة.
(7) جريمة تخريب الأموال الثابتة والمنقولة.
أباحت المادة (18) مكرر (ب) تقر التصالح بموجب تسوية تعدها لجنة خبراء؛ تتشكل بقرار من رئيس الوزراء.. ويُحرر محضر يوقعه أطرافه.. ويعرض على مجلس الوزراء لاعتماده.. ويعد الاعتماد توثيقا بدون رسوم.. ويكون لمحضر الصلح قوة السند التنفيذي.. حسب ما قال الغتيت، وأضاف أن المادة نفسها: «تنص على أن يتولى مجلس الوزراء إخطار النائب العام سواء كانت الدعوى قيد التحقيق أو المحاكمة.. ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية عن الواقعة محل التصالح بجميع أوصافها.. وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على المتهمين في الواقعة إذا تم الصلح قبل صيرورة الحكم باتا».
وتستطرد المادة: إذا تم الصلح بعد صيرورة الحكم باتا جاز له ولوكيله الخاص أن يتقدم إلى النائب العام بطلب وقف التنفيذ مشفوعا بالمستندات المؤيدة له.. ويرفع النائب العام الطلب إلى محكمة النقض مشفوعاً بهذه المستندات، ومذكرة برأى النيابة العامة، وذلك خلال عشرة أيام من تاريخ تقديمه.. ويُعرض على إحدى الدوائر الجنائية بالمحكمة منعقدة في غرفة المشورة لنظره لتأمر بقرار مسبب بوقف تنفيذ العقوبات نهائيا؛ إذا تحققت من إتمام الصلح واستيفائه جميع الشروط والإجراءات المنصوص عليها فى هذه المادة، «ويكون الفصل فى الطلب خلال خمسة عشر يوما من تاريخ عرضه وبعد سماع أقوال النيابة العامة والمحكوم عليه»!!.
وهناك تفاصيل قانونية كثيرة لا تتسع لها المساحة.. وصف فيها الغتيت الموقف بـ«إننا أمام جريمة تشريعية تهدد الفصل بين السلطات وتشجع على ارتكاب الجنايات» ورأى أن الدولة لجأت إلى هذا القانون لتحسين مناخ الاستثمار.. واعتبر ذلك نوعا «من حسن النية الذى يلقى بنا في الجحيم».. ويلغي رادع الخوف من السجن.. والقانون صدر قبل أيام من انعقاد المؤتمر الاقتصادي، ومعه قوانين أخرى للاستثمار والخدمة المدنية والضرائب.. ويرى أن التعجل في صياغته فرضت عليه ما فيه.. ويلفت النظر فيه؛ موافقة المجلس الأعلى للقضاء عليه، فهو يلغي سلطاته!!.
ويرى وهو صاحب الباع عربيا ودوليا إن القانون منعدم دستوريا واستمراره ينهي «مشروعية الدولة».. والحل، في نظره، إصدار قرار جمهوري يجمد القانون ويمهد لإلغائه. ويقول: حتى لو كان القانون قد وضع لاستعادة ما نهب من الدولة فى سنوات سابقة دون أن يكون هناك سبيل آخر لاستعادتها فكان لابد من تحديد فترة زمنية للقانون ليستفيد منه فاسدون سابقون فقط دون أن يمتد أثره إلى فاسدين لاحقين. والمساحة انتهت ولم تنته تعقيدات الوضع القضائي المصري. وبدورنا نسأل لماذا فعلت ذلك سيادة الرئيس؟
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب