فتوى مقاطعة الأضاحي في تونس

■ رقم مفزع اخر يظهرفي تونس قبل ايام من بدء العام الدراسي الجديد. ففي ندوة نظمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تم الكشف عن ان ازيد من مئة الف تلميذ انقطعوا العام الماضي عن مقاعد الدراسة. معظم المتابعين للظاهرة يرونها ثمرة طبيعية للخراب الذي ضرب مناهج التربية والتعليم واصابها بالتكلس والجمود، فلم تعد قادرة على الاستجابة لطموحات الاجيال الشابة، فضلا عن ان توفر لها فرصا للتوقي والحماية من مخاطر الضياع والتشرد. اما الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي فقد فاجأ الكثيرين لما اعتبر في تصريحات ادلى بها لوكالة الانباء الرسمية ان من بين ما قاد الى ذلك الارتفاع المخيف والرهيب في عدد المنقطعين عن الدراسة بنسب قدرت بثلاثين بالمئة مقارنة بالاعوام السابقة، ما وصفه «بتعدد الانشطة والخيمات الدعوية التي نظمتها جمعيات تابعة لتيارات دينية متشددة امام المؤسسات التربوية على طول السنة الدراسية المنقضية، على مرأى ومسمع من الجميع»، قبل ان يضيف ان «الخطب الداعية الى التطرف والكراهية التي كانت تُلقى في ذلك الاطار، دفعت عشرات الشباب الى الذهاب الى الجهاد في سوريا، بالاضافة الى التصريحات المنددة بالاختلاط في المدارس بين الاولاد والبنات»، فعديد العائلات مثلما يقول «تاثرت بتلك الخطب، واقتنعت بضرورة عدم الاختلاط في المدارس ودفعت ابناءها الى الانقطاع عن الدراسة». تفسير المسؤول النقابي وتصريحاته لا تخرج عن سياقات مشابهة تلتقي كلها على خط واحد وهو، ان جميع مآسي تونس ومحنها لم تحصل الا بعد هروب الرئيس المخلوع بن علي، لا خلال عهده المديد والسعيد. واخر ما تصدر تلك السياقات هو الجدل المصطنع الذي اشتعل قبل ايام حول اضاحي العيد والذي لم يخمد الا بظهور بيان رسمي لديوان الافتاء. في البيان المذكور نفى مفتي الجمهورية ما تناقلته صحف ومواقع الكترونية مختلفة حول نيته اصدار فتوى بمقاطعة الاضاحي، وبيّن ان تلك «الشعيرة سنة مؤكدة بحق كل قادر عليها، وهذا مذهب جمهور العلماء، فمن وجد في نفسه القدرة على الاضحية فليحيي تلك الشعيرة، ومن كان في عسر ولا تتوفر لديه القدرة فانها تسقط في حقه ولا حرج عليه». البيان موجه مثلما هو مفترض بالطبع الى شعب وبلد وصله الفتح الاسلامي على عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وليس الى سكان الاسكيمو او غيرهم من الشعوب في اقاصي الارض، ولكنه اي البيان صار اليوم بالذات مطلبا ملحا، بل اولوية وطنية للبعض حتى يعرف الحكم الشرعي للاضحية، وعلى لسان المفتي بالتحديد.
القصة بدأت من خلال ما اطلقت عليه بعض الصحف المحلية، صيحة فزع لرئيس نقابة الاطارات الدينية، للمطالبة بفتوى لمقاطعة الاضاحي. اما المبررات فهي وفقا لما نقلته تلك الصحف نفسها «تدهور المقدرة الشرائية للمواطن وارتفاع اسعار الخرفان لتبلغ الف دينار للخروف الواحد». وحتى لا تنطلق الدعوة من فراغ فقد قامت النقابة بحسب المسؤول نفسه بدراسة «تبين من خلالها ان مواطنا واحدا فقط من بين ثمانية قادر على شراء الاضحية». وسط ضباب مشهد سوريالي تتداخل فيه الادوار بين السياسي والنقابي بشكل كاريكاتوري مذهل، تجد مثل تلك الدعوات سندا واسعا في معظم وسائل الاعلام، فتنشط استطلاعات الرأي المحايدة والعلمية وتتقدم كتيبة خبراء المال والاعمال نفسها، لتفسح المجال امام لغة الارقام هذه المرة، اذ ان مقاطعة الاضاحي سوف تمكن مثلما يقولون من توفير مليون خروف وخمسمئة مليار دينار قد تخلص البلد نهائيا من ازمته الاقتصادية والاجتماعية، وتفتح ابواب الاستثمار في الديمقراطية الناشئة على مصراعيها.
على الجانب الحكومي يرى وزير الزراعة بالمقابل ان الاضاحي متوفرة وموجودة بشكل يفوق الحاجة، ويرد الارتفاع الصاروخي للاسعار الى سبب واحد لا غير وهو احتكار بعض التجار وجشعهم الزائد. اما الحل بنظر السلطات فهو توريد ستة الاف خروف اسباني وصلت ميناء العاصمة في وقت سابق لتعديل السوق وايجاد التوازن المطلوب بين العرض والطلب. هل كانت الفتوى بمقاطعة الاضاحي، في حال اقرارها، تلقى صدى او قبولا لدى التونسيين؟
يشير بعض المتحمسين للفكرة الى اجراء مماثل سبق ان اعلنه العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني في بعض سنوات الجفاف، باقرار مقاطعة للاضاحي ومما نقل عنه في ذلك الوقت انه قال «سأضحي بالنيابة عن شعبي الوفي». لكن من يستطيع الان في تونس ان يضحي بالنيابة عن غيره في عصر يبدو فيه كل شيء في حكم المؤقت والاستثنائي وتقف فيه البلاد امام موعد انتخابي وشيك قد يقودها في حال نجاحه الى بعض الاستقرار الموعود؟
هناك حالة انفصام بالغة التعقيد والصعوبة يسقط فيها معظم التونسيين دونما ادراك ووعي لخطورتها وتداعياتها القريبة والبعيدة، وهي التي تهم علاقتهم ونظرتهم للدين والمعتقد بشكل خاص. فلا احد يستطيع، رغم كل ما تمنحه الحرية من افاق رحبة وواسعة للتعبير والاختيار، ان يدير ظهره بالكامل وبشكل علني ومباشر للاسلام، ويعتبره مسألة شخصية لا علاقة للاخرين بها. في صورة ما اذا تعلق الامر برجال السياسة، فذلك يعني ببساطة نوعا من الانتحار السياسي المبكر وفقدانا لمفاتيح مهمة وضرورية لدخول القلوب والعقول معا. حتى الاحزاب الشيوعية واليسارية المتشددة لا تجاهر بعدائها او رفضها لمظاهر التدين وشعائره المعروفة. لكن الاقتراب من تلك المنطقة المغلقة والمحظورة يلوح صعبا ودقيقا. «فالشعب التونسي مسلم ولا يحتاج لمن يعلمه اسلامه»، يردد الكثير من المفكرين والساسة لصد كل تفكير ولو محدود في فتح العقول والضمائر وتصحيح المفاهيم المختلة والملتبسة في الدين وحوله. يبدو الامر شبيها بما كان يردده نظام الرئيس المخلوع بن علي من انه لا حاجة لتونس بمن يعلمها او يعطيها دروسا في حقوق الانسان. نوع من النرجسية العمياء تنقلب بمرور الوقت الى انزواء وانغلاق تام يحول دون الحق الطبيعي والمشروع في البحث عن مصادر اخرى للمعرفة الدينية خارج الاطر التقليدية المغلقة والمهجورة. ووفقا لذلك لا تبقى سوى الرواية الرسمية والمناهج الحكومية الصماء والبكماء، التي قادت المئة الف طفل العام الماضي الى مغادرة مقاعد الدراسة نحو مصير غامض ومجهول وتقود اليوم وغدا مئات اخرين، إما الى التشدد والمغالاة في التدين او على النقيض من ذلك، الى السقوط فريسة للاجرام والانحراف. هل تحتاج تونس اليوم اذن الى من يعلمها دينها؟ نعم هي بحاجة الان واكثر من اي وقت مضى الى ان تتعلم الديمقراطية والحرية والدين وكل شيء يساعدها على الخروج من انفصامها المزمن، بعد ان تركها الاستبداد ارضا جرداء قاحلة سهلة الاختراق. لكن الالتباس بين العداوة الايديولوجية التقليدية للتيار، الذي يطلق عليه «الاسلام السياسي»، وبين الجوهر المغيب والمفقود للاسلام وعيا وسلوكا وممارسة هو ما يعقد المهمة ويجعلها تتوه في مضاربات سياسية لا اول لها ولا آخر.
لم يسقط المفتي في الفخاخ التي نصبها الساسة وردد حكم الشرع المعروف والمبني على الاستطاعة. اما المئات من الاطفال الذين هجروا مقاعد الدراسة العام الماضي فكانوا للاسف الشديد ضحايا مباشرين لنزق السياسة وطيشها. اما ما كان لافتا يوم وصول باخرة الخرفان الاسبانية فهو عودة اخر وزير صحة في عهد بن علي من فرنسا ليخوض السباق نحو الرئاسة. الذاكرة القصيرة والمثقوبة قد تقبل كل الاشياء وتنساها بسرعة وسهولة، لكنها لا تستطيع ان تنسى بالسرعة والسهولة نفسهما لا فرحة العيد ولا اضاحيه بالطبع.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية